ترجمات

نُدبَة جائحة كوفيد-19 على اقتصاد رأسمالي مثخن بالأزمات

–           الإنفاق الفردي بداخل الولايات المتحدة في مارس كان قد تناقص 7.5% شهراً بعد شهر؛ انحدار هو الأكبر في الاستهلاك الفردي المسجل

–           يتنبأ الآن، جولدمان ساتش [ بنك استثماري أمريكي] بانخفاض في الناتج الإجمالي الفردي يمكن له أن يمحو حتى تلك المكتسبات خلال العشر سنوات الأخيرة

–           بحسب تقديرات أوكسفورد الاقتصادية (Oxford Economics) فهناك إمكانية كبيرة لموجة ثانية من الوباء قد تفرض إجراءات إغلاق جديدة تبقي الاقتصاد الأميركي في الركود- وفي جمود يمتد إلى نهاية 2023

–           بإمكان الركود الاقتصادي أن يُؤَدِّي إلى “ترك علامة كالندبة”- وهو ضرر مداه على الاقتصاد طويل

–        أظن بأن الركود بسبب جائحة كوفيد-19 سيتسبب في كمية من تلك “النُدَب الاقتصادية” على القطاع الرأسمالي

مايكل روبرتس*

ترجمة خاصة- “الشارع”-  بلال أحمد**:

يسيطر التفاؤل على أسواق الأوراق المالية (البورصة) حول العالم، وبالذات في الولايات المتحدة. فبعد تهاوٍ بنحو 30% مع سريان الإغلاقات الضرورية لاحتواء جائحة الـ “كوفيد-19″، عاود سوق الولايات المتحدة في أبريل الماضي الارتفاع مجدداً بنفس النسبة (30%). لماذا؟ حسناً؛ لذلك سببان: أولاً؛ تدخل الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي (نظير البنك المركزي في الدول الأخرى) بضخ مبالغ هائلة من “الدَين” بشرائه السندات والأدوات المالية ]الحكومية[ من كل الأنواع. البنوك المركزية الأخرى تصرفت بشكل مماثل فيما يخص مدفوعات الدَين- بالرغم أنه لا مقارنة تذكر بهذا الخصوص مع الحافز المالي الذي قام به الاحتياطي الفيدرالي. ]بالعادة وبحسب ممارسات الاقتصاد الكلي يفترض أن تقابل عملية شراء سندات الخزينة التي قام بها الاحتياطي الفيدرالي، عملية طبع نقود جديدة- ملاحظة من المترجم [.

نتيجة لذلك، ارتفعت بحدة، القيمة التقديرية للبورصة الأميركية مقابل الأرباح المستقبلية، بالتوافق مع جرعات الاحتياطي الفيدرالي الأميركي. وإذا كان الاحتياطي الفيدرالي سيقوم بشراء كل سند أو أداة مالية بحوزتك، فكيف يمكنك حينها المضي على نحو غير مناسب؟

السبب الآخر لانتعاش البورصة، في وقت تكشف فيه القدرة الشرائية للاقتصاد عن انهيار في الناتج المحلي والاستثمار والعمالة في كل مكان تقريباً (مع توقع ما هو أسوأ)، هو الاعتقاد بأن الإغلاقات ستُرفع عما قريب، وأن العلاجات الطبية واللقاحات في طريقها لإيقاف الفيروس؛ ما سيجعل الاقتصاديات تَثِب مجدداً في غضون ثلاثة إلى ستة أشهر، وقريباً ما ستمضي الجائحة للنسيان.

على سبيل المثال؛ أعاد وزير الخزانة الأمريكي، ستيفن مونشين، تكرار وجهة نظره التي سبق وعبر عنها في بداية الإغلاقات التي تمت، بما مفاده: “ستشاهدون الاقتصاد يعاود نهوضه، بلا ريب، في يوليو وأغسطس وسبتمبر”. وقد قدَّر المستشار الاقتصادي للبيت الأبيض، كيفن هاسيت، أن الاقتصاد الأمريكي بحلول الربع الرابع “سيكون بلا ريب قوياً، وأن العام التالي سيكون عاماً هائلاً”.

بحسب تقديرات الرئيس التنفيذي لـ “بنك أوف أميركا” براين موينيهان، فإن الإنفاق الاستهلاكي قد أتم الوصول إلى النقطة الدنيا التي يمكنه الارتكاز عليها ومعاودة الارتفاع بشكل رائع خلال الربع الرابع؛ متبوعاً برقم مضاعف لنمو الناتج المحلي الإجمالي (GDP) لعام 2021!

إنَّ التسليم بوصول الاستهلاك الفردي في الولايات المتحدة إلى النقطة الدنيا، التي يمكنه معاودة الارتفاع منها، يبدو أمراً صعباً لا يمكن تفهمه بالنظر إلى بيانات الربع الأول. أُشدِّد على أنَّ الإنفاق الفردي بداخل الولايات المتحدة في مارس كان قد تناقص 7.5% شهراً بعد شهر؛ انحدار هو الأكبر في الاستهلاك الفردي المسجل.

لكن؛ ليست الأصوات الرسمية والمصرفية وحدها من يخمن أن الأضرار الاقتصادية بسبب الجائحة وإغلاقات الأنشطة ستكون بالقصيرة- مالم تكن بأفضل من ذلك حالاً. فعدد من الاقتصاديين الكنزيين في الولايات المتحدة يشيرون إلى الشيء نفسه. كنت قد أشرت في منشورات سابقة، إلى ادعاء “المعلم” الكنزي لاري سومر – وزير الخزانة الأسبق بعهد كلينتون- بأن الركود الناتج عن الإغلاق هو كالذي يصيب قطاع الأعمال في المواقع السياحية الصيفية أثناء إغلاقها في الشتاء. وما أن يأتِ الصيف بطوله، حتى تعاود جميعها العمل، وهي مستعدة للقيام بذلك بنفس الوتيرة التي كان عليها الأمر بالسابق. وهكذا فالجائحة ليست سوى ظرف موسمي- ليس إلا.

يُقَدِّر باول كروغمان، وهو المُعَلِّم الكنزي الأكبر من بين الجميع، بأنَّ الركود (على نحو أسوأ- حتى الآن- في تأثيره على الاقتصاد العالمي من الكساد الكبير) ليس بالأزمة الاقتصادية وإنما “حالة إغاثية للتخفيف من وجع الكارثة”. يجادل كروغمان بأنَّها “كارثة طبيعية، مثل الحرب، وبأنها حدث مؤقت”. وعليه؛ فالإجابة كما يلي: “يجب مواجهتها بشكل كبير من خلال: ضرائب أعلى وإنفاق أقل، ومن الأحرى القيام بذلك، ليس على الفور ولكن في المستقبل. هذا وبطريقة أخرى، يماثل القول بضرورة أن يُدفع قسم كبير، لمواجهتها، عبر الزيادة المؤقتة في العجز ]الحكومي[“. بمجرد أن يتم ذلك الإنفاق، سيكون بوسع الاقتصاد العودة كالسابق، وسيظل العجز في الإنفاق “مؤقتاً” فقط. روبيرت ريتش أيضاً، اليساري المفترض، وزير العمال الأسبق (مجدداً بعهد كلينتون) يعتقد أن الأزمة صحية وليست اقتصادية، وبمجرد احتواء المشكلة الصحية (من المحتمل هذا الصيف) سيكون بمقدور الاقتصاد “التشافي سريعاً”.

بالإمكان توقع إطلاق النداءات المطالبة بمعاودة سريعة في استئناف النشاط إلى الوضع الطبيعي؛ من قبل مستشاري ترامب والمدراء الكبار في “وول ستريت” (ولو أن للاقتصادين في الاستثمار العقاري موقفاً مختلفاً على الأغلب)، إنما ستأخذنا المفاجأة بموافقة الكنزيين لهم. والسبب برأيي، أن أي من التحليلات الكنزية حول الكسادات والركودات، لا يمكنها التعامل مع هذه الجائحة. تنطلق النظرية الكنزية من رؤيتها بأن أي ركود هو محصلة انهيار في “الطلب الفعال” ]على السلع والخدمات[ يؤدي إلى فشل في الإنتاج والعمالة. لكن؛ وكما سبق وأوضحت في منشورات سابقة، فالركود ليس نتيجة لانهيار “الطلب” بل بسبب انكفاء وإقفال الإنتاج على مستوى التصنيع، وخصوصاً على مستوى الخدمات. إنها “صدمة عرض” وليست “صدمة طَلَب”. المنظرون “الماليون” للمدرسة “المِينسكية” ] المدرسة الاقتصادية النمساوية[ مشوشون ومحتارون أيضاً لكون الركود ليس ناتجاً عن تآكل ائتماني أو انهيار مالي مفاجئ؛ على الرغم من أن ذلك قد يأتي فيما بعد.

يظن الكنزيون أنه وبمجرد أن يعود الناس إلى العمل ويبدأون في الإنفاق، فإن “طلباً فعالاً” (ولو كان “العرض” مقوضاً) سيرتفع سريعاً، وسيعود معه الاقتصادي الرأسمالي إلى الوضع الطبيعي. لكن؛ بمقاربتنا الركود من زاوية الإمداد والإنتاج، وعلى نحو خاص الربحية المُتَأَتَّاة من استئناف الإنتاج والتوظيف، وهي مقاربة الاقتصاديين الماركسيين، سيتضح لنا كلٌ من سبب الركود وأرجحية أن يكون التعافي بطيئاً وضعيفاً.

لِنُذكِّر أنفسنا بما حدث بعد انتهاء الركود الكبير بين عامي 2009-2008. كانت البورصة تزدهر عاماً بعد عام، وإلى جوارها كان الاقتصاد “المادي” للإنتاج والاستثمار ودخل العمال، يتقدم ولكن ببطء. منذ 2009، كان نمو الناتج الفردي المحلي الأمريكي السنوي، يعادل في المتوسط: 1.6% فقط. ومع نهاية 2019، صار الناتج الفردي المحلي الإجمالي أقل بنحو 13% من اتجاه النمو قبل 2008. الفجوة بلغت الآن ما يساوي 10,200 دولار للفرد- فقدان دائم للدخل.

ويتنبأ الآن، جولدمان ساتش ] بنك استثماري أمريكي[ بانخفاض في الناتج الإجمالي الفردي يمكن له أن يمحو حتى تلك المكتسبات خلال العشر سنوات الأخيرة.

العالم الآن أكثر تكاملاً مما كان في 2008. سلاسل القيمة حول العالم، كما تُدعى، أصبحت الآن كبيرة وواسعة الانتشار. وحتى إذا كانت بعض الدول قادرة على بدء التعافي الاقتصادي، فالإرباك الحاصل في التجارة العالمية بإمكانه التسبب، وعلى نحو جاد، بإعاقة سرعة وقدرة ذلك التعافي. لنتناول الصين، حيث يمضي التعافي الاقتصادي في طريقه- بعد الإغلاق. إذ لا يزال النشاط الاقتصادي، أدنى إلى حد بعيد من مستوى 2019 وحَثُّ الخُطَى نحو التعافي يبدو بطيئاً- وهذا بشكل رئيسي، لأن المصنعين والمصدرين الصينيين لا يجدون من يبيعونه. ]استخدم الكاتب الرسم البياني المتوفر حول التعافي الصيني البطيء من الجائحة، بين يناير وأبريل 2020- المصدر: WIND; EntGroup; FT research [

]قام كاتب المقال (مايكل روبيرتس) بتضمين مؤشر بياني للتبادل التجاري بين محور أفقي للسنوات بين 2023-2000، ومحور رأسي للنمو. تتبع من خلاله مَنحى النمو الفعلي بالمقارنة مع المَنحى التصاعدي الذي يستهدفه في كل سنة بين 2008-2000 وكان المُنحنيان متطابقين إلى حدوث الأزمة المالية العالمية وتهاوي مُنحنى النمو إلى أدنى ما يكون في 2009 (عند نقطة تكافئ النقطة التي كان عليها قبل ذلك بسنوات بين 2006-2005). وقد عاود المنحنى صعوده بعد ذلك في مسار تصاعدي جديد بين 2018-2009 متجاوزاً عند نقطة بين 2011-2010 تلك النقطة التي كان عليها قبل الأزمة العالمية في 2008. لكن ذلك لا يعكس تعافياً مهماً؛ إذ ظل مقدار النمو (بين سنة وأخرى) يزداد بمتوسط أقل بكثير مما كان عليه قبل أزمة 2008. ما يعني بوضوح: أن الاقتصاد العالمي لم ينجح في تقليص الفجوة بين مسار نموه الفعلي (الجديد) بعد 2008 وذلك المسار التصاعدي (السابق) في معدلات النمو الذي كان عليه الذهاب فيه لولا تلك الأزمة- ليس فقط لم يقلص الفجوة، بل إنها ظلت تزداد.

يُظهر نفس المؤشر البياني المُستخدم تباطؤاً شديداً في الاقتصاد العالمي على مسار نموه الجديد بين 2019-2018. وسيكون الاقتصاد العالمي بين 2023-2019 (مع تأثيرات هذه الجائحة) أمام سيناريوين اثنين أحدهما متفائل والآخر متشائم.

أرجو التنبه إلى أن ذلك التباطؤ وتلك الفجوة المشار إليهما من خلال تعقيبي هذا، ستجعلنا نتفهم الجملة الأولى التي أنهى بها مايكل روبيرتس تفحصه للمؤشر البياني سالف الذكر، وأضعها، كما ستلاحظون أدناه، بين علامتي تنصيص.

هذه ليست ظاهرة تتعلق بالفيروس ولا هي بقضية صحة“. إذ وبالكاد؛ أُمكِن مضاهاة نمو التبادل التجاري العالمي بنمو إجمالي الناتج العالمي ]بمساره الجديد[ منذ 2009. وترى منظمة التجارة العالمية، الآن، بأنه لا يمكن حتى مُعاودة مسار النمو ذاك (الذي هو بالأساس متدنٍ مقارنة بالمسار السابق لـ 2008) بمدة تَقل عن سنتين في أحسن الأحوال بحسب السيناريو المتفائل.

الإنفاق العام الضخم (أكثر من ثلاثة تريليون دولار) الذي وافق عليه الكونجرس الأميركي، والحوافز النقدية التي قدمها الاحتياطي الفيدرالي (أربعة تريليون دولار) لا يمكنها إيقاف هذا الركود العميق أو حتى إعادة الاقتصاد الأميركي إلى مسار نموه السابق (المنخفض).

في حقيقة الأمر، وبحسب تقديرات أوكسفورد الاقتصادية (Oxford Economics) فهناك إمكانية كبيرة لموجة ثانية من الوباء قد تفرض إجراءات إغلاق جديدة تبقي الاقتصاد الأميركي في الركود- وفي جمود يمتد إلى نهاية 2023!

لكن؛ لماذا لا تثب الاقتصاديات الرأسمالية (على الأقل في القرن الواحد والعشرين) مجدداً وتعود إلى مسارات نموها السابقة؟ حسناً، سبق لي الجدال، على مدونتي في عديد من المنشورات، بأن ذلك كان لسببين مفتاحيين. الأول؛ إن ربحية رأس المال في الاقتصاديات الكبرى لم تَعُد إلى المستويات التي وصلتها في نهاية عقد التسعينات، ناهيك عن العصر الذهبي للنمو الاقتصادي واعتدال الكساد في عقدي الخمسينات والستينات.

أما الثاني فيكمن في أن الشركات ولمعالجة التراجع في الربحية، ومع معدلات الفائدة المنخفضة، لجأت إلى زيادة مستويات مديونيتها واستخدام الأموال سواء في أنشطة الإنتاج المادي (الملموس) أو بتحويلها إلى أصول مالية والمضاربة بها.

لكن؛ العوامل الهامة والعميقة ]التي اتضحت بمناقشتنا السببين قبل قليل[ ارتبطت بشيء آخر: بات يُعرف بـ “النُدبة الاقتصادية” أو “التخليفية” ]هيستيريسية-Hysteresis [. و”التخليفية” مصطلح اقتصادي يشير إلى حدث يستمر حضوره في المستقبل حتى بعد زوال العوامل التي أدت إليه. ]تماماً كالندبة[. هي حالة جدلية تُفضي إلى أن التأثيرات قصيرة المدى تستطيع الإفصاح عن نفسها بوضوح في المشاكل بعيدة المدى التي تثبط النمو وتجعل معاودته الوضع الطبيعي صعباً.

الكنزيُّون، وبصورة تقليدية، يُخمنون أن الحوافز المالية ]وهي في سياق التشغيل قصير المدى من زاوية الاقتصاد الكلي[ سَتُعيد بعث الاقتصادات الراكدة من جديد. هذا على الرغم من إدراكهم التام بأن شروط “التشغيل الاقتصادي- على مدى قصير” يمكنها أن تحمل تأثيرات عميقة مستمرة. إذ يمكن للشلل في أسواق الائتمان وتناقص الانفاق الاستهلاكي، التسبب، بدلاً عن ذلك، بتوقف ابتكار وخلق الأعمال الحيوية الصغيرة. والشركات الأكبر ربما ستُبَطئ أو تخفض إنفاقها على البحوث والتطوير (R&D).

كتب جاك راسماس، بإتقان قبل أيام قليلة، على مدونته [https://jackrasmus.com]

 سيتطلب الأمر وقتاً طويلاً قبل أن يستعيد قطاع الأعمال والمستهلكون مستويات ثقتهم بالاقتصاد وتغيير سلوكهم بالغ التحوط تجاه الاستثمار والإنفاق على المشتروات، إلى أنماط أكثر تفاؤلاً. مستويات البطالة ستنحو إلى الأعلى وتثقل كاهل الاقتصاد مدة من الوقت. بعض الأعمال الصغيرة لن تعاود فتح أبوابها، وإذا فعلت فبعدد عاملين، وغالباً بأجور أقل. الشركات الأكبر، ستنشغل بتعبئة ذخيرتها من السيولة النقدية. البنوك، وبشكل نمطي، ستتروى إلى أقصى حد في الإقراض من أموالها الخاصة. قطاعات الأعمال الأخرى، ستحجم عن الاستثمار والتوسع، وهكذا مع تجديد الإيجارات وفقاً لجملة معطيات: كَحَذَر الإنفاق الاستهلاكي، وتذخير السيولة النقدية، وسلوك الإقراض المتحفظ للبنوك. الاحتياطي الفيدرالي (البنك المركزي) بإمكانه تقديم كتلة كبيرة وغير مقيدة من المال، وتوفير القروض الميسرة، لكن قطاع الأعمال والقطاع العائلي قد يحجما عن الاقتراض (وأكثر من ذلك عن تقديم القروض) مفضلين الاستمرار في تذخير السيولة“. بكلمات أخرى؛ بإمكان الركود الاقتصادي أن يُؤَدِّي إلى “ترك علامة كالندبة”- وهو ضرر مداه على الاقتصاد طويل.

قبل سنتين من الآن، نشر صندوق النقد الدولي (IMF) ورقةً تتمعن في “الندبة” الاقتصادية. لاحظ اقتصاديو الصندوق بأنه ليس من الدائم أن يلي كل ركود يحدث، ذلك التعافي الذي يأتي على شكل حرف الـ V باتجاه مسار النمو السابق. وبالفعل؛ ففي أكثر الأحيان، لم يتجدد مسار النمو السابق أبداً. باستخدامهم بيانات محدثة للسنوات بين 2012-1974، وجد اقتصاديو الصندوق أن الضرر غير القابل للإصلاح، الذي يؤثر على المردودية الاقتصادية (ومخرجات الاقتصاد)، لا تقتصر على أزمات مالية وسياسية فقط. فجميع أنواع الانحسارات والركود، بالمتوسط، تؤدي إلى خسائر في المردودية والإنتاجية.

في النظرة التقليدية لدورة الأعمال، يتشكل ركود ما، من تراجع مؤقت في الناتج أدنى مسار نموه المفترض، إنما مع ارتداد سريع في الناتج، أثناء عملية التعافي، نحو مسار النمو السابق. على خلاف ذلك، تقترح أدلتنا أن التعافي يتكون، فقط، من معاودة النمو، بمسار جديد ونسبة توسع على مدى طويلوليس بارتفاع النمو نحو المسار السابق مجدداً. بعبارة أخرى، باستطاعة الركود أن يتسبب بندبة اقتصادية دائمة.] أو تشوه دائم في الاقتصاد [.

ما نتحدث عنه، لا ينطبق على الاقتصاد المفرد وحسب، بل أيضاً على الفجوة بين الاقتصادات الغنية والفقيرة. إذ يقول صندوق النقد الدولي:الدول الفقيرة تعاني بشكل أعمق، وأكثر تكراراً، مع أزمات الركود والانحساراتففي كل مرة: هناك معاناة من خسائر دائمة في الناتج، وفقدان الأرضية ]التي ترتكز عليها[“.

ورقة الصندوق تلك، تُتَمِّم الرؤية حول الفرق بين أنواع الركود الكلاسيكية والكساد. وهو ما سبق وأوضحته في كتابي “الكساد الطويل” عام 2016، بأن التعافي من الكساد يكون بعد تراجع وركود، ولا يتخذ شكل حرف الـ V بل يتخذ أكثر: شكل الجذر التربيعي؛ ما يضع الاقتصاد على مسار جديد ومنخفض عن مساره السابق.

أظن بأن الركود بسبب جائحة كوفيد-19 سيتسبب في كمية من تلك “النُدَب الاقتصادية” على القطاع الرأسمالي. مين أويانغ، الأستاذة المشاركة بجامعة بيكين تشنغوا، وجدت، في “ركودات” ماضية، أن “النُدب” الاقتصادية، المتعلقة برجال ورواد الأعمال منذ الانهيار في التدفق النقدي، رجحت تأثيراتها ]غير الجيدة بالطبع[ على التأثيرات المفيدة الناتجة من إجبار الشركات الضعيفة على التوقف وإفساح الطريق أمام تلك التي بإمكانها النجاة. مما قالته أويانغ: تأثير نُدب” الركود الحالي هي على الأرجح في طريقها لتصبح أشد من أي ركود سابق. وإذ نقول بأن الجوائح باتت هي الوضع الطبيعي الجديد، فسيصبح الناس أكثر تردداً في القيام بالمخاطرة”.

سيظل القطاع العائلي وقطاع الشركات محكومين بالقلق من احتمالية معاودة الإغلاقات وإيقاف الأنشطة من جديد. وسيفضلان الابتعاد عن المخاطرة والاستمرار في الادخار؛ في الوقت الذي ستتجه فيه الحكومات لتخزين “معدات الطوارئ” والتأكد من قدرتها السريعة على تصنيع المزيد داخل حدود بلدانها. وحتى لو انتهى بالجائحة لأن تصبح مما لا يتكرر مرتين، فلن يكون سهلاً تخلي الناس عن ثقافة المباعدة الاجتماعية بمجرد انتهاء الإغلاقات في الأنشطة والفعاليات المختلفة، ما يطيل ألم الشركات والاقتصادات المعتمدة على السياحة والسفر، وعلى ثقافة تناول الطعام خارج المنزل، وعلى الأحداث والفعاليات الجماهيرية.

وسيسرع هذا الركود من التوجهات في التراكم الرأسمالي التي كانت جارية بالفعل. ليزا بي كاهن، اقتصادية من يالا، وجدت، أن الشركات بعد “الركودات” تحاول استبدال العمال بالمكائن، ما يدفع العمال العائدين لوظائفهم إما القبول بدخل أقل، أو البحث عن عمل آخر- وبأجر متدنٍ بالطبع.

بعد هذا كله؛ هناك واحد من الأغراض المتعلقة بعملية “التطهير” لرأس المال: وهو ذلك المتعلق بخفض تكلفة العمال ودفع الربحية إلى أعلى. إنه يحفر ندبة تعلق به طوال عمره وتثير فيه الهواجس طول الوقت.

يقول جون مولدين على موقعه الالكتروني www.mauldineconomics.com http:// :

هذه التجربة في طريقها لأن تترك ندبة عميقةعلى الاقتصاد وعلى كلٍ من المستهلك والمستثمر، وعلى حساسية الأعمال وعاطفيتها. إنها في الطريق لتنقش الندبة على جيل بأكمله، بذات العمق الذي فعله الكساد الكبيربآبائنا وأجدادنا”.

*مايكل روبيرتساقتصادي وناقد ماركسي بريطاني الجنسية.

 نشر على مدونته الشخصية https://thenextrecession.wordpress.com بتاريخ 2 مايو 2020 باللغة الإنجليزية وتمت ترجمته كاملاً إلى العربية بعد استئذان الكاتب وموافقته على نشره.

**بلال أحمد. استشاري إدارة مخاطر اقتصادية.

اظهر المزيد

مواد ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى