ترجمات

عالم السياسية الأمريكي فرانسيس فوكوياما يكتب: الجائحة والنظام السياسي

  • سيستمر التوزيع العالمي للقوة في التحول نحو الشرق؛ حيث كان أداء شرق آسيا أفضل في إدارة الموقف مقارنة بأوروبا أو الولايات المتحدة

  • إن استمرار انتشار كورونا إلى جانب فقدان الوظائف بشكل كبير، والركود طويل الأمد، وعبء الديون غير المسبوق، سوف يخلق توترات تتحول إلى رد فعل سياسي عنيف، ولكن ضد من؟ لم يتضح الأمر بعد

  • لن تكون هناك لحظة تستطيع فيها البلدان إعلان انتصارها على المرض؛ بل إن الاقتصادات سوف تنفتح ببطء وبشكل مؤقت

  • الاقتصاد العالمي لن يعود إلى أي شيء مماثل لحالة ما قبل جائحة كورونا في وقتٍ قريب

  • أخطأتِ الولايات المتحدة في مدى استجابتها للأزمة على نحو خطير، وشهدت مكانتها تراجعاً هائلاً، على الرغم من أنها تمتلك قدرات هائلة على مستوى الدولة

  • على مدى السنوات القادمة، قد يؤدي هذا الوباء إلى انحدار نسبي للولايات المتحدة، واستمرار تآكل النظام الدولي الليبرالي، وعودة الفاشية في جميع أنحاء العالم

  • صعود النزعة القومية سيزيد من إمكانية نشوب صراع دولي. وقد يرى القادة أن المعارك مع الأجانب مصدر تشتيت سياسي مفيد داخلياً

  • لمعالجة المراحل الأولية للأزمة بنجاح، لا تحتاج البلدان إلى حكومات قادرة وموارد كافية فحسب؛ بل أيضاً إلى قدر كبير من التوافق الاجتماعي وقادة أكفاء يمنحون الثقة

  • إذا كان ضعف الأداء الأمريكي أثناء الوباء له عدة أسباب؛ فإن أهمها الزعيم الوطني الذي فشل في القيادة

فرانسيس فوكوياما – كيوبوست- ترجمات:

عادة ما تخلِّف الأزمات الكبرى عواقب وخيمة، وعادة ما تكون غير متوقعة. فقد كانت أزمة الكساد الكبير سبباً في تحفيز الانعزالية والقومية والفاشية والحرب العالمية الثانية؛ لكنها أدت أيضاً إلى عقد صفقة جديدة، وهي صعود الولايات المتحدة كقوة عظمى عالمية، وإنهاء الاستعمار في نهاية المطاف. وقد أسفرت هجمات الحادي عشر من سبتمبر عن تدخلَين أمريكييَّن فاشلَين، أدَّيَا إلى صعود إيران، وظهور أشكالٍ جديدة من التطرف الإسلامي.

كما ولَّدت الأزمة المالية عام 2008، طفرة في الشعبوية المناهضة للمؤسسات، والتي حلت محل القيادة في مختلف أنحاء العالم. وسيتتبع المؤرخون في المستقبل آثاراً كبيرة مماثلة لجائحة فيروس كورونا الحالية؛ ويكمن التحدي في فهم أبعادها مسبقاً.

ومن الواضح بالفعل لماذا كان أداء بعض البلدان أفضل من غيرها في التعامل مع الأزمة حتى الآن، وهناك كل الأسباب التي تدعونا إلى الاعتقاد بأن هذه الاتجاهات سوف تستمر. حيث إن الأمر لا يتعلق بنظام الحكم. فقد كان أداء بعض الأنظمة الديمقراطية جيداً، والبعض الآخر لم يكن كذلك، وينطبق الأمر نفسه على الأنظمة الاستبدادية. وقد كانت العوامل المسؤولة عن الاستجابة الناجحة للجائحة هي قدرة الدولة والثقة الاجتماعية والقيادة.

وكان أداء الدول التي تمتلك هذه الخصائص الثلاث: جهاز دولة مختصاً، وحكومة يثق بها المواطنون ويستمعون إليها، وقادة فعالين، مثيراً للإعجاب، وهو الأمر الذي أدى إلى الحد من الأضرار التي لحقت بهم. أما البلدان التي تعاني اختلالاً في الأداء الحكومي، ومجتمعاتها مستقطبة، أو تفتقر إلى القيادة، فكان أداؤها سيئاً للغاية؛ الأمر الذي جعل مواطنيها واقتصاداتها معرضين للخطر وضعفاء.

وكلما تعلمنا أكثر عن فيروس (كوفيد-19)، وهو المرض الناجم عن الفيروس التاجي المستحدث، بدا أن الأزمة ستكون طويلة، وتقاس بالسنوات بدلاً من الشهور. ويبدو الفيروس أقل فتكاً مما كنا نخشى؛ لكنه معدٍ جداً وغالباً ما ينتقل دون أن تظهر أعراض. وإذ نجد وباء الإيبولا مميتاً للغاية، فإنه على الرغم من ذلك تصعُب الإصابة به؛ لأن الضحايا يموتون بسرعة قبل أن يتمكنوا من نقله. أما (كوفيد-19) فهو على العكس من ذلك؛ ما يعني أن الناس لا يميلون إلى التعامل معه بجدية كما ينبغي، وهكذا انتشر وسيستمر في الانتشار على نطاق واسع في جميع أنحاء العالم، مسبباً أعداداً هائلة من الوفيات.

ولن تكون هناك لحظة تستطيع فيها البلدان إعلان انتصارها على المرض؛ بل إن الاقتصادات سوف تنفتح ببطء، وبشكل مؤقت، مع تباطؤ التقدم بسبب موجات العدوى اللاحقة. ويبدو أن الآمال في تحقيق انتعاش على شكل حرف (V) بمقاييس الأداء الاقتصادي متفائلة إلى حد كبير. فعلى الأرجح ستكون على شكل (L) ذي ذيل طويل ينحني لأعلى أو سلسلة من الصعود والهبوط. والاقتصاد العالمي لن يعود إلى أي شيء مماثل لحالة ما قبل جائحة كورونا في وقتٍ قريب.

وعلى الصعيد الاقتصادي، فإن الأزمة التي طال أمدها ستعاني المزيد من الإخفاقات والدمار في قطاع الأعمال لصناعات مثل مراكز التسوق، وسلاسل البيع بالتجزئة، والسفر. وقد ظلت مستويات تركز السوق في الاقتصاد الأمريكي ترتفع بشكل مضطرد لعقود؛ لكن الوباء سيدفع هذا الاتجاه إلى أبعد من ذلك. ولن يتسنى إلا للشركات الكبيرة ذات رؤوس الأموال الضخمة أن تخرج من العاصفة، مع مكاسب لعمالقة التكنولوجيا أكثر من أي مجال آخر؛ حيث أصبحت التفاعلات الرقمية أكثر أهمية من أي وقت مضى.

وقد تكون العواقب السياسية أكثر أهمية. ويمكن استدعاء الشعوب للقيام بأعمال بطولية تتسم بالتضحية الجماعية بالذات لفترة من الوقت؛ ولكن ليس إلى الأبد. إن استمرار انتشار وباء كورونا إلى جانب فقدان الوظائف بشكل كبير، والركود طويل الأمد، وعبء الديون غير المسبوق، سوف يخلق حتماً توترات تتحول إلى رد فعل سياسي عنيف، ولكن ضد من؟ لم يتضح الأمر بعد.

أخطأت الولايات المتحدة في الاستجابة على نحو خطير، وشهدت مكانتها تراجعاً هائلاً

سيستمر التوزيع العالمي للقوة في التحول نحو الشرق؛ حيث كان أداء شرق آسيا أفضل في إدارة الموقف مقارنة بأوروبا أو الولايات المتحدة. وعلى الرغم من أن الوباء نشأ في الصين، وأن بكين قد تسترت عليه في البداية، وسمحت له بالانتشار؛ فإن الصين سوف تستفيد من الأزمة، على الأقل بشكل نسبي.

وكما حدث، فقد كان أداء حكومات أخرى هزيلاً في البداية وحاولت تغطية الأمر أيضاً بشكل أكثر وضوحاً؛ بل وربما كانت العواقب أشد فتكاً بالنسبة إلى مواطنيها. وعلى الأقل تمكنت بكين من استعادة السيطرة على الوضع، وهي الآن تنتقل إلى التحدي التالي، وهو استعادة تقدم اقتصادها بسرعة وبشكل مستدام.

وعلى النقيض من ذلك، أخطأتِ الولايات المتحدة في مدى استجابتها للأزمة على نحو خطير، وشهدت مكانتها تراجعاً هائلاً. وعلى الرغم من أنها تمتلك قدرات هائلة على مستوى الدولة، ونجحت في بناء سجل باهر في ما يتعلق بالأزمات الوبائية السابقة؛ فإن مجتمعها الحالي الذي يتسم بالاستقطاب الشديد، وزعيمها غير الكفؤ، كانا سبباً في منع الدولة من العمل بفعالية.

وقد أجَّج الرئيس الأمريكي الانقسام بدلاً من تعزيز الوحدة، وقام بتسييس توزيع المساعدات، وألقى بالمسؤولية على حكام الولايات؛ لاتخاذ قرارات محورية، بينما شجع الاحتجاجات ضدهم لحماية الصحة العامة، كما هاجم المؤسسات الدولية بدلاً من تحفيزها. وبوسع العالم أن يشاهد التلفاز؛ حيث وقف ترامب مذهولاً، حين سارعت الصين بتوضيح المقارنة.

وعلى مدى السنوات القادمة، قد يؤدي هذا الوباء إلى انحدار نسبي للولايات المتحدة، واستمرار تآكل النظام الدولي الليبرالي، وعودة الفاشية في جميع أنحاء العالم. كما يمكن أن يؤدي أيضاً إلى ميلاد جديد للديمقراطية الليبرالية، وهو النظام الذي أربك المتشككين مرات عديدة، وأظهر قدراً غير مسبوق من القدرة على الصمود والتجديد. وسوف تظهر عناصر من كلا الطيفَين، في أماكن مختلفة؛ ولكن من المؤسف أن التوقعات العامة قاتمة ما لم تتغير الاتجاهات الحالية بشكل جذري.

صعود الفاشية

من السهل أن نتخيل النتائج المتشائمة؛ فالقومية والانعزالية وكراهية الأجانب والهجمات على النظام العالمي الليبرالي ما فتئت تتزايد لسنوات، وهذا الاتجاه لن يتسارع إلا بسببِ هذا الوباء. وقد استغلت الحكومات في هنغاريا والفلبين الأزمة؛ لإعطاء نفسها سلطات الطوارئ، الأمر الذي دفعها إلى مزيد من الابتعاد عن الديمقراطية.

كما اتخذت بلدان أخرى كثيرة؛ بما فيها الصين والسلفادور وأوغندا، تدابير مماثلة. وقد ظهرت حواجز أمام حركة الأشخاص في كل مكان؛ بما في ذلك داخل قلب أوروبا، وبدلاً من التعاون البنّاء من أجل تحقيق الصالح العام للبلدان، تحولت الدول إلى الداخل، وتصارعت بعضها مع بعض، وجعلت من منافسيها كبش فداء سياسي لإخفاقاتها.

إن صعود النزعة القومية سيزيد من إمكانية نشوب صراع دولي. وقد يرى القادة أن المعارك مع الأجانب مصدر تشتيت سياسي مفيد داخلياً، أو قد يغريهم ضعف أو انشغال خصومهم ويستغلون الوباء لزعزعة استقرار الأهداف المفضلة، أو خلق حقائق جديدة على الأرض. ومع ذلك، ونظراً لاستمرار توازن القوى الذي تفرضه الأسلحة النووية والتحديات المشتركة التي تواجه جميع اللاعبين الأساسيين؛ فإن الاضطرابات الدولية أقل احتمالاً من الاضطرابات الداخلية.

وستتضرر البلدان الفقيرة ذات المدن المزدحمة، وأنظمة الصحة العامة الضعيفة بشدة. وليس مجرد التباعد الاجتماعي بل حتى النظافة البسيطة مثل غسل اليدين، ستكون أمراً بالغ الصعوبة في البلدان التي لا يحصل فيها العديد من المواطنين على المياه النظيفة بشكلٍ منتظم. وكثيراً ما جعلت الحكومات الأمور أسوأ بدلاً من أن تكون أفضل سواء عن طريق التخطيط، أو التحريض على التوترات الطائفية، وتقويض التماسك الاجتماعي، أو ببساطة عدم الكفاءة.

فالهند، على سبيل المثال، قد زادت من تعرضها إلى الخطر من خلال إعلانها إغلاقاً مفاجئاً على مستوى البلاد بالكامل دون التفكير في العواقب المترتبة على عشرات الملايين من العمال المهاجرين الذين يحتشدون في كل مدينة كبيرة. وذهب الكثيرون إلى منازلهم الريفية، فنشروا المرض في جميع أنحاء البلد؛ وبمجرد أن عكست الحكومة موقفها وبدأت في تقييد الحركة، وجد عدد كبير منهم أنفسهم عالقين في المدن دون عمل أو مأوى أو رعاية.

وقد كان النزوح الناجم عن تغير المناخ يمثل بالفعل أزمة بطيئة الحركة تختمر في الجنوب العالمي. لكن الوباء سوف يضاعف من آثاره، مما يقرب أعداداً كبيرة من السكان في البلدان النامية من حافة الكفاف. وقد حطمت الأزمة آمال مئات الملايين من الناس في البلدان الفقيرة الذين استفادوا من عقدين من النمو الاقتصادي المستدام.

سيزداد الغضب الشعبي، وسوف يكون تبديد التوقعات المتزايدة للمواطنين في نهاية المطاف وصفة كلاسيكية للثورة. وسوف يسعى اليائسون إلى الهجرة، وسيستغل القادة الديماغوغيون الوضع للاستيلاء على السلطة، وسينتهز الساسة الفاسدون الفرصة لسرقة ما يمكنهم سرقته، وسوف يضيِّق العديد من الحكومات الخناق أو ينهار تماماً.

في الوقت نفسه، فإن موجة جديدة من محاولات الهجرة من الجنوب العالمي إلى الشمال سوف تقابل بتعاطف أقل ومقاومة أكبر هذه المرة؛ حيث يمكن اتهام المهاجرين الآن بشكل أكثر مصداقية بجلب المرض والفوضى. وأخيراً، فإن مظاهر ما يسمى البجع الأسود بحكم التعريف لا يمكن التنبؤ بها، ولكن من المحتمل بشكل متزايد أن ينظر المرء إلى أبعد من ذلك.

فقد عززت الأوبئة السابقة رؤى نهاية العالم، والطائفية، والديانات الجديدة التي نشأت حول القلق الشديد الناجم عن الشدائد طويلة الأمد. والواقع أن الفاشية يمكن أن يُنظَر إليها باعتبارها واحدة من هذه الطوائف، التي نشأت من رحم العنف والتشرذم الناجمين عن الحرب العالمية الأولى وما أعقبها.

وكانت نظريات المؤامرة تزدهر عادة في أماكن مثل الشرق الأوسط؛ حيث كان الناس العاديون محرومين من القوة ويشعرون بأنهم يفتقرون إلى السلطة. لكنها اليوم انتشرت على نطاق واسع في جميع أنحاء البلدان الغنية أيضاً، ويرجع الفضل في ذلك جزئياً إلى البيئة الإعلامية الممزقة الناجمة عن الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، ومن المرجح أن توفر المعاناة المستمرة مادة غنية للديماغوجيين الشعبويين؛ لاستغلالها.

الديمقراطية المرنة

وكما لم يسفر الكساد الكبير عن الفاشية فحسب، بل أعاد أيضاً تنشيط الديمقراطية الليبرالية، فقد يؤدي هذا الوباء إلى بعض النتائج السياسية الإيجابية أيضاً. وكثيراً ما يتطلب الأمر مثل هذه الصدمة الخارجية الهائلة لإخراج الأنظمة السياسية المتصلبة من الركود وتهيئة الظروف للإصلاح البنيوي الذي طال انتظاره. ومن المرجح أن يتكرر هذا النمط مرة أخرى، على الأقل في بعض الأماكن.

إن الواقع العملي للتعامل مع وباء كورونا يحابي المهنية والخبرة؛ حيث تتم تعرية الديماغوجية وعدم الكفاءة بسهولة. وينبغي أن يؤدي ذلك في نهاية المطاف إلى إحداث تأثير مفيد في الاختيار، وأن يكافئ الساسة والحكومات الذين يبلون بلاءً حسناً، وأن يعاقب أولئك الذين يخفقون.

فقد حاول الرئيس البرازيلي جايير بولسونارو الذي أفرغ المؤسسات الديمقراطية في بلاده من مضمونها بشكل مطرد في السنوات الأخيرة، أن يخادع للخروج من الأزمة، وهو الآن يتخبط ويقود البلاد إلى كارثة صحية. بينما حاول فلاديمير بوتين في روسيا التقليل من أهمية الوباء في البداية، ثم زعم أن روسيا كانت تحت السيطرة، وسوف يضطر إلى تغيير نبرته مرة أخرى مع انتشار (كوفيد-19) في جميع أنحاء البلاد. وكانت شرعية بوتن قد بدأت تضعف بالفعل قبل الأزمة، وربما تسارعت بسبب هذه العملية.

وقد سلط الوباء ضوءاً ساطعاً على المؤسسات القائمة في كل مكان، كاشفاً عن أوجه قصورها وضعفها. وقد تعمقت الفجوة بين الأغنياء والفقراء، سواء بين الناس أو البلدان، وبسبب الأزمة سوف تزداد تلك الفجوة حدة خلال الركود الاقتصادي الذي طال أمده. ولكن إلى جانب هذه المشكلات، كشفت الأزمة أيضاً عن قدرة الحكومة على توفير الحلول بالاعتماد على الموارد الجماعية في هذه العملية.

والواقع أن الإحساس المستمر بروح “بمفردنا معاً” من شأنه أن يعزز التضامن الاجتماعي، ويدفع إلى تنمية وسائل حماية اجتماعية أكثر سخاءً إلى الأمام، تماماً كما كانت المعاناة الوطنية المشتركة التي صاحبت الحرب العالمية الأولى والكساد سبباً في تحفيز نمو دول الرفاهة الاجتماعية في عشرينيات وثلاثينيات القرن العشرين.

وقد يضع هذا حداً للأشكال المتطرفة من الليبرالية الجديدة، وهي أيديولوجيا السوق الحرة التي ابتكرها خبراء اقتصاد من جامعة شيكاغو، مثل جاري بيكر، وميلتون فريدمان، وجورج ستيجلر، خلال ثمانينيات القرن العشرين، فقد قدمت مدرسة شيكاغو تبريراً فكرياً لسياسات الرئيس الأمريكي رونالد ريجان، ورئيسة الوزراء البريطانية مارجريت تاتشر، التي اعتبرت الحكومة الضخمة المتمددة عقبة في طريق النمو الاقتصادي والتقدم البشري.

في ذلك الوقت، كانت هناك أسباب وجيهة لتقليص العديد من أشكال الملكية الحكومية والتنظيم؛ لكن الحجج تصلبت وتحولت إلى دين ليبرالي، غرس العداء لعمل الدولة في جيل من المثقفين المحافظين؛ خصوصاً في الولايات المتحدة. ونظراً لأهمية اتخاذ الدولة إجراءات قوية لإبطاء انتشار وباء كورونا، سيكون من الصعب القول، كما فعل ريغان في خطاب تنصيبه الأول، إن “الحكومة ليست الحل لمشكلتنا؛ الحكومة هي المشكلة”، كما لن يتمكن أي شخص من تقديم حجة معقولة مفادها أن القطاع الخاص والأعمال الخيرية يمكن أن تحل محل دولة مختصة أثناء حالة الطوارئ الوطنية.

وفي أبريل الماضي، أعلن جاك دورسي، الرئيس التنفيذي لشركة “تويتر”، أنه سيسهم بمليار دولار في الإغاثة من وباء (كوفيد-19)، وهو عمل خيري استثنائي. وفي الشهر نفسه، خصص الكونغرس الأمريكي مبلغ 2,3 تريليون دولار لدعم الشركات والأفراد الذين تضرروا جراء الوباء. وقد تظل كراهية الدولة بين المحتجين على الحظر؛ لكن استطلاعات الرأي تشير إلى أن الغالبية العظمى من الأمريكيين يثقون في نصائح الخبراء الطبيين الحكوميين في التعامل مع الأزمة. ويمكن أن يزيد ذلك من الدعم المقدم للتدخلات الحكومية الرامية إلى معالجة مشكلات اجتماعية أساسية أخرى.

وقد تحفز الأزمة في نهاية المطاف تجدد التعاون الدولي. وفي حين يلعب القادة الوطنيون لعبة إلقاء اللوم، يعمل العلماء ومسؤولو الصحة العامة في مختلف أنحاء العالم على تعميق شبكاتهم واتصالاتهم. وإذا أدى انهيار التعاون الدولي إلى كارثة وتم الحكم عليه بالفشل، فإن الحقبة التالية يمكن أن تشهد التزاماً متجدداً بالعمل متعدد الأطراف؛ من أجل تعزيز المصالح المشتركة.

لا تتفاءلوا كثيراً

كان الوباء بمثابة اختبار ضغط سياسي عالمي. فالبلدان التي لديها حكومات شرعية قادرة سوف تمر بشكل جيد نسبياً وتتبنى إصلاحات تجعلها أقوى وأكثر مرونة، وبالتالي تيسير أدائها المتفوق في المستقبل. أما البلدان التي تعاني ضعف قدرة الدولة أو ضعف الزعامة سوف تكون في مأزق؛ حيث إنها سوف تعاني الركود، إن لم يكن الفقر وعدم الاستقرار. والمشكلة أن المجموعة الثانية عددها أكثر بكثير من المجموعة الأولى.

ومن المؤسف أن اختبار الضغط كان صعباً إلى الحد الذي قد يجعل عدداً ضئيلاً للغاية من المرجح أن يجتازه. ولمعالجة المراحل الأولية للأزمة بنجاح، لا تحتاج البلدان إلى حكومات قادرة وموارد كافية فحسب؛ بل أيضاً إلى قدر كبير من التوافق الاجتماعي، وقادة أكفاء يمنحون الثقة.

وقد لبَّت كوريا الجنوبية هذه الحاجة، ففوضت إدارة الوباء إلى بيروقراطية صحية مهنية، وأيضاً ألمانيا بقيادة أنجيلا ميركل. والشيء الأكثر شيوعاً هو أن الحكومات قصرت بشكل أو بآخر. وبما أن إدارة بقية الأزمة سوف تكون أيضاً أمراً بالغ الصعوبة، فمن المرجح أن تستمر هذه الاتجاهات الوطنية؛ الأمر الذي يجعل التفاؤل الأوسع نطاقاً أمراً بالغ الصعوبة. وهناك سبب آخر للتشاؤم، وهو أن السيناريوهات الإيجابية تفترض نوعاً من الخطاب العام العقلاني والتعلم الاجتماعي. ولكن الصلة بين الخبرة التكنوقراطية والسياسة العامة أضعف اليوم مما كانت عليه في الماضي، عندما كانت النخبة تتمتع بقدر أكبر من السلطة.

وبالتالي، فإن إضفاء الطابع الديمقراطي على السلطة التي حفزتها الثورة الرقمية قد أدى إلى تسطيح التسلسل الهرمي المعرفي جنباً إلى جنب مع التسلسلات الهرمية الأخرى، وأصبح صنع القرار السياسي مدفوعاً الآن بالثرثرة المسلحة في كثير من الأحيان. وهذا لا يشكل بيئة مثالية للفحص الذاتي والجماعي البنّاء، وقد تظل بعض النواحي السياسية غير منطقية لفترة أطول من قدرتها على الوفاء بواجباتها.

إن أكبر متغير هو الولايات المتحدة. وكان من سوء حظ البلاد أن يكون القائد الأكثر عجزاً وإثارة للخلاف في تاريخها الحديث على رأس السلطة عندما ضربت الأزمة، ولم يتغير أسلوب حكمه تحت الضغط. فبعد أن أمضى فترة ولايته في الحرب مع الدولة التي يترأسها، لم يتمكن من توظيفها بشكل فعال عندما اقتضى الأمر ذلك. وهو الذي اعتبر أن أفضل وسيلة لخدمة ثرواته السياسية يأتي عبر المواجهة والضغينة بدلاً من الوحدة الوطنية، واستغل الأزمة لشن المعارك وزيادة الانقسامات الاجتماعية. وإذا كان ضعف الأداء الأمريكي أثناء الوباء له عدة أسباب؛ فإن أهمها الزعيم الوطني الذي فشل في القيادة.

ولعل الصلة بين الخبرة التكنوقراطية والسياسة العامة أضعف اليوم مما كانت عليه في الماضي، عندما كانت النخب تتمتع بقدر أكبر من السلطة. وإذا مُنح الرئيس فترة ولاية ثانية في نوفمبر، فإن فرص عودة الديمقراطية أو النظام الدولي الليبرالي على نطاق أوسع سوف تنخفض. ولكن أياً كانت نتيجة الانتخابات، فمن المرجح أن يستمر الاستقطاب العميق في الولايات المتحدة. وسوف يكون إجراء الانتخابات أثناء انتشار الجائحة أمراً بالغ الصعوبة، وستكون هناك حوافز تدفع الخاسرين الساخطين إلى تحدي شرعيتها.

وحتى إذا استولى الديمقراطيون على البيت الأبيض وكل من مجلسي الكونغرس، فإنهم بهذا يرثون دولة جاثية على ركبتيها. وسوف تواجه المطالبة باتخاذ إجراءات حاسمة جبالاً من الديون والمقاومة المتشددة من المعارضة. وستكون المؤسسات الوطنية والدولية ضعيفة ومترنحة بعد سنوات من إساءة التعامل معها، كما يستغرق إعادة بنائها سنوات، إذا كان ذلك لا يزال ممكناً من الأساس.

ومع مرور أكثر مراحل الأزمة إلحاحاً ومأساوية، فإن العالم يتحرك نحو دوامة طويلة من الكساد. وسوف يخرج منها في نهاية المطاف بانقسامات أسرع من غيرها. ومن غير المرجح أن تحدث اضطرابات عالمية عنيفة. وإذا كانت الديمقراطية والرأسمالية والولايات المتحدة قد أثبتت قدرتها على التحول والتكيف من قبل، فإنها ستحتاج إلى القيام بالمستحيل مرة أخرى.

اظهر المزيد

مواد ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق