فنون وثقافة

إرشاد الجيل لسماع التسجيلات القديمة وتوثيقها

كيوبوست:

كل محبٍّ للجمال يستشعر طاقة مكان قديم يدخله، تتسرَّب إليه هذه الطاقة الجميلة، حتى قبل أن يعاين جماله المنظور من بهاء بنيانٍ أو حسن زخرفٍ؛ إنها طاقة الخلود، طاقة الصمود أمام الزمن وتقلبه. لكن هل هذا البناء هو حاله؟ مهما حُوفِظ عليه، ومهما صمد أمام الزمن، فإن حاله ليست كما كانت، فنحن لا نعرف ما كان حوله، لا نعرف أصوات الناس التي سكنته، لا نعرف ما دار حوله من أنشطة، لا نعرف تأثير المباني التي كانت حوله في دخول الشمس والهواء إليه؛ بل لا نعرف مدى تأثره بتغيُّر المناخ والناس والزمن.

الكلام هنا عن المباني، الحجر، ليس عن المُرمَّم منها؛ بل بافتراض مبنى وصل بكامل بهائه دون تشوُّه.

وإذا ارتقَينا درجةً بالخيال وحب الجمال فعَايَنَّا كيف ترتاح النفس لمخطوطٍ قديم بخط جميل مهما كانت أوراقه قديمة، فتنفرج الأرواح بتخيُّل حالته في أصلها، ومتعة الناس جيلاً بعد جيل بقراءته، واستشراف ما فيه من فكر. فمخطوطٌ في الطب أو الجغرافيا أو الزِّيج، رغم تطور هذه العلوم، لم يزل يثلج الصدورَ ويفتح الخيال لفهم العقول وتفكير الناس واهتماماتهم؛ حتى لو انتهى العمل بالموجود فيها من خرائط أو مواقع فلكية أو الأخلاط الأربعة. والحال نفسها في الصور القديمة، آليةً أو رسوماً يدوية، يسهل إدراك متعة الناظر إليها وانفساح خياله لما وراء ظاهر المنظر المنطبع على الصورة أو الرسم.

رغم تقديم العلوم الإنسانية والشرائع السمعَ على البصر؛ فإن قلةً من الناس مَن أدركوا أهمية ما ترك لنا هذا الإرث من فسحةٍ لباب الخيال وتصوير الجمال في النفس.

ما الذي دعا ركب المحمل المصري أن يطلب من إمام الحرم وقارئه ومؤذنه العودة معه إلى القاهرة بعد انقضاء موسم الحج لسنة 1321هـ؛ ليسجل الأذان وتلاوة القرآن في صفر 1322هـ؟

ألم يكونوا على علم، حينئذٍ، أن ما يسمعون على الفنكراف ليس الصوت الحقيقي؟ ألم يعلموا أن حال وجوده بين عشرات الألوف من المصلين والحجاج، حينئذٍ، سيختلف عن حاله عند الأذان والقراءة أمام بوق أجوف ومستمعين لا يتجاوز البضع منهم مَن لا يفهم لغته ولا قدسية ما يسجّل؟

بلى، هم، وهو أيضاً، على علمٍ بكل هذا؛ لكنهم أرادوا توثيق تلك اللحظة وإن افتراضياً، وعلى المستمع إعمال الخيال في الزمان والمكان.

الفونوغراف هو أول جهاز استخدم لتسجيل واستعادة الصوت اخترعه الأمريكي توماس إديسون في عام 1877 – أرشيف

لماذا نحفظ التسجيلات القديمة ونوثقها؟

كل أُمة متحضرة تسعى لإبراز معالم حضارتها، وبما أن أبرز ما استخدمت فيه تقنيات التسجيل المتعاقبة تسجيل النغم؛ فإن الأُمم وجدت في التسجيل القديم وسيلةً في إبراز أهمية نغمها، فالسامع “يوهان برامز” يعزف على البيانو، سيغفر سوء جودة التسجيل بل سيغض الطرف عن عدم وضوح أنغام البيانو عموماً وانعدام سماع الدواوين العالية والمنخفضة منه؛ بسبب عدم مقدرة اللاقط على لقط الموجات الصوتية المنخفضة والمرتفعة، فبرامز سجَّل على أسطوانات إديسون الشمعية، التي بدأ التسويق لها منذ سبعينيات القرن التاسع عشر. لم تكن أسطوانات إديسون الشمعية أول مادة للتسجيل؛ لكن كانت أول مادة تصلح للإنتاج الغزير والتوزيع، وهذا أمر شرحه يطول وليس مجال حديثنا. البوق اللاقط للصوت في هذه الآلة يلقط الموجات المتوسطة، والإبرة الحافرة لما يلقط البوق على الأسطوانة الشمعية أضعف من أن توصل كل الملقوط، والمادة الشمعية المحفور عليها أضعف من أن تستقبل كل المحفور بكفاءة عالية، كما أن إعادة تشغيلها ومرور الزمن عليها يتلفانها.

لماذا حافظت أوروبا إذن على هذه التسجيلات؟ لأنهم ببساطة يقدرون مَن يكون يوهان برامز وأمثاله، ويعرفون كيف يمجدون أساطيرهم في كل الفنون، وكيف يبرزون معالم حضارتهم.

نحن أولى بهذا أيضاً، فإن ما سُجِّل من نغم منذ دخول التسجيلات على نفس المادة الشمعية تلك “أسطوانات إديسون، Edison Wax Cylinders ” القاهرة 1895، من حينها وجِد خطأ شائع وهو أن أغلب مواد التسجيل نطلق عليها أسطوانة؛ حتى لو كان شكلها قرصاً كأقراص78  ثم45  و33 لفَّة أو حتى القرص المدمج (cd).. كلها يُقال لها أسطوانة؛ لدخول التسجيل أول ما دخل في بلادنا على هذه الأسطوانات الشمعية التي عُرِفت أيضاً بالكبَّاية، ما سُجِّل على هذه الأسطوانات ثم على أقراص الشِّلَك78  لفَّة، حدث قبل تفشِّي عقد الاستعمار والرغبة في الانفصال عن نظامنا النغمي بداعي الحداثة، والقارئ في الصحف القديمة سيجد الصفحات مفردةً للحديث عن جدلية الحداثة؛ أينبغي أن تكون ذاتية مع الاستعانة بخبرة تراكم الحضارة الإنسانية شرقاً وغرباً؟ أم لا تستوي الحداثة إلا باستيراد أسبابها ونتائجها وطبعها كما هي في حضارتنا مهما تمست من معالمها وجمالها.

الشاهد أننا أَولى بالحفاظ على هذا الإرث النغمي؛ لأنه قد يكون يوماً ما مبعث نهضة نغمية جديدة شاملة حين ينتبه أهل النغم وسامعوه إلى أن لدينا إرثاً حضارياً يستحق أن تُبنى عليه أنغام معاصرة منبنية على تطور لا عن قصّ ولصق وصخب تقليد الشائع.

قُلنا إن التسجيلات القديمة لا تنقل الصوت كما هو، سواء أكان صوتاً بشرياً أم صوت آلة نغم؛ لكن هل تقنيات التسجيل الحديثة فعلاً تفعل؟

لعل قرب نقل الآلات حديثة الصوت من الواقع المسموع ألهَى السامع عن حقيقة استحالة توثيق الحياة دون إعمال الخيال، فالسامع مثلاً لآلة الكمان مسجلةً على فنكراف، يسهل أن يعلم أن صوت الآلة ليس كما هو، فيتخيَّل السامع ما شاء من جمال وعذوبة في الصوت حسبما اتسعت مخيلته لهذا؛ لكن سماع التسجيل القديم خير دليل، بعد انفتاح المخيلة لاكتشاف أن التسجيل ليس إلا واسطة، مهما بلغت تقنياته عجباً وتطوراً، فيُفهم أن سماع النغم تسجيلاً لم يلغِ ولن يلغي سماع النغم حياً، فسماع الصوت أو آلة النغم من المؤدِّي لأُذن المستمع به روحانية وطاقة لن ينقلها التسجيل مهما ارتفعت جودته وكفاءة لقطه.

ثمة وسائل حديثة من آلات وبرامج ظهرت لتحسين ترقيم المواد المسجلة قديماً، وتنقيتها قدر المستطاع لإظهار ما خفي من نغم وراء صوت احتكاك الإبرة والإزعاج الناتج عن قِدم المادة المسجلة أو كسور فيها أو سوء تخزينها، فأغلب المواد القديمة المسجل عليها تحوي في تركيبها عناصر حية؛ مما سبَّب غزو الجسيمات الطفيلية والفطريات أجزاءً منها تغذَّت على بعض أسطرها فشوَّه بعض المسجَّل فيها، لكن يسهل سماع الفرق بين الصوت قبل التنقية وبعدها، ويجب أن تكون التنقية بأُذن تعلم كيف تزيل ما أمكن من تلك الإزعاجات الموجية بالقدر الذي لا يأخذ من النغم المسجل.

رغم وجود بعض المؤسسات في بلادنا ترعى مسألة التوثيق الصوتي؛ فإن الجهود تبقى فرديةً، لذا وجب تذكير كل مَن له سلطةٌ في بلادنا بأن يسعى لجمع وتوثيق هذه التسجيلات القديمة، فإنها ستكون ضياءً لحضارتنا، وستكون مثوبةً لا تنساها له الحضارة الإنسانية؛ فالمجهود الفردي خيرٌ من صاحبه يُشكر عليه؛ لأنه عمل دولةٍ قام به فرد، لكن مهما بلغ من السخاء مقدرته على الاستمرار محدودة بهذا الفرد.

حضارة أمتنا عموماً تستحق منَّا أكثر من هذا، ونغم كل أُمة مرآة حضارتها.

النماذج المسموعة:

عبدالله هادي مكي، إمام الحرم المكي الشريف: سورة البقرة، كراموفون، القاهرة 1904.

يوهان برامز، أسطوانات إديسون الشمعية، بين1883  و1886.

إبراهيم سهلون، تقسيم كمان، نغم بياتي، شركة “أورفيون”، القاهرة 1912.

بهية المحلاوية: الحنَّة الحنَّة، نغم حجاز، شركة “أوديون”، القاهرة 1905 ، أعيد نشرها في إصدار “العوالم” الذي أصدرته مؤسسة التوثيق والبحث في الموسيقى العربية في كُتيب وأربعة أقراص مدمجة cd)) عام 2017.

المصادر:

مؤسسة التوثيق والبحث في الموسيقى العربية.

Humboldt Forum.

اظهر المزيد

مواد ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق