مقالات رأي

الضريح.. والمخطوطة

فوقَ تلَّةٍ صغيرة وسط الطريق ما بين قرى وادي شعب في طور الباحة، يربض ضريح اختلف الناس على تسميته، فمنهم من يطلق عليه ابن علوان، ومنهم من يسميه الشيخ عبد الله وآخرون تعارفوا على تسميته دبا.

الضريح مبني من الحجر الأقحواني الصلب الذي تجلبه السيول من الجبال المطلة على الوادي، ارتفاعه حوالي ثلاثة أمتار عن سطح الأرض. وهو بناء هندسي جميل مربع الشكل بعرض مترين لكل جانب. حجارة مبنى الضريح مثبتة بالجص والنورة؛ مما يدل على قدم بنائها. وتعلو القاعدة قبة صغيرة، ومع الأيام تشوش لونها الأبيض، واخذت تكتسب لون الدخان الذي ينبعث من الشموع التي كانت تضاء داخل القبة ليلاً.

كنا ونحن أطفال نمر على الضريح كلما ختمنا جزءاً من القرآن، فنضع إلى جواره ما تبقى لدينا من خبز ليتغذى عليه الطير، أو يأخذه أي عابر سبيل، أو أحد المجاذيب ممن يتخذون من المبنى مكاناً للنوم، وإن كان الأهالي قد اتفقوا على منع المجاذيب من النوم في المبنى بعد أن وسخوه بما يحملونه في مسابهم من بلاوي. وعلى جانبي الضريح نمت شجر صبّار كبيرة كنا نأخذ رحيقها لنصنع منه الدواة التي نكتب بها على الألواح الخشبية السور القرآنية التي علينا حفظها لليوم الثاني.

بقيت للضريح مساحة في الذاكرة المزحومة بمشاغل الحياة، وكنت كلما أزور الوادي والأهل أمر على الضريح، وقد جردته الأيام من رونقه، على الرغم من الهيبة التي لازال يشيعها في المكان، فأقرأ عليه الفاتحة.. ويمر شريط طويل من الذكريات في لحظة تختزل مسافات طويلة من العمر والأحداث.

كانت آخر زيارة لي عام ٢٠١٣، وكانت مخصصة لزيارة أختنا الكبيرة آسية، وكانت هي التي احتفظت بما تبقى من وثائق الوالد – رحمهما الله جميعاً- بعد أن غادرنا كلنا البيت وذهب كل واحد يصنع حياته بطريقته.. وجرَّنا الحديث إلى ما تبقى لديها من هذه الوثائق، سلمتني إياها وكان من بينها مخطوطة عن تاريخ هذا الضريح والذي يقول إن شخصاً صالحاً جاء إلى الوادي في زمن شحت فيه الأمطار وانتشرت المجاعة والطاعون بين الناس وأهلك كثيراً من الخلق من أبناء الوادي والقرى المجاورة، وقام هذا الشخص بخدمة الناس وعلاجهم ومساعدتهم، وكان يقطع المسافات الطويلة بحثاً عن الطعام متنقلاً ليصل حتى ماوية، ودمنة خدير، وجبل النبي الياس، والأحكوم، وإلى حوطة لحج بل وصل إلى أبين ليحضره على ظهور الحمير لأهل الوادي.. وبعد موته أقاموا له ذلك الضريح وفاءً وتكريماً، واحتفظوا له بتلك المكانة التي توارثها الناس جيلاً بعد جيل، وصار معلماً من تاريخ الوادي.

وفي المخطوطة معلومات أخرى عن تاريخ الوادي والحروب التي شهدها والقبل التي أمَّته واتَّخذته سكناً لها.

كانت هذه المخطوطة محفوظة في بيتي في صنعاء والذي اقتحمه الحوثيون وعبثوا بمحتوياته مع وثائق كثيرة.

كتب لي زميل منذ أيام إنه شاهد في أحد مجالس صنعاء مخطوطة عن وادي شعب يتداولها البعض، وهو لا يعرف تتبع من، كل ما في الأمر أنه ربط بين المسميات وكتب لي.

كنت أتوقع هذا العبث بالوثائق.

هكذا يعبث هؤلاء ويتصرفون بغباء المستهتر بحقيقة أنهم لن يستطيعوا أن ينتزعوا من قلوبنا وطناً متسامحاً أرادهم أن يكونوا مواطنين فأبوا إلا أن تأخذهم العزة بالإثم وراحوا يواصلون التعالي عليه وقهره وتدميره ومحاولة استئصاله من أهله؛ أغبياء.

*من صفحة الكاتب في “فيسبوك”.

اظهر المزيد

مواد ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق