مقالات رأي

بَكر من التُربة غَبش يُلالي..

 مدينة تقع جنوب تعز على مسافة ليست بعيدة من مرمى النار.. يقود محور تعز منذ العامين نحوها أرتال الجنود، يعزز تواجد المليشيا أطرافها بكثافة، فقد ذهب لتأسيس لواء عسكري داخل نطاق مسرح عمليات لواء عسكري آخر.

 استخدم معهد مهني كمركز تدريبي للجنود، هكذا كان المهد الأول..

المعهد تحول لممهد تجريبي لإطلاق كرة النار لتنبعج في منطقة سكانية شديدة الكثافة، إذ احتضنت المدينة النازحين من الشمال، والجنوب.. عند وصول المليشيا الحوثية للعاصمة عدن مطلع مارس 2015، كانت التُربة تحتضن الأسر الهاربة من جحيم النار في عدن، ولحج، والمناطق المتاخمة للبحر على سواحل تهامة، استوعبت المدينة المهجرين، والمشردين، والنازحين بكل أطيافهم، وألوانهم، دونما فرز أو تمحيص في الجين والعرق.. تمتد التُربة لتمد الحياة برئة ثانوية امتلكت باكراً جملة مدنية متقدمة إلى حدٍ ما، فقد استوعبت المدينة كعاصمة للحُجرية هذه الجغرافيا الشاسعة الكثير من التنوع والتغيير. منها هاجرت القوافل، ومنها انطلقت حركة التمدين، والتغيير، والتثوير، منذ الأزل كانت تُربة الطيار دار مأوى وسكناً للعابرين والغارمين، وعابري السبيل، لا تسأل الغرباء عن مقاصدهم، ولا تفتش في النوايا، لكنها تربي الأمل، وترعاه، توطنه، تمنح بعض الحنين، جوّها يميل للصقيع شتاءً، والصيف يطيب، يقصدها أبناء المناطق المحيطة بها كمرفد، ومربد، إذا أسست على التقوى منها صارت القضية..

التُربة.. ترابها طاهر لم يطأه إلا الأخيار والأطهار من بعد أوقفها الشيخ سلطان الزمان مولوي بن علوان.. نشأت فيها الزواوي، عاش الشيخ في الفترة التي حكم فيها الرسوليون تعز جنوب اليمن، حتى جاء على لسان المحقق أن السلطان الرسولي فرض ضرائب مجحفة، وطالبهم بمضاعفة الخراج على الثمار، والزروع، والوقف الموهوب لله، وكان الحال لا يخفى على أحد في “جبل ذُخر” غرب تعز، ومركز المحلة/ الناحية/ المديرية اليوم، يفرس.

 حيث يقيم العارف الشيخ.. امتطى فرسه الجموح، دلف البلاط الرسولي، كان الحجّاب يفتحون أمام القطب الرباني حين دلف مقام المعتمد الرسولي بفرسه وسط ذهول أربك الوالي، وحواشي القصور، هتف شيخي ومولوي وراح ينشد، كما أكد الرائي المبصر عبدالله البردوني، أنه لم يكن شاعراً فحسب، بل قبل هذه وتلك كان ثورياً كما لو خلق ليعيش ثورياً من عهد الفلاحين الثوريين، عندما يتحدث البردوني فالسطور تبتهل كما لو تمطر بغزارة تنهمر الصدور غبطة وسروراً، بل يخصر كل البهاء والزهو بعالي الحضور.

“عار عليك عمارات مشيدة وللرعية دور كلها دُمن

تجبي الألوف ولا تستفيٌ جامعها وتخزن وبأي الحكم تختزن؟

هذي تهامة لا دينار عندهمُ بل لحج بل صنعاء بل عدنِ”.

كان يقف منافحاً عن الرعية، المستضعفين من أمتي والفقراء المعدمين سبل العيش في حده الأدنى.. قارع الظلم وجبروته والطغيان.. حتى عاد المعتمد، وعدل عن فرمان دولته العتيدة.

عاد الشيخ بن علوان مكللاً بالغار، والبنفسج، والياسمين، الراح، والريحان، والروح القُدس المكين.. لقد أسقط الضرائب المُجحفة بحق أبناء وطنه الممتد من البحر إلى البحر، ومن السهل إلى الجبل، من الرمل إلى الوديان، السهوب، السهول الوهاد، التلال، الهضاب، القيعان، الأفخاذ، والبطون الأقحاح، والشذى الفواح في وادي سبأ أرض الجنتين الفسيح..

تنفس الناس الصعداء، وتمغنجوا بصوت الناي، والدفوف ترغي تقرع الروح تجليات ترعش نوافذ المعراج تنسف الخوف، الفقر، الجوع، المرض، الحروب، تهدم الكفر، تبني للعالمين الحالمين برضاه ربنا سيد العالمين.

عاد الشيخ، امتطى فرسه الجموح يجندل قدميه نحو التُربة، يلقي على المريدين من الله التحية والسلام.. بين يفرس حيث مقام العارف بالله شيخ الطريقة، والمريدين أتباع الحضرة العلوانية مسافة تطويها الحجول بلمح الساعة، وأخرى تنفق بذكر الله، وخاتم الرسل الغر المحجلين..

تنوس السحابة، تتموج الغمام، تغني الهديل صوت الحمام.. الهزار يتثنى كما لو يتغنى، والهطل طلول الندى رذاذ الندى، والهيام يطوي الزمن ليحضر التُربة يفرس.

بين مدينتين عاش البهاء، الصفاء، الترجمان القطب الرباني، والترجمان الإلهي يرشف المعاني والمثاني مغاني لترتفع راية العلم مباني، شمخت معه منارات، ومدارات، الوئام والسلام لم يزل هناك يحفها المدينة، والوصيفة عالي المقام.. تحرسها الملائك، وتغشاها الكرامات، كرامات الأولياء والصالحين.

 بين يفرس ومعسكر تتخذه مليشيا حزب الإصلاح بقيادة شيخ قبلي يدعى حمود المخلافي، يدعي قيادته للمقاومة الشعبية مقراً للحشد الشعبي الموازي لجيش المحور، يسوق الحزب إلى التُربة جحافل المجاهدين نحو مواقع اللواء 35 مدرع للسيطرة عليها والاستحواذ، ضارباً بكل الاتفاقات والقرارات والتوجيهات الصادرة عن الجهات المختصة “بيده سبيل بجيبه أمر عالي”، كما غنى د. سعيد الشيباني:

هجرتني والقلب غير سالي كل السبب عساكر الحلالي…

 من يَفرس إلى التُربة وكما ورد في التراث اللامادي:

 “أحمد بيفرس، ووردة بالعفا”.

إشارة إلى الشيخ بن علوان، ووردة سيدة كانت تتخذ منطقة العفا بالأصابح مقراً لها، حيث أسس التجمع معسكراً للمليشيا.. يتمدد حزب الإصلاح بواسطة أذرعه العسكرية للسيطرة على الحُجرية، الجغرافيا المناوئة للمشاريع اللاوطنية، يتمدد بمعسكر للحشد الشعبي طامحاً بمعاودة مهاجمة ميناء الزيت غرب عدن العاصمة المؤقتة، من جبال الحُجرية، وهو ما لم يمكنه منه اللواء الخامس والثلاثون متمرد، بحسب تصنيفات إعلام التنظيم الدولي للإخوان.

اظهر المزيد

مواد ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق