مقالات رأي

رواية “الأرض الطيبة”.. ورحلة إلى “قصيعر”

(الجزء الثاني)

كان هناك اختزال تعسفي لأسباب الفقر المدقع للفلاحين، وهو الاختزال الذي ينسبه لأسباب ذاتية متجاهلاً الأسباب التاريخية ومنها الاستغلال الوحشي الذي تعرض له الفلاحون، والذي أسفر عن ترسيب علاقات إنتاج طبقية أدت إلى اتساع رقعة الفقر في الريف الروسي.

كان الحوار، الذي سجله الروائي السوفييتي “شولوخوف”، والذي كان يدور بين الفلاحين وقادة الحزب في المنطقة حول هذه المسائل، من أهم ما سجله الفكر الاشتراكي من نقد للتطبيق الاشتراكي في مجال الزراعة.

وكانت ذروة الدراما هي عندما صدرت أوامر للمسؤول الحزبي، في المنطقة التي تجري فيها أحداث الرواية، بمصادرة ممتلكات أحد الكولاك (الفلاحين الأغنياء) في منطقته، وكانا رفيقين في الحرب ضد الألمان في جبهة بولندا إبان الحرب العالمية الأولى، ويعرف إخلاصه لروسيا والنظام السوفييتي، وكيف أنه عمل بعد انتهاء الحرب على إعالة نفسه وأسرته بالعمل في قطعة أرض صغيرة، وتوسع بجهده وأسرته ليكون مزرعة جعلته “كولاكاً” في التصنيف التحكمي يومذاك لفئات الفلاحين.

عندما تسلم هذا المسؤول الحزبي الأمر بمصادرة أرض وممتلكات رفيقه هذا الذي كان يعتبره نموذجاً للروسي المخلص لوطنه، صعب عليه أن يعتبره عدواً طبقياً، تردد في التنفيذ، على الرغم من أنه كان يرى أن قرارات القيادة لا تناقش..

لكن المسألة تركت في نفسه أسئلة شوشت قناعاته كلها.. وتذكر كثيراً من تناقضات الحياة، واستعاد إلى ذاكرته أنه قرأ ذات يوم أن أحد المثقفين الثوار “ظل يكتب ويحلم بتحقيق السعادة لروسيا، لكنه يمتنع عن أن يرد التحية للفلاح الذي يحييه بمزيد من الاحترام”.

وعندما أسر هذه الهواجس لمسؤول المديرية الأعلى منه مرتبة، وشرح له الوضع، قال له المسؤول احتفظ بهذه المعلومات، وفكر في التالي: ألم يكن رفيقك هذا مستعداً للموت دفاعاً عن روسيا في جبهة بولندا، قال له نعم، وأنا شاهد على بطولاته.

قال المسؤول الكبير: نحن الآن لا نريده يموت، ولكننا نريده يتنازل عن ملكيته من أجل روسيا أيضاً.

لم يكن في حديثة أي فذلكة، كان يعبر عن موقف حازم تجاه العملية الجارية، الكلخزة، باعتبارها مستقبل الاتحاد السوفييتي كما أكدت القيادة. 

لكن المسؤول الحزبي للمقاطعة كانت قناعاته قد اهتزت من الأعماق، ولم تكن تلك الكلمات قادرة على ترميم الشروخ التي أحدثتها تلك الهزات. وتذكر حياة الفلاحين البائسة ودمعت عيناه، لكن قائده نهره وذكره بحقيقة أن الفقراء لا ينتظرون منا الدموع، بل المنجز الذي يجفف دموعهم.. وقال له: ما الذي يريدونه من دموعنا؟ هل هذه الدموع سترطب كسرة الخبز الأسود الجاف ليسهل لهم بلعه؟!

وراح يتساءل كيف له أن يقنع نفسه بأن هذا الفلاح المقاتل من أجل حرية وسيادة روسيا عدواً طبقياً.

أخذ التطبيق الخاطئ يحدث ردود أفعال جعلت القيادة تصدر بيانها التاريخي الذي أدخل إصلاحات واسعة فرقت بين ما عرف بمزارع الدولة، أي الملكية المجتمعية، والتعاونيات التي حافظت على الملكية الخاصة التعاونية.

تذكرت وأنا أقرأ رواية “الأرض الطيبة” زيارتنا إلى مدينة قصيعر بحضرموت، عام ١٩٧٥، وهي مركز لصيد الأسماك على ساحل بحر العرب، برفقة الرئيس الراحل سالمين- رحمه الله.

وسيكون هذا موضوع الجزء الثالث، بإذن الله.

من صفحته على فيسبوك.

اظهر المزيد

مواد ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق