مقالات رأي

الدكتور عبدالعزيز الدالي.. صديق الشعوب

لم تكن اللحظة الفارقة التي غيرت مجرى الهوى وليدة الصدفة.. لكنها اللحظة التاريخية التي امتلك اليمنيون فيها ناصية الحلم ليقفوا على مشارف الغد، حاملين معهم الأمنيات العظيمة للوطن المنفي خلف حقبٍ كادت تذهب به إلى غيهب العدم، شحن اليمني روحه عبر البحر، سافر مع الكوكب السيار بحثاً عن ملاذ هرباً بجلده من بطش الأئمة شمالاً، ذلك الكهنوت الجاثم فوق صدور اليمنيين لسنوات، ربما عدها الثائر الذي لا يقبل الضيم والظلم قروناً من الجور، والحيف.

على الضفة الأخرى من البلاد المشطور كان الاستعمار البريطاني يستبد بالأرض، والناس، ومقدرات البلد، وزعوها

الدكتور عبدالعزيز الدالي

كانتونات، زرع الاستعمار سياسة “فرق تسدّ” هذه قاعدة والسهم القاتل الذي ينفذ به المستعمر إلى مصالحه، وأطماعه اللامتناهية..

سخر الإنجليز عدن لخدمة “شركة الهند الشرقية” التي تخفى الاستعمار خلف يافطة كتب عليها: “المملكة المتحدة”، عدن “درة التاج- هاف لندن”.

أطلق الاستعمار على عدن هذه المسميات نظراً لأهميتها، وعند بحرها تماهى الإنجليز، وتفاخروا حين وصف المؤرخون إمبراطوريتهم بأنها “المملكة التي لا تغرب عنها الشمس”.

حيناً من الدهر، ذاعت عدن وتعالى صوت “البندر”. إذ اصبحت “المصلى” محطة للقوافل القادمة من الحُجرية حيث اشتد بطش المملكة الكهنوتية التي تستبد بشطر البيت اليمني.

تقاطرت القوافل عبر المصلى لتنشط الطرق، حضر الجمال، وصلت السيارة اللاندروفر حين امتلكها “الدريول”، قطع المسافة بين المصلى والبندر بظرف ساعات عبر “وادي الصميتة”، الذي قال عنه عبدالولي في مجموعته الروائية التي دونت القضية الوطنية “وادي الصميتة أسفل السلسلة الجبلية للحُجرية لا أحد يعرف كم ابتلع هذا الوادي الصامت من البشر الهاربين من محارق شمال الاستبداد وجنوب الاستعمار”.

عاش عبدالعزيز الدالي، وقد ولد هناك شرق القارة الإفريقية مع غيره من اليمنيين الذين هاجر أجدادهم في رحلة الثورة على البطش، هاجر اليمني، هاجرت عبر البحر، ركبوا مع  الساعية والمراكب الإغريقية شديدة القسوة.

جاب اليمني بحار العالم يحمل قضيته.. حيث أسسوا الاتحادات والنقابات، والجاليات العربية والإسلامية، واليمنية، أينما اتجهوا كانت اليمن قِبلتهم التي لا تضيع ولا تغيب.

هبت رياح المواسم من أرض نشوان تعلن الثورة على الاستبداد والاستعمار.. بين عدن وتعز تشكلت النواة الأولى للجبهة القومية، بعد أن كانت تعز قد شهدت تأسيس فرع حركة القوميين العرب، خمسينيات القرن.

كان سبتمبر، وأكتوبر، امتداداً ومداً ومدداً للاستمرار والوصول بالبلاد لتعود تلك الجمهورية الممتدة على كامل التراب لتحكم المضيق والبحرين.

عاش اليمني ذلك العصي على الترويض ثائراً في كل الأزمنة.

الدكتور عبدالعزيز الدالي واحد من الفدائيين الذين انتصبوا ذات اللحظة ليصبحوا “صناع النهار”.

كانت النجمة التي شطحت فوق قلعة “صيرة” تطوي التاج البريطاني عند شطوط نهودها عدن.. بعد أن ارتفعت فوق قصر البشائر بوسط صنعاء عاصمة سبتمبر راية الثورة، والجمهورية.

عاش الرفاق يكتبون للقضية، بقلم الحركة الوطنية قانون الدولة، دستوراً ضمِن حق الخبز، والتعليم، والمواطنة..

استقروا عند البحر، ذلك الجيل الممتد..

ولد عبدالعزيز الدالي في أوغندا 3/3/1937.

تلقى دراسته الأولى في مدرسة تابعة للجالية الحضرمية.

انتقل إلى القاهرة 1954 لدراسة الثانوية.

وهناك التحق بتنظيم حركة القوميين العرب.

تخرج العام 1966طبيباً للأسنان من جامعة الإسكندرية.

عاد إلى عدن خلال ثلاث سنوات، تدرج في عمله الوظيفي في سلك الصحة.. من طبيب أسنان إلى مدير لمستشفى الجمهورية، إلى وكيل لوزارة الصحة.

كان والده قد عاد من بلاد المهجر التي وصلها عشرينيات القرن مع اليمنيين الذي ركبوا البحر بحثاً عن ملاذ. هاجروا لكنهم عادوا ومعهم الأبناء، والثورة، والعشق يَدمي القلوب والمُقل.

كان والد الدكتور قد عاد العام 1963 ليفتح محلاً تجارياً في كريتر سوق الطعام.. ابتهج عبدالعزيز لذلك، إنها عدن المهد والملاذ الأخير بعد أن فرقتنا المسافات، جمعتنا اليمن.

  • 1969 وزيراً للصحة حتى 1977 ليحدث نقلة نوعية شهدها مجال الصحة، إذ أصبحت مدرسة التمريض معهد أمين ناشر للعلوم الصحية بكافة التخصصات بمساندة (WHO) في العام 1972.

في العام 1975 أضاف عبدالعزيز لجامعة عدن كلية الطب، لتصبح المهد الأول للطب في عدن الأكاديمية التي عاش يحلم بها.

– رئيساً لجمعية الصداقة مع الشعوب.

– في العام 1977-1980 انتقل معالي الوزير إلى معالي السفير، سفيراً لبلاده لدى موسكو.

– عاد ليشغل وزارة الصحة مرة أخرى لنصف العام والنصف الآخر سكرتيراً للعلاقات الخارجية.

– 1982-1990 وزيراً للخارجية.

– 1990 وزيراً للدولة للشؤون الخارجية.

– 1994غادر مع رفاقه إلى رحلة الشتات مرة أخرى.

ثقافة الفيد والغلبة تجتاح الجنوب في غزو تاريخي لاتزال آثاره قائمة إلى اليوم، وقد دفنت مجنزرات 7/7/94 مشروع الحركة الوطنية، الوحدة، تلك الذبيحة بخنجر الهضبة والجُلبة القبلية وعساكر شمال البلاد.

كانت هنا دولة.

قاد عبدالعزيز مع رفاقه الفدائيين ثورة أكتوبر لتنجز الخطة الخمسية الأولى وتحقيق الوحدة اليمنية خلال ربع قرن من الاعتراكات الوطنية، كانت الجبهة القومية تسترد الإرادة الوطنية والدولة القومية على كامل السيادة صبيحة 30 نوفمبر عيد الاستقلال الناجز بعد حقبة استعمارية استبدت هنا 130عاماً.

هنا عدن..

قاد عبدالعزيز الأول والثاني جمهورية اليمن الديمقراطية لتجسيد قيم المواطنة، والعدالة، والقانون.. عاش، ما مات من مثل الرفاق عاش..

إنهم يسطرون بل يؤسطرون كتاباً مثخن بالإنجازات، فقد حققت الدولة الوطنية الكثير من المواطنة وروح الانتماء بعد استبداد عاث بالهوية ونخرها.. كان الجنوب دولة لها شأن عظيم انتصبت رايتها فوق القلعة، صيرة.

“ولاح برق المعنى في جبل شمسان ينقش على الصخر والأحجار والعيدان”.

عاد عبدالعزيز ليصبح المسؤول الفدائي الأول عن القطاع النسائي في التنظيم السياسي للجبهة القومية عام 1968 حيث التقى رفيقة الدرب المناضلة فطوم علي أحمد ليخلفا ولدين وبنت.

هاني، وقد تخرج من الأكاديمية المصرية قبطان. أيمن والذي يعمل في بنك إقليمي. داليا، خريجة الجامعة الأمريكية بالقاهرة، وتعمل حالياً بمنظمة دولية.

عاد بعد العام 2005مع جملة من رفاقه بعد بعث المنتصر المنتحر في حرب الفيد ببرقية سلام يمد يداً للمصالحة يضمن حق المواطنة والشراكة، إلا أنه لم يفعل.. عاد الرفيق ليصادر العُكفة شقته في المشروع الليبي.. حتى المساء لازالت في المنفى.. عاد الطبيب يفتح عيادته لطب الأسنان.

عدن المهد، والميلاد، والملاذ والمعاد.. حين هاجر البحر، والمراكب عاشت هنا عدن..

الخلود لروح عَاشقٍ على جدار الوطن ترك بصمات لا تنمحي وشماً على خدها عدنِ..

اظهر المزيد

مواد ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق