فنون وثقافة

آيسكريم الفقراء

  • الحياةُ المُرَّةُ في اليمن حين تحاول أن تكون حلوة

محمد عبد الوهاب الشيباني

أجدهم في طريقي كل صباح. يخرجون من حوانيت بائسة في الحواري الخلفية لتقاطع شارع 20 مع شارع 16، في حي هائل بصنعاء، أو يجيئون من نواحي الشوارع الفرعية، وهم يحملون “ترامس” برتقالية، وتتدلى من على أكتافهم كراتين صغيرة مغطاة من الجانبين، وأبواق معدنية، مثل التي توضع على الدراجات الهوائية التقليدية، لتنبيه الآخرين إليهم أنهم في طريقهم لتحلية طعم الحياة في أفواه أطفال الفقراء.

“الترامس” بأحجامها المختلفة، ستصير عما قليل معبأة بكتل صلبة من الثلج الملوَّن بصبغات ومُنكِّهات عدة، مثل الفراولة والموز والبرتقال والقهوة. أما الكراتين فتحتوي على أقماع خفيفة من البسكويت الهش الرخيص، الذي يصنعه معمل في الجوار. الكتل الصلبة الملونة ثمة معامل تبريد تُحضِّرُها، ويقوم ملاكها ببيعها بالوزن لكل ممتهني بيع الآيسكريم للأطفال الفقراء في الحواري والقرى والأسواق.

يبدأ بائعو آيسكريم الفقراء تجمعهم في الشارع الخلفي، حيث يكون للمعمل بابٌ يسمح بدخولهم إلى ردهة عريضة، بها أكثر من براد عتيق، وميزان تقليدي، يضعون على إحدى كفتيه معايير الوزن، وعلى الأخرى كُتل الآيسكريم الملوَّنة بأحجام متقاربة، ثم توضع الكمية الموزونة في الترمس، ليبدأ صاحبها بالضغط عليها وتفتيتها بقطعة خشبية، صُممت لهذا الغرض، حتى تصير جميع الكتل متداخلة ببعض ومتجانسة وناعمة الملمس.

“الترامس” الكبيرة التي تستوعب 20 كيلوجرام، توضع بعد تعبئتها على عربات، تقطرها دراجات هوائية، تتجمع في الأزقة؛ أما الأصغر حجماً والأصغر والأصغر فتُحمل على أكتاف أصحابها، الذين ينتقلون إلى مواقف الباصات القريبة التي تقلهم إلى وجهتهم في الأحياء الشعبية، والأرياف القريبة من المدينة.

بائعو آيسكريم الفقراء من جميع بلاد اليمن، التي يُشهد لأصحابها مثابرتهم وكدهم، ووجدوا في هذه المهنة مسلكاً لمقاومة الموت والجوع والفقر، كحالات مستديمة فرضتها عليهم سنوات الحرب، رغم أن هذه المهنة لا تدرُّ عليهم الكثير من الربح، لكنها تسد رمقاً لأسر في القرى البعيدة، أو في الأحياء الفقيرة في المدينة. هم من “ريمة” و”إب” و”تعز” و”وصاب” و”المحويت” و”عتمة” و… و…أطفال وشباب وشيوخ، والقليل من النساء اللواتي -لأسباب اجتماعية- لم نستطع تصويرهن.

أطفال الخامسة صباحاً

في اليوم الأول، كانوا 4 بين الـ 8 والـ 10 من العمر. سمعت جلبتهم خلفي، بالقرب من مدرسة “صلاح الدين”، اثنان يحملان ترامس برتقالية صغيرة، وواحد يحمل كرتوناً صغيراً، والرابع  لا يحمل شيئاً، يبدون من طريقة مشيتهم الحميمة أنهم أقرباء أو أصدقاء.

حين استوقفتهم للتحدث معهم، لم ينفروا، وراحوا يجيبون على أسئلتي الكثيرة بكل ثقة، فعرفت أنهم من 3 مناطق مختلفة في محافظة تعز.. اثنان من منطقة “الصلو”، وواحد من منطقة “البركاني”، والأخير من منطقة “الصِّنة”، ويقطنون حي السنينة الشعبي، غرب المدينة.. هيئاتهم بسيطة، وملابسهم نظيفة، وبها أناقة واضحة.

ينهضون في الـ 5 صباحاً، ويتجمعون في ركن الحارة، ثم يختصرون الطريق عبر الأزقة والحواري التي توصلهم إلى حي الطيران، ومنه يدخلون شارع 20، ليصلوا في الـ 6 إلى المعمل، معمل صغير جوار المدرسة، لأن صاحبه الذي يتعاملون معه، متساهل في أسعاره، يبيع لهم الكيلو الواحد بـ 200 ريال، وأحيانا بـ 180 ريالاً، وهو سعر يقل بـ 50 ريالاً عن السعر الذي يفرضه مالك المعمل الكبير، فيما ثمن أقماع البسكويت التي يشترونها منه أرخص بريالين لكل واحد منها من سعرها هناك.

قالوا إنهم يضعون في كل ترمس كيلو ونصف من الآيسكريم، بالإضافة إلى 50 قمعاً، بعدها يعودون من الطريق ذاته، ليصلوا الحارة في الـ 8، ليبدأوا ببيع بضاعتهم التي تحويها الترامس، على الأطفال الفقراء، بـ 20 ريالاً، لكل قمع محشو بالثلج الملون والمُنكَّه. الربح الصافي لكل واحد من هؤلاء الأطفال، من هذا العمل الشاق، لا يتجاوز 200 ريال.

قلت لهم لكنه عمل مجهد وشاق، فردوا: إنه أفضل من لا شيء. أحدهم، وبانتشاء، قال إنه من يومين فقط سدد ثمن “الترمس” الذي اشتراه مُستخدَماً بالدَّين.

في اليوم الثاني وجدت طفلين فقط من الأربعة، هما: كريم ومحمد، اللذين سمحا لي بتصويرهما بكاميرا الهاتف القديم، لكن ضحكتهما وثقتهما  منحت الصورة قيمة فنية واضحة.

أسواق الأرياف البعيدة

رأيته قادماً من بعيد، وعلى كتفه “الترمس” البرتقالي الثقيل، التقطت له صورة بدون أن ينتبه، وحينما صار بالقرب مني استوقفته. رجلٌ في منتصف العمر، تقرأ في ملامحه معاركه

عبدالله

الطاحنة مع الزمن، قال إن اسمه عبدالله، من منطقة ذي السفال في إب، ويسكن مع مجموعة من زملائه حانوتاً في الجوار، ينهضون باكراً لتعبئة ترامسهم  بـ 5 كيلو من معمل “جوبح”، ويشترون الأقماع من معمل قريب، ثم يتناولون إفطارهم بشكل جماعي في المقهى القريب، والمكون عادة من “الخمير” والشاي، بعدها يتجمعون ويقومون باستئجار وسيلة تقلهم إلى الأسواق الشعبية في همدان أو في بني مطر أو خولان، حيث يستطيعون بيع بضاعتهم على المتسوقين في الأصياف الحارة، حين يكون الإقبال عليها كبيراً.

عادة ما تكون لهذه الأسواق مواقيت أسبوعية لتسوق الريفيين إليها، أو أسواق قات جملة مثل سوق “ضروان” في همدان على طريق “عمران” ، حيث سيتوجه اليوم مع رفاقه إلى هناك. قال إنه يكسب 1500 ريال من عمله الذي يمتد إلى ما بعد العصر.

سوق المفاودين الصغار

انتظرت حتى وضع “الترمس” على عربة الدراجة الهوائية، وطلبت أن أصوره، وبعد ترددوافق، قال إن اسمه حيدر، من وصاب، ويعمل في مهنة بيع الآيسكريم على هذه العربة، من 3 أعوام، وتحديداً منذ أنهى دراسة الثانوية في قريته، وبعد أن تعذر عليه السفر إلى السعودية.

قال إنه سيتحرك على دراجته التي تقطر العربة عن طريق شارع الستين حتى يصل إلى

حيدر

سوق المفاودين. وحين سألته عن معنى المفاودين، قال سوق الجملة أو سوق “علي محسن”،  وإن كلمة مفاودين تطلق على من يحددون فوائد الرعية والمشترين من أسعار الخضر والفواكه، التي ترد إلى السوق الأشهر في صنعاء، ويتموضع مع عربته في مدخل السوق، حتى لا يدفع رسوماً إضافية يفرضها المشرفون على دخول السوق بالعربات.

الأهجُر بلاد الخُضرة

أين ستذهب ببضاعتك؟ سألته.قال ضاحكاً: إلى البلاد. من أي بلاد أنت يا محمد؟ من المحويت. وكيف ستصل ومتى إلى هناك؟ قال ربك مسهِّل! وأضاف أنه سيركب على باص مذبح، وسينتظر إحدى الهايلوكسات حتى يصل إلى سوق “الأهجُر” بعد منطقة كوكبان، حيث يقوم ببيع بضاعته على المتسوقين وعلى الوافدين من مدينة صنعاء إلى هناك، ويجدون في المنطقة الخضراء، التي تكثر فيها في هذا الوقت من العام، الشلالات الجبلية، مكاناً هادئاً لتمضية نُزهات عائلية، بعيداً عن ضوضاء المدينة.

لماذا لا تبحث عن معامل أقرب لطريقك؟ سألته فأجاب، قال إنه يفضل هذا المعمل؛ لأن صلابة المادة الثلجية تجعلها تقاوم لساعات طويلة، ولا تذوب بسهولة في الترمس مثل الكتل الأقل صلابة التي تبيعها المعامل الأخرى بذات السعر تقريباً.

إلى الشلال

اسمه “أوس” من بلاد “بني بحر” في “عتمة” التي تتبع محافظة “ذمار”، ويعمل مع مجموعة من  أقربائه في بيع الآيسكريم، وأن عمه حسن (أشار إلى رجل متوسط العمر، جالساً على رصيف المقهى المرتفع)، هو من يشجعه على العمل، ويأخذه معه إلى أماكن بعيدة مثل سوق “متنة” في بني مطر، والشلال، وأنهما سيذهبان إلى شلال بوعان في بني مطر، لأن أمطار اليومين السابقين، التي تساقطت بغزارة على المنطقة، ستشجع المتنزهين على الخروج بكثرة إلى هناك، حيث يمتلئ السد بالماء والمتسبحين، وأن حرارة الجو في النهار تُسرِّع من بيع بضاعتهم بأسعار معقولة، وأن الطريق المزدحمة بالسيارات تساعدهم على التنقل على وسائل مختلفة.

هذه بعض نماذج ليمنيين بائسين، يعصف بهم الفقر والجوع، وجدوا في مهنة بيع الثلج الملون والمحلَّى، ويسمونه آيسكريم، باباً يطعمون منه أفواهاً جائعة في القرى والأحياء الفقيرة.

إنهم يسكِّرن ويحلّون، بالأمل، الصباحات المُرّة، لبلاد يتناوب على طحنها وامتصاص خيراتها وتجويع أبنائها، أمراء حرب ووكلاء لمسيِّرين خارجيين، تُدِرُّ عليهم هذه الحرب منافع كبرى، ولا تجعلهم يبادرون لإنهائها حتى وإن طحنت الناس وفككت التراب.

* المادة كتبت لمنصة “يمن سات”
اظهر المزيد

مواد ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق