مقالات رأي

هل للفشل علاقة بالتطرف الديني؟

العام 74, وكنت حينها في الصف الرابع الابتدائي بمدينة الحديدة، ضمن مجموعة من الطلبة الفقراء, الذين تكفل بهم طيب الذكر والمربي الفاضل “أحمد محمد عمر” أطال الله في عمره .

أحد هؤلاء الطلبة، وكان يكبرني ببضع سنوات, كان يتصرف بشيء من الغرابة ويتسم بالعصبية في معظم ما يبدر عنه, كان هذا بادياً للجميع ومحل استغرابهم.

أتذكره على سريره وهو يقرأ القرآن بصوت مسموع, وفجأة وبعصبية واضحة يهم واقفاً ويرمي بالمصحف في جدار الغرفة، مترافقاً مع تمتمة بعبارات غير واضحة وبما يعكس إصابته بحالة ما, إلى جانب تصرفات أخرى ظلت تلفت نظرنا وتصيبنا بكثير من الخوف وحالات القلق.

في ذات العام، على ما أظن، ترك الدراسة وغادر إلى القرية، حيث مازال يعيش فيها حتى اليوم, وحيث انتمى لإحدى الجماعات الدينية (الإخوان المسلمين).

عرف عنه – ومازال – الريبة المسبقة من الغير, الحدة في التعاطي مع الرأي المخالف, وهم امتلاك الحقيقة وصواب المواقف, الاستعداد للصدام والإساءة ببساطة، بل وتكفير كل من يختلف معه في الرأي.

تجده نادر الاختلاط, يقابلك بوجه متجهم وقد لا يرد عليك التحية لو سبق لك الخوض معه في موضوع ما واختلفت فيما يطرح من رؤى. لم أسمعه يوماً يتحدث في قضايا خارج اهتماماته الدينية, أو يتعاطى مع الغير بعيداً عن مواقفه المسبقة.

ظل – ومازال – نموذجاً لسوء وجهات النظر وعصبية الرأي وتطرف الموقف, وبما قدمه في الأخير صورة فوتوغرافية للتطرف الديني.

باستعراض محطات ومظاهر حياته وما يرتبط بها مما أسلفت من الطباع, أصلُ أحياناً كثيرة إلى قناعة أن الانتماء للجماعات الدينية يأتي كنتاج لحالة ما غير طبيعية في مجملها, وهو ما يفسر حالة العداء الذي يعرف به كثير ممن ينتمون لهذه الجماعات، واستعدادهم للتجريح والإساءة لكل مخالف، بما في ذلك إطلاق عبارات التكفير.

في منطقتي كثير ممن قد يوصلك بسلوكه وعقده وأمراضه إلى هذه القناعة والنتيجة, فهناك عدد ممن تحولوا فجأة وباتوا ينظرون لأنفسهم كنماذج دينية يجب الاقتداء بها, فيما حقيقة تصرفاتهم وطبيعة علاقاتهم تمثل إساءة واضحة لديننا الإسلامي, بعباداته وحسن معاملاته ومضمونه الأخلاقي, ولو تتبعنا مسيرة حياة بعضهم سنجدها مطبوعة بالفشل الدراسي أو العملي والاجتماعي أيضاً, وبالتالي يغدو الدين بالنسبة لهم مواراة لهذا الفشل, والذي يعكس نفسه غصباً عنهم في كل ما يبدون عليه في التعاطي مع الآخر.

بالتأكيد يصعب علينا اعتبار ذلك حالة عامة, لكن الأمر يظل لافتاً للنظر إذا ما توقفنا عند عدد هذه الحالات، وربطها بصور الفشل الواضح الذي يرافق محطات حياتهم, وبما يجذر قناعتنا بمدى انعكاسه على حالات وصور التطرف التي يظهرون عليها.

اظهر المزيد

مواد ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق