تقاريرفي الواجهة

تدمير البيئة البحرية في عدن

  • نحو 80 ألف متر مكعب من مياه الصرف الصحي  يتم تصريفها إلى شواطئ البحر

  • توقفت محطة “العريش” عن معالجة المياه العادمة منذ نحو 7 سنوات بسبب الدمار الذي خلفته الحرب

  •   الحرب دمرت إدارة ومختبر ومركز التدريب في الأحواض الخاصة بمعالجة المياه العادمة في محطة “العريش”

  •   قوات من الحزام الأمني تتمركز في محطة المعالجة واستحدثت مواقع عسكرية فيها وتبيع السماد المتراكم لصالحها

  •   دراسات بحثية تحذر من أضرار كبيرة تلحقها المياه العادمة في البيئة البحرية وتأثيرات الملوثات الكيميائية على الأحياء البحرية

عدن- “الشارع”- معلومات ميدانية ثروت جيزاني- تقرير خاص:

تتعرض البيئة البحرية في مدينة عدن لتلوث كبير، حيث يتدفق يومياً عشرات الآلاف من المترات المكعبة من مياه الصرف الصحي غير المعالج إلى مياه البحر، بسبب توقف محطات المعالجة الرئيسية في المدينة، منذ نحو سبع سنوات.

وتستقبل محطة معالجة مياه الصرف الصحي، الكائنة في منطقة العريش، بمديرية خورمكسر، أكثر من 80 ألف متر مكعب يومياً؛ بيد أن كل ذلك الكم المهول من المياه الملوثة يُصرف يومياً إلى مياه البحر في خليج عدن، بدون أي معالجة للمياه العادمة التي تتدفق من مديريات صيرة والتواهي والمعلا وخور مكسر.

وتعرضت محطة العريش المخصصة لمعالجة مياه الصرف الصحي للتخريب والدمار بفعل

جانب من الدمار الذي لحق بأحد مرافق المحطة

الحرب الذي شهدتها المدينة في العام 2015، تلى ذلك إهمال وتسيب وعبث ونهب وسطو، أخرج كل ذلك المحطة عن جاهزيتها للقيام بمعالجة المياه الملوثة قبل تصريفها إلى البحر.

دمار وسطو يوقف المعالجة

يقول مدير إدارة المحطة في المؤسسة العامة للمياه والصرف الصحي، محمد العروبة لـ “الشارع”، إن “محطة المعالجة لمياه الصرف الصحي القادمة من مديريات صيرة والتواهي والمعلا وخور مكسر، متوقفة عن العمل منذ أكثر من سبع سنوات، بسبب توقف المضخة الرئيسية في خورمكسر وعدداً من المضخات الأخرى على ساحل أبين، التي تستقبل مياه الصرف الصحي من تلك المديريات، لتنقلها إلى أحواض المعالجة الثمانية في محطه العريش”.

ويوضح العروبة، أن من أسباب توقف أعمال تنقية ومعالجة مياه الصرف الصحي في أحواض المعالجة بالعريش، تعرض مبنى المضخة الرئيسية في خور مكسر للبسط، وأدى

ذلك إلى إغلاقها، إضافة إلى حدوث كسور في خط الأنابيب الناقلة لمياه الصرف الصحي الواصلة من مديرية خورمكسر إلى مركز المعالجة.

ويضيف، أن “مختبر محطة معالجة مياه الصرف الصحي في العريش، تعرض للقصف والدمار الكامل، في حرب صيف 2015م، وأخرجه عن جاهزيته تماماً”.

ويتابع: “من الإشكاليات الأخرى استيلاء قوات من الحزام الأمني، في القطاع الشرقي، على جزء مهم من إدارة المحطة وبناء موقع عسكري فيه، أدى تواجد هذا الموقع العسكري في داخل مساحة أحواض المعالجة إلى عرقله جهود الإدارة في العمل بالأحواض الخاصة بالمعالجة، ويتطلب الأمر أذونات مسبقة لدخول وخروج الموظفين إلى تلك الأحواض، ويصل الأمر إلى مضايقتهم ومنعهم من دخول موقع عملهم”.

وكشف العروبة عن قيام قوات الحزام الأمني في القطاع الشرقي المتمركزة في أحواض المعالجة، “ببيع السماد المترسب منذ سنوات؛ للمزارع لحسابهم الخاص، في حين يعد هذا السماد مورد ثانوي للمؤسسة، ويستفاد من إيراداته في تشغيل محطة العريش لمعالجة مياه الصرف الصحي وأعمال أخرى”.

وتؤكد وثيقة حصلت عليها “الشارع” ما أورده العروبة، وهي عبارة عن مذكرة موجهة بتاريخ 23 / 9/ 2019م إلى مدير أمن عدن، من القائم بأعمال مدير عام المؤسسة المحلية للمياه والصرف الصحي عدن، المهندس فهمي السقاف، تطالبه “التوجيه لقيادة القطاع الشرقي بالسماح للعمال والآليات المرافقة للمهندس محمد محمود فضل، نائب مدير أحواض المعالجة، الدخول الدائم إلى موقع عملهم في محطة العريش، للقيام بأعمال التنظيف والصيانة اليومية للأحواض”.

حينها وجه مدير أمن عدن لقيادة القطاع الشرقي للحزام الأمني، بالسماح للفريق بالعمل وتسهيل مهامه، بدلاً من إخلائها، لكن ذلك لم يتم، حيث وجه المهندس السقاف، بعد مضي نحو سنة كاملة، مذكرة في أغسطس المنصرم، إلى مدير عام مديرية خور مكسر، يشكو فيها من نفس المشاكل السابقة، مطالباً مخاطبة قائد القطاع الشرقي “بعدم التدخل في أحواض المعالجة وبأي شيء يخص المحطة وعملها”.

كميات مهولة تتدفق للبحر دون معالجة

المهندس مجدي محمد يحيى، نائب مدير إدارة الكهروميكانيك في المؤسسة، تحدث لـ “الشارع” عن كميات مهولة من المياه الملوثة التي تضُخها المديريات المرتبطة بمحطة المعالجة في العريش إلى البحر، ما تسببه من آثار على البيئة البحرية.

ويقول: “إن المديريات المرتبطة بالمحطة تضخ تلك الكميات من مياه الصرف الصحي إلى البحر، بسبب تحطم خطوط النقل لمياه الصرف الصحي إلى أحواض المعالجة بالعريش”.

ويوضح أن مديرية صيرة تضخ يومياً 10.360 متر مكعب من مياه الصرف الصحي، كلها تذهب دون أي معالجة إلى بحر صيرة، وذلك بسبب توقف المضخة الرئيسية عن العمل منذ سنوات، وعدم إمكانية ضخ مياه الصرف الصحي إلى أحواض المعالجة، الأمر الذي أدى إلى ظهور تلوث في شواطئ صيرة، وبدا ذلك ظاهراً للعيان.

وتضخ مديرية المعلا، وفقاً للمهندس يحيى، 25.920 متر مكعب يومياً، ويتم تصريفها إلى

أحد أحواض المعالجة بالعريش جافاً من مياه الصرف الصحي

شواطئ ضحلة في المديرية، فيما مديرية التواهي، يتدفق منها يومياً نحو 9.600 متر مكعب من مياه الصرف الصحي، تصرف دون معالجة إلى المنطقة الواقعة خلف مبنى التلفزيون، متسببة بتلوث مياه البحر.

ويضيف، أن كميات مياه الصرف الصحي المتدفقة من مديريه خورمكسر، والتي تضخ إلى بحر ساحل أبين، تقدر بحوالي 40.400 متر مكعب يومياً، محتلة المرتبة الأولى في تلوث البحر في ساحل أبين.

مكونات المشروع ومآلاته

يتكون المشروع من أربع محطات ضخ رئيسية بكامل تجهيزاتها الكهروميكانيكية، وتبلغ طاقة محطة المعالجة في العريش 70 ألف متر مكعب من المياه العادمة، وتقع على مساحة كيلو متر مربع، وتتضمن قطارتين؛ القطارة الأولى حوض لاهوائي سعته 127000 متر مكعب، وحوض متقلب سعته 193500 متر مكعب، والقطارة الثانية حوض لاهوائي سعته 161000 متر مكعب، وحوض متقلب سعته 195500 متر مكعب، وحالياً لم تعد تلك الأحواض تستقبل أي من هذه الكميات، حيث يتم تصريفها إلى البحر دون معالجة.

وكان الهدف من إنشاء المشروع، الذي تأسس في العام 2002م، تحسين واستبدال أجزاء من شبكة الصرف الصحي القديمة في أربع مديريات من مديريات محافظة عدن، وهي صيرة والتواهي  وخورمكسر والمعلا، إضافة إلى دعم الشبكة بخطوط تجميع جديدة لاستيعاب التوسعات المستقبلية.

ورُبطت شبكة الصرف الصحي المعتمدة على التصريف إلى البحر مباشرة بمنظومة ضخ حديثة، عند تشغيل المحطة في عام 2005م؛ لتصريف المخرجات إلى أحواض المعالجة، التي تم إنشاؤها في منطقة العريش، الواقعة على مسافة 9ِ,5 كم شمال شرقي مطار عدن الدولي.

وكان التوجه العام، حينها، يسير نحو العمل على الاستفادة من ذلك الناتج لأغراض التشجير ومكافحة التصحر، وزارعة أنواع معينة من المنتوجات الزراعية المناسبة للمياه العادمة.

كما يتضمن المشروع بحيرات الأكسدة، التي تأتي ضمن المعالجة البيولوجية، والمتضمنة بحيرات ضحلة تصرف فيها مخلفات مياه الصرف الصحي، وتبقى فيها فترة زمنية تمكنها من امتصاص الأوكسجين الذي تستفيد منه بحيرات الأكسدة.

وكان من ضمن مساحة محطة المعالجة، إنشاء مبنى للتشغيل، ويشتمل على غرف للإدارة

مياه الصرف الصحي تصب في أحد أحواض المملاح (أرشيف)

والمختبر والتدريب، حيث بلغت التكلفة الاجمالية للمشروع خمسة وسبعين مليون مارك ألماني، مقدمة من الحكومة الألمانية الصديقة، وتمثل نسبة خمسة وثمانين بالمائة من أجمالي التكلفة، فيما بقية التكلفة كانت بتمويل حكومي.

ومن خلال الزيارة الميدانية التي نفذتها “الشارع” لأجزاء من مكونات المشروع، يتبين أن كل ذلك أُهدر، وبات جزء كبير من مبانيه خراباً، وذهبت تلك الأموال الضخمة أدراج الرياح، وعاد البحر يستقبل عشرات الآلاف من المترات المكعبة من مياه الصرف الصحي يومياً، وتردم شواطئه بآلاف الأطنان من المخلفات العادمة، متسببة بأكبر كارثة تلوث للبيئة البحرية في مدينة عدن. يقابل ذلك، صمت مريب من المؤسسة المحلية للمياه والصرف الصحي، والسلطة المحلية، ووزارة المياه والبيئة، وجميع الفعاليات السياسية والمدنية في عدن.

 

دراسات بحثية تُحذر

تشير العديد من الدراسات البحثية في مجال التلوث والبيئة، إلى أن تدفق مياه الصرف الصحي غير المعالجة إلى البحر يترتب عليها آثار كارثية تلحقها في البيئة البحرية وما يحيطها.

في إحدى الدراسات تطرقت الباحثة الأكاديمية الكويتية، نورة الجندل، أشارت إليها صحيفة “النبأ” الكويتية في 12/5/2012م، من تأثيرات مياه الصرف الصحي على الأحياء البحرية.

وحذرت الجندل من استمرار تدفق مياه الصرف الصحي إلى مياه البحر، مشيرة إلى أن المكونات الكيميائية التي تحتويها هذه المياه تحدث تغيراً فسيولوجياً على الأسماك بمختلف أنواعها.

وأوضحت، أن المكونات الكيميائية التي تحتويها مياه الصرف الصحي تغير من جنس الأسماك، وتجعلها غير قادرة على التكاثر، وأن هذه الآثار تظهر على المديين القريب والبعيد بشكل خاص، وتهدد الثروة السمكية، وتصل تأثيراتها إلى الإنسان.

وزادت الجندل، أن نحو 70% من الأسماك تغير جنسها من خلال تأثرها بالملوثات الكيميائية بمياه الصرف الصحي، مضيفة أن هذا التغيير بجنس السمك يحدث نتيجة المواد الأستروجينية الناتجة عن الملوثات الطبية بمياه الصرف الصحي.

ولفتت إلى أن مياه الصرف الصحي قاتل خفي للبيئة البحرية، من خلال تغيير جنس الأحياء في البحر، وخاصة الأسماك، مما يهدد وجودها على المدى البعيد.

وقالت، إن “هناك مؤثرات أخرى للمواد الكيميائية التي تحتويها مياه الصرف الصحي، فهذه المكونات تقلل من المناعة، وتغير سلوك الأسماك، وغيرها من الأحياء البحرية، كما أن هذه المواد الكيماوية ذات تراكيز منخفضة قد تساهم في تغيّر فيسولوجيا الأسماك بشكل خاص”.

وأضافت الجندل، أن “دراسة علمية قامت بها المملكة المتحدة والكويت، أثبتت وجود مادة

صوره جويه لاحواض معالجةمياه الصرف الصحي العريش

“إيثانول أسترا ديل” الكيماوية في مياه الصرف الصحي ومادة “بيسفينول A” الكيماوية المستخدمة في صناعة لدائن البلاستيك والمواد الاستهلاكية، ما يتسبب في تعطيل الغدد الصماء المسؤولة عن عمليات النمو والمواصفات الجنسية للكائنات الحية، ما أدى إلى تغيّر جنس بعض الأسماك التي حملت الصفات الذكرية والأنثوية معاً، وذلك نتيجة خلل هرموني”.

وبيّنت أن “تأثيرات هذه المواد تختلف حدة نتائجها من مكان إلى آخر، سواء كانت بالمختبر لإجراء التجارب العلمية أو الأنهار أو البحر، مع وضع عامل التخفيف للتركيز بعين الاعتبار، إضافة إلى نوع الأسماك وحجمها؛ حيث تتميز الكبيرة منها بحمل نسب تراكيز أكبر من المواد الكيماوية، في حين تتميز صغيراتها بحساسيتها”.

وعدّدت الجندل الأسباب العلمية المختلفة التي يمكن أن تسبب ظاهرة نفوق الأسماك، في الكويت، وبشكل عام، في كل بحار العالم، حيث تتمحور حول نقص الأكسجين المذاب في المياه، وتغيّر في درجات الحرارة، وارتفاع نسبة الطحالب والمغذيات في البحر، التي بدروها تستهلك نسباً كبيرة من الأكسجين، والتلوث.

اظهر المزيد

مواد ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق