فنون وثقافة

“الحصاد الأحمر” من الجريمة إلى السياسة.. الرواية العصيّة التي حلم كبار المخرجين بأفلمتها

إبراهيم العريس:

هل اقتبس السينمائي الياباني الكبير فيلمه “يوجامبو” من رواية “الحصاد الأحمر” الأميركية لـ “داشييل هاميت” كما يقول الناقدان الأميركيان فرد كوهلر وماني فاربر، أم أن الصدفة هي ما جعلت الفيلم الياباني شديد الشبه بالرواية الأميركية، كما يؤكد الباحث دونالد ريتشي، الذي يعتبر واحداً من كبار المختصين بسينما الإمبراطور الياباني؟ سجال لم يتوقف منذ عشرات السنين. وكذلك لم تتوقف رغبة كبار المخرجين باقتباس الرواية نفسها، تلك الرواية التي هي واحدة من قلة من روايات بوليسية صنفتها مجلة “تايم” الأميركية بين أهم 100 رواية صدرت في الإنجليزية خلال 80 سنة، وقال عنها الفرنسي أندريه جيد، إنها “إنجاز رائع في مجال أدب القسوة واللؤم والرعب”.

عصية على السينما؟

صحيح أن الرواية، التي صدرت عام 1929، اقتبست مرة عام 1930 في فيلم لم يحقق نجاحاً كبيراً، خصوصاً أن منتجيه اجتزأوا كثيراً من المشاهد الأساسية وألغوا شخصيات وأضافوا أخرى. لكن الملايين من قراء الرواية ظلوا على ظمئهم، وكانت آمالهم تتجدد في كل مرة يعلن فيها سينمائي كبير (من كوبولا إلى برتولوتشي، مروراً بسدني بولاك وريتشارد بروكس…) أنه يتطلع إلى أفلمتها. في النهاية بدا أنها عصية على الأفلمة، واكتفى المعجبون بقراءتها مرات ومرات، متحسرين كيف أنها لم تجد مكانتها إلى جانب روايات أخرى لكاتبها شقت طريقها إلى السينما، ولا سيما منها “الصقر المالطي” التي يعتبر فيلم جون هستون المقتبس عنها واحداً من الأفلام القليلة التي جعلت للأدب البوليسي مكانة محترمة ومتقدمة في السينما العالمية.

تروى الحكاية، كالعادة في معظم نتاجات هذا النوع، على لسان راوٍ هو تحرٍ يعمل لحساب شركة أمن خاصة، يستدعى ذات يوم من قبل ناشر صحيفة محلية في مدينة برسونفيل، يدعى دونالد ويلسون، لكن هذا يقتل قبل وصول التحري، مما يجعل هذا الأخير ينصرف إلى التحقيق في الجريمة، ملتقياً عدداً من الأشخاص ذوي العلاقة، بدءاً من الصناعي المحلي الياهو ويلسون والد الناشر القتيل، الذي سرعان ما يتبين أنه يشعر بأن سلطته القوية على المدينة باتت منذ فترة مهددة من قبل العديد من العصابات المحلية، بيد أن مشكلة الياهو تكمن في أنه كان هو أصلاً من جاء بتلك العصابات إلى المدينة كي تساعده على التصدي لتنامي قوة العمال الذين راحت مطالبهم تتصاعد.

 والآن ها هو الياهو يتعاقد مع الوكالة التي يمثلها التحري لـ “تنظيف” المدينة من رجال العصابات، مقابل مبلغ كبير من المال، لكن الصناعي يتراجع عن تعهده، بعد أن يحل التحري لغز جريمة مقتل الناشر الشاب. وهنا تتعقد الأمور، ولا سيما حين يتشارك التحري في البحث مع الحسناء دينا براند، التي كانت صديقة القتيل، وهي تزود التحري الآن بالعديد من المعلومات التي تكشف تورط الشرطة في الأحداث، ولكن خصوصاً في السطو على أحد البنوك، ما يكشف جملة من ممارسات الفساد التي تبدأ من أعلى مستويات السلطة في المدينة، والتي يبدو لاحقاً، ليس فقط أن الياهو يشكل نقطة المركز فيها، بل كذلك أن ابنه القتيل إنما كان يستعد لنشر العديد من الوثائق الكاشفة حين يُجهز عليه.

من الواضح هنا أننا، حتى وإن كنا أمام رواية بوليسية، فإننا أيضاً أمام نص سياسي من نوع كان يعيش بداياته في ذلك الحين، وكان كاتب الرواية داشييل هاميت من أبرز كتابه.

بين الجريمة والسياسة

كان داشييل هاميت، بالفعل، واحداً من اثنين أو ثلاثة من كتاب الأدب البوليسي الأميركي، عرفوا كيف يقفزون بهذا النوع من الكتابة من حيز الكتابة الشعبية الرخيصة والقائمة، فقط، على مبدأ الترفيه، إلى حيز الكتابة الجادة، التي تتخذ لها مكانة محترمة في عالم الأدب الرفيع، بل عالم الفضح السياسي، من هنا، لم يكن من الصدفة أن يكون واحداً من قلة من كتاب الرواية البوليسية، خاضت النضال السياسي إلى جانب القوى اليسارية الأميركية، ما فتح عليه عيون لجنة ماكارثي وجعله في فـترة من الفترات عرضة للاضطهاد أسوة بزوجته، في ذلك الحين، الكاتبة ليليان هـيلمان، التي روت جزءاً من حكايتهما في رواية اقتبس منها فيلم “جوليا” لفرد زينمان، قبل عقود من السنين.

ارتبط اسم داشييل هاميت، على الأقل، بثلاث أو أربع من أهم الروايات البوليسية التي أنتجها الأدب الأميركي، كما أن السينما اقتبست من نصوصه أفلاماً عدة تعتبر اليوم من الكلاسيكيات في مجالها، إضافة إلى أن الأبرز بين رواياته، “الحصاد الأحمر” تعتبر الرواية التي لا تكف الشاشة عن أن تحلم باقتباسها كما أشرنا.

هاميت تحر سابق

ولد داشييل هاميت الذي رحل عن عالمنا عام 1961، وهو في قمة مجده الأدبي، عام 1894 في ولاية ميريلاند الأميركية، وتلقى علومه في بالتيمور وفيلادلفيا، ليترك الدراسة وهو في 14 من عمره، حيث وكما هي عادة كبار الكتاب الأميركيين العصاميين، مارس العديد من المهن، كساعٍ وموظف وحمال، وانتهى به الأمر في تلك الحقبة للعمل كتحر خاص في وكالة بنكرتون، وهي المرحلة التي زودته ببعض أهم مواضيع رواياته المقبلة، خاض هاميت الحرب العالمية الأولى وعاد منها مريضاً، وأمضى فترة طويلة في العديد من المستشفيات العسكرية قبل أن يستعيد نشاطه المهني، وتحديداً ككاتب للقصص والروايات البوليسية، وسرعان ما بدأ ينجح وينظر إليه بوصفه معلماً من المعلمين في ذلك المضمار، وكانت ثلاثة أو أربعة كتب كافية لتأتيه بالشهرة والثروة والمكانة، وفي مقدمها روايته الكبيرة الأولى “الحصاد الأحمر” (1928)، ثم “دم فاسد” (1929). وخلال السنوات السبع التالية أصدر هاميت روائعه بصورة متتالية: “الصقر المالطي”، و”المفتاح الزجاجي”، و”الرجل النـحيل”.

وحين حلت الحرب العالمية الثانية، كان داشييل هاميت في الـ48 من عمره، لكن تقدمه في السن لم يمنعه من أن يخوض الحرب مجدداً، ولو كمساهمة منه في محاربة النازية، وهو الذي كان في ذلك الحين قد اكتشف الأفكار التقدمية وبدأ يؤمن بها، بشكل انعكس على بعض رواياته وقصصه القصيرة، مما جعل البعد الاجتماعي يطغى في تلك الكتابات على البعد البوليسي أو، حتى، السيكولوجي الذي ميز أعماله على الدوام.

الكاتب في السجن

في عام 1951 وإبان اشتداد حملة السيناتور ماكارثي ضد جميع التقدميين واليساريين الأميركيين، وهي الحملة التي استهدفت، في الحقيقة، القوى الروزفلتية كافة تحت ستار محاربة الشيوعية، وضع داشييل هاميت في السجن لمجرد أنه، مبدئياً، رفض التصريح أمام اللجنة الماكارثية بأسماء الأعضاء المتبرعين في “مجلس التعاضد من أجل الحقوق المدنية”، غير أنه سرعان ما خرج من السجن وقد ازدادت مكانته لدى القراء وراحت كتبه تترجم إلى العديد من اللغات، وتتحول إلى أفلام ناجحة. وخلال 31 عاماً، هي النصف الثاني من عمره، عاش داشييل هاميت مع ليليان هيلمان، الكاتبة الروائية والمسرحية اليسارية المعروفة، وعلى الرغم من أن كتبه تنشر، وفي مختلف اللغات، ضمن سلاسل الكتب البوليسية، فإنه هو شخصياً يعتبر مؤلفاً مرموقاً من مؤلفي الأدب الرفيع، إذ وراء الحبكات البوليسية المبتكرة التي تشكل محور رواياته وقصصه، ترى الباحثة جانين بارو أن داشييل هاميت قد عرف كيف يرسم صورة دقيقة وقاسية لأميركا ما بين الحربين الأولى والثانية، أميركا التي تفاقم البؤس فيها لا سيما خلال المرحلة التي منعت فيها الكحول، وأميركا التي انحدرت فيها الأخلاق، وبات فيها كل شيء مرتبطاً بعالم العصابات، المرتبط بدوره بالصفقات المالية الكبيرة.

من هنا تبدو روايات هاميت وكأنها صورة للصراع العنيف والقاتل في سبيل السلطة والثروة، ناهيك عن أن أسلوب هاميت، لا سيما في الحوارات، يعكس لغة الشارع ونبض الحياة. ولقـد حياه زميله ومنافسه الرئيس ريمون تشاندلر ذات يوم بقوله: “لقد نجح داشييل دائماً في الأمر الذي لا ينجح فيه عادة إلا كبار الكتاب، نجح في كتابة فصول ومشاهد تحس وأنت تقرأها أن أحداً لم يعرف كيف يكتبها من قبل”.

*نشر في إندبندنت عربية.
اظهر المزيد

مواد ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق