مقالات رأي

أصيل ندبة الذاكرة

من “عمر باطويل”، إلى “أمجد عبدالرحمن”، إلى “لؤي صدام”، إلى “أصيل الجبزي”، إلى “عبدالله الأغبري”.. الجريمة واحدة، وإن اختلف القاتل وأسلوب القتل، والمرجع واحد، وإن اختلفت المذاهب، لكن تبقى جريمة أصيل، هي الأبشع على الإطلاق، جريمة بشعة بكل المقاييس، مع أن الجريمة بمضمونها ومعناها، إي كانت تبقى شيئا منافيا لكل القوانين الطبيعية والفطرة البشرية.

لماذا جريمة ذبح أصيل الأبشع بنظري؟، لأنه أولاً قُتِلَ بطريقة “داعش”، بينما كل من (عمر وأمجد ولؤي) تم تصفيتهم بيد أو بطريقة تنظيم القاعدة، مع أن قاتلهم هو متطرف ينتمي، بشكل أو بآخر، لهذا التنظيم الإجرامي، بينما أصيل ذُبِحَ على طريقة “داعش”. وأقول “داعش” لأن أساليب “داعش” في التعذيب والقتل أكثر دراماتيكية من تنظيم القاعدة، والتي يتعمد أن يترك رعب وهلع لدى الناس بعد كل جريمة يرتكبها، لأن قوة “داعش” تأتي من إثارة الرعب في نفوس الناس، وهذا ما ظهر على جسد أصيل، بعد أن وجد مرمياً في أحد مجاري المياه.. تم تعذيبه بطريقة وحشية أكثر من عبدالله الأغبري، وربما عدد المعذبين أكثر، لكن لا كاميرا توثق ذلك، تم بتر أصابع يده، وهي طريقة أيضاً تستخدمها بعض أجهزة الأمن القمعية أثناء التحقيق لانتزاع الأقوال من المتهمين، مع قطع لسانه و ذبحه، إضافة إلى بتر عضوه الذكري، ولا أعلم ماذا كان يدور في لاوعي مرتكب الجريمة، ولكن هناك عنفا مكبوتا وجذورا عميقة تربطه بهذا الشيء، وإلا ما الذي سيستفيد من بتر عضو أصيل؟، ولماذا شعر بالانتصار الذاتي وقتها، عندما قام بهكذا إجرام؟!.

 جريمة ذبح أصيل وقتله بتلك الطريقة الشنعاء، فقط لأنه ابن رئيس عمليات اللواء 35 مدرع، هذا ما جعل الجريمة أكثر بشاعة، ذُبِحَ لأنه “ابن فلان”، و كأن الانتماء للأب في الاسم فقط، جرم يجب المعاقبة عليه بتلك الطريقة، بينما أصيل لا علاقة مكانية له بعمل أبيه أو حتى انتمائه الإيديولوجي، أصيل كان ينتمي فقط لكتب الطب الذي كان يدرسها.

إذاً لماذا جريمة عبدالله الأغبري أخذت صدى أوسع من جريمة ذبح أصيل؟ وأنا هنا لا أقول بأن جريمة عبدالله جريمة عادية مطلقاً، أو لا يجب أن تأخذ كل هذا الصدى من الاهتمام.. لا، أنا أقصد فقط جريمة عبدالله وثقتها كاميرا منذ بداية التعذيب حتى الموت، وهذا ما جعلها تأخذ كل هذا الصدى، لأنها حدثت أمام أعين المشاهد، بينما جريمة أصيل لا كاميرا توثقها، ولأن اللاوعي يحكم السلوك البشري بدرجة أكبر مما يتوقعها الناس، لذلك جميعنا عندما سمعنا بقضية أصيل لم نتحرك أو نستنكر مثل ما تحركنا وأدنا ما حدث لـ عبدالله الأغبري، لأن عقلنا الباطن رفض تصديق أن كل تلك الجريمة البشعة حدثت لـ (أصيل)، لذلك جميعنا حشد في عقله مبررات منطقية، ربما لأجل ألّا يصاب بصدمة التصديق بأن هذا يحدث حقاً في مناطقنا، ونحن من يدعي المثالية، وأنه مهما حدث لن نصل إلى تلك البشاعة في الجريمة، بينما في قضية الأغبري لا مجال للمغالطات على العقل الباطن، ولا يوجد أي مبرر لحشد تلك المغالطات التي حشدنها في جريمة أصيل، هنا كاميرا تظهر كل شيء.

ختاماً؛ هناك أغبري آخر، في كل السجون على هذه الأرض، وليس في سجون الحوثي أو الإخوان؛ هناك أغبري يتعذب حتى الموت في كل المعتقلات النظامية والخارجة عن القانون، لكن لا كاميرات توثق عذابهم، فكونوا سنداً لهم.

اظهر المزيد

مواد ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق