مقالات رأي

قصة وفاة 3 أشخاص اختناقاً داخل بئر في ذمار

ثلاثة شهداء من الشباب الأبطال، أبناء قرية عَرَام، في ذمار، شَيَّعنا جثامينهم الطاهرة اليوم (الجمعة 18 سبتمبر)، لم يستشهدوا في جبهة حرب هذا الطرف أو ذاك، لكنهم استشهدوا من أجل انقاذ بعضهم البعض من الغرق.

إنها قصة بطولية، محل اعتزاز وفخر، يصدرها أبناء القرية، حيث بادر الجميع بحياته لينقذ الآخرين من الغرق دون تردد، فنال بعضهم الشهادة، وأصيب الآخرون إصابات بالغة.

عفواً، وقبل أن أنقلكم إلى تفاصيل القصة، أرجو أن تعذروني لعدم وجود صور حية من ميدان الحادثة أثناء وقوعها، فرغم حضور القرية بأكملها، وتوافدها إلى مكان حادثة الغرق، إلا أن لا أحد منهم انشغل بالتصوير، الجميع عينه نحو الغرقى، وأيديهم وأرواحهم تنتظر الدور، لا وقت للتصوير .. فالحقيقة ليست إلا ما تبقى في القلب.. إلى تفاصيل القصة.

كعادته كل يوم، نزل الشاب مصعب العرامي، على سلم البئر اليدوية، لينظف حول رأس شفط الماء، لكنه لم يكن يعلم أن خللاً ما قد حدث وأدى إلى تسرب دخان الماطور عبر شبكة الشفط إلى الأسفل، وحول قعر البئر برغم أنه ليس عميقاً (19مترا) إلى فراغ بلا أكسجين، لهذا سقط مصعب مغمياً عليه، قبل وصوله بدرجات إلى قاع البئر ولم يستطع الوقوف والعودة، رغم أن الماء أسفل البئر ليس أرفع من قامته، طالما وماطور البئر يشتغل.

لاحظ صديقه “عيبان” السقوط والإغماء، فقرر دون تردد النزول لإنقاذ صديقه، ولكنه بدأ يشعر بالاختناق، وزادت المشكلة بأن توقف الماطور عن العمل، فعاد بالكاد ليعيد تشغيله كي يستمر في شفط الماء حتى ما يغمر صديقه، وبدأ يصيح مستنجداً بمن سيسمعه، كان الوقت عصراً وقت “التخزين”، لكن “سعيد” أتى ملبياً وكان أول الحاضرين، لم يفكر سعيد في خطورة المجازفة، أو يتذكر أنه أباً لطفل ليس له في الحياة سواه، دون تردد نزل “سعيد” إلى البئر، لأنه يعلم أن التأخر دقائق ستجعل مصعب يفارق الحياة اختناقاً وغرقاً معا، نزل “سعيد” فسقط بنفس الطريقة وصار بجوار مصعب ومثله، يحتاج لمن ينقذ حياته.

حينها، كان أحمد مسعد أحمد العرامي (40 عاماً) قد وصل إلى المكان، وعلم بحالة مصعب، فعاش وشاهد لحظة سقوط “سعيد”، بادر أحمد للقيام بعملية الإنقاذ، لم يفكر في خطورة المبادرة على حياته، ولم يتذكر أنه أباً لخمسة أطفال، يعيشون على وجوده، ولم ير سوى أن شخصين أمامه على فوهة الموت حتما، لو لم ينقذهما، فبذل نفسه ونزل ووقع بنفس الطريقة، وصار الثلاثة في قاع البئر، لم يغمرهم الماء حتى اللحظة، ولكنهم في حالة اختناق.

وصل أفراد آخرون إلى المكان، بينهم عبدالله عبده ناصر العرامي، الذي أراد أن يبادر للقيام بعملية الإنقاذ، بنفس الطريقة، أراد أن يحاول، لكن شخصاً ما كان قد أحضر معه حبل، فربط عبدالله نفسه بالحبل ونزل مسرعاً، فحدث له نفس الخطر، دخل بنفس حالة الاختناق والإغماء، لكن ولأنه مربوط بالحبل، ورغم انه لم يستنجد بمن في الأعلى، ولم يصرخ طالباً رفعه، إلا أن من في الأعلى أدركوا حالته وبدأوا برفعه، وبصعوبة جداً جداً وبإنزال شخص آخر ليساعدهم في رفع عبدالله، تم رفعه، ولكنه جثة هامدة، فتم إسعافه، على أمل أن يتم إنعاشه ويستفيق.

احتشد الخلق، من أطراف الوادي ومن القرية، وتفهم الجميع خطورة الموقف، وبدوا مرتبكين بترتيب خطط للتعامل مع الموقف، ولكن الذي لم يكن في الحسبان حدث.. توقف الماطور تماماً عن العمل بسبب خلل في المراوح والأميال أسفل، فادرك الجميع أن البئر ستفيض وتغمر الثلاثة بالماء، ويفقد أمل إنقاذ حياتهم، فإلى الاختناق والإغماء سيضاف الغرق.

 فبدأ الكل يبادر بحياته ليحاول.. وبدأوا بإنزال عاصم علي، وهزام، وخليفة، وجبر، على التوالي تباعاً، ولكن جميعهم حدث لهم نفس ما حدث لعبدالله؛ اختناق وإغماء وفقدان القدرة حتى على الهمس.

لم ييئس الجميع أو يخشوا الموت، فجأة أبى “مطهر عبدالوهاب الوشلي” إلا أن يكون هو النازل القادم إلى البئر، فأعلن على الجميع الشهادة ونزل، وبيده سيخ حديد، فحالفه الحظ سريعاً واستطاع أن يمسك بملابس “سعيد” ويمسك به ويطوقه بالحبل، وبرغم أنه لم يستطع الهمس، إلا أنه نجح وتم رفعه.. رَفع “سعيد”، وهو في حالة إغماء، لكنه يتنفس ويتحرك، وقلبه ينبض وعلى قيد الحياة، لكنه بحالة حرجة جداً.

تشجع الحاضرون وتحمسوا، لأنهم شاهدوا أن هناك أملاً كبيراً أن يعيش “سعيد”، فتقدم بالمبادرة بحياته وليد يحيى مبخوت العرامي، ومحمد عبدالله يحيى مهدي العرامي، ونجحا أيضاً في انتشال “أحمد”، و”مصعب” من البئر، تم إنعاش “أحمد” كإسعاف أولي، فاصدر نفساً، لكن به ضربة برأسه ونزيف دم.

 تم إسعاف كل واحد منهم فور إخراجه من البئر، بعد أن بذل الأبطال حياتهم في الإنقاذ، إلا أن القرية تفتقر لمركز صحي متطور، والمدينة بعيدة جداً، ففارق الثلاثة الحياة، قبل أن تنتهي مسافة الإسعاف بين القرية وأول مستشفى بالمدينة.

رحم الله الشهداء الثلاثة الذين قضوا نحبهم (مصعب, سعيد، أحمد)، وأدام الله بالصحة وأطال الله أعمار الشهداء الأحياء، الذين بذلوا حياتهم لإنقاذ إخوانهم، ولكنهم لازالوا بيننا..

اظهر المزيد

مواد ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق