مقالات رأي

تفاصيل اللقاء بالرئيس الغشمي في منزله

عن عبدالوارث عبدالكريم والرئيس الغشمي (6)

أعود إلى الجلسة السرية الخاصة التي جمعتي بالرئيس الغشمي في منزله، ومفاجآتها السرية. قال الرئيس: “يا أخ يحيى أنا با أكون صريح معك وصادق، ولا أريد أحد يعرف ما يدور بيننا، وعهد الله بيننا من أي خديعة أو خيانة حتى نبني دولة القبايل لمائتين سنة.. أنت من جانبك وأنا من جانبي”. وتوقف لحظة يبحث عن شيء وضغط مفتاح الجرس، وأطل الآنسي. قال له: “اعطني الدفتر الصغير”، وفتح صفحات من الدفتر. فقلت له: “وأنا من جانبي ما الذي أقدر عليه؟”. قال: “عليك مهمات كبيرة؛ أولاً أريدك تمسك الجبهة القومية من رقبتها هكذا (وأشار بيده إلى رقبة الكوت ورفعه عن الرقبة)، وأنا أمسك الشمال، ونلتقي على بناء دولة قبلية وطنية قوية تقود اليمن الواحد الموحد، وسيكون دورك مهماً في مسك الجنوب والجنوبيين عندما تمسك الجبهة القومية أنت بنفسك”.

أصابني الذهول، وطار عقلي في كل اتجاه، وصرت في “حِيْص بِيْص”؛ ماذا أقول؟! ما هو الرد؟! أنا فين، والرئيس فين؟! وبسرعة البرق تذكرت نصيحة عبدالوارث (تصرف برباطة جأش ولا تخرج منك الكلمات إلا محسوبة ورصينة وهادئة). قلت له: “يا فخامة الرئيس هذا الموضوع مهم وخطير، ويحتاج إلى تفكير وتدبير، فأرجو أن تترك لي فرصة لأرتب عقلي وفكري، فقد أخذتني المفاجأة في كل منعطف مع احترامي الكامل للثقة الغالية التي منحتها لي بهذا الكلام”. قال: “طبعاً خذ راحتك وفكّر بالأمور، وكيف، وما هي البداية والإمكانيات”. وأضاف: “ما رأيك خذ لك أسبوع، واذهب إلى إب، وسافر البلاد، واطمئن على كل أمورك، وتعود إليَّ، وخذ الرقم الخاص من الآنسي”. قلت له: “هذا عين الصواب”. ثم أضاف الرئيس، بعد أن قَلَّب بالدفتر صفحات قليلة: “عندي أسئلة ما أحد يعرف يجوب عليها بصدق إلا أنت”، فقلت له: “تفضل تحت أمرك”. قال: “متى عرفت الجبهة القومية؟!، قلت: “من يوم ما تشكلت، وانطلاق الكفاح المسلح في ردفان في أكتوبر 1963”. قال الرئيس: “أنا أعرف يوم تشكلت في صنعاء في وزارة الإعلام، وكنت مجند، وأمرونا، أنا ومحسن سريع والقاضي من بني حشيش وآخرين، نحرس الاجتماع في باب الوزارة، وعرفنا قحطان الشعبي، وكان كبير المجتمعين، وسمعنا أن هؤلاء با يحرروا الجنوب من بريطانيا التي تحارب ثورتنا”. قلت له: “أنا عرفتهم شخصياً في إب في بيت مطيع دماج (كان محافظ إب)”. قال: “خلاص قد جزعوه (قحطان). الآن اخبرني عن معرفتك بالذي يحكمون”، وذكر أسماء سالمين، وعبدالفتاح، وعلي ناصر، ومحسن الشرجبي، وعلي عنتر، وصالح مصلح، وآخرين. واستمر يسرد أسماء من الجبهة القومية حق الشمال، وأضاف: “هؤلاء يسمون أنفسهم الجبهة الوطنية، وأخطرهم الهُمَزة، وجار الله عمر، وسلطان أحمد عمر، أريد منك توضح لي عنهم في لقاءنا القادم”. وعاد مرة أخرى ليقول: “شوف، عبدالفتاح هذا خطير، وهو ذي يعلمهم الفلسفة والشيوعية حق الروس والصين وكوبا، وسالمين زعلان على صاحبه الحمدي، إنما عليك إقناعه أني با أكون معه أحسن من الحمدي، وهو قبيلي من أبين”. وأضاف: “كيف تعرفت عليهم كلهم؟!”. قُلتُ له: “من جِبلة، كانوا يترددون على جِبلة أيام الكفاح المسلح، وبعد الاستقلال.. لما اختلفوا مع قحطان جلسوا عندنا، بعضهم في بيتنا، وآخرين في بيت عبدالله الوصابي، وبعضهم في النَّقِيلِين في بيت دماج”. قال: “من جلس في بيتكم؟”. قُلتُ له: “سالم ربيع علي، وعادل خليفة، وعبدالله الخامري، وآخرين من الضالع”. قال: “إذاً علاقتك بسالمين جيدة”. قُلتُ له: “نعم، وبالآخرين”، فقال: “جهز نفسك للقاء القادم”.

وخرجت دون المرور على الديوان تبع الآنسي. وكما ذكرت سابقاً، كُنتُ قد طلعت سيارة أحمد منصور، والذي بدا السرور والفرحة على وجهه. ووصلنا منزل أحمد قاسم دماج، وكان موجوداً الوصابي وبهران، وبدأت أخزن لأني لم أتعاطَ القات من أجل لقاء الرئيس. عَرَفَت نورية أختي بوصولي، وسلمت عليَّ وهي تضحك من شدة الفرحة، والدموع تنهمر من عينيها مثل المطر، وأضافت: “هؤلاء الجماعة قد أدو لي الجنان، أعيُوك [تعبت] أطمنهم.. حلفت لهم أنك راجع سالم غانم”. وبدأنا الحديث. قال عبدالحفيظ بهران: “سأذهب لأخبر عبدالوارث، قد بعث برسول بعد رسول يسأل عن المصير”.

وصل عبدالوارث مع عبدالحفيظ، وقال: “الحمد لله، لقد تنفست الصعداء”، وأضاف: “يا أمان الخائفين.. أيش من بلاد، وأيش من رئيس، وأيش من جنان، إلى متى بلادنا ستظل رهينة الخوف والفجائع هكذا؟!”.

شرحت لهم دون أن أفصح عن الأمور الخاصة التي قال الرئيس تظل بيني وبينه، ومن وجهة نظري حتى أنزل وأرتب الأمور، وأعود إلى صنعاء، واتخذت قراراً أن لا أحدث أحداً إلا عبدالوارث ومحمد سالم الشيباني وعبد الحميد حنيبر، وقناعتي ليس بالضرورة أن تعرف قيادة منظمة صنعاء كلها [منظمة الحزب الديمقراطي في صنعاء] وغيرها بما جرى بيني وبين الرئيس، حتى لا تتسرب وتخرج عن النطاق المحدود، أضف إلى ذلك أن ما يريده الرئيس لم نستكمل الحديث حوله، فالوقت في تلك الليلة العاصفة كان متوتراً للغاية أثناء الحديث والدهشة من وقع المفاجأة باستقبال الرئيس والمواضيع الخطيرة التي حدثني بها، ثم استعجالي على حل مشاكل المنطقة، ورفع الحملة العسكرية، وإطلاق السجناء من خلال الأمر الرئاسي الذي صار بجيبي. بمعنى لم أكن متأكداً أني سأخرج من اللقاء، وأنزل إب، وأتحرك بحرية، فالحالة النفسية والعصبية والذهنية كانت تسبح في آفاق شتى، ولهذا حاولت أوحي للرئيس أن لقاءنا اليوم فاتحة فقط، ولقاءاتنا القادمة سوف تتوسع وتطول، كما يرغب الرئيس، وما كان عالقاً في رأسي هو أن ردودي الواضحة ستأتي بعد استشارة قيادة الحزب.

أعود إلى منزل أحمد قاسم وجلستنا. كان أكثر الحضور مسرورين بسلامتي، ومتفاجئين بصيغة الأمر الرئاسي إلى مسؤولي إب، ليس الإشارة إلى رفع الحملة العسكرية وإطلاق السجناء، إنما العبارة الواردة في الأمر التي تقول (بأن أي قضايا أمنية أو عسكرية أو اجتماعية على الشيخ يحيى منصور أبو أصبع أحيلوها على الرئيس، ولا تتدخلوا فيها إلا من باب العلم). كان عبدالحفيظ يضحك حتى يتمدد على الأرض، والوصابي يُعَلِّق قائلاً لي: “اذهب، واقتل من تريد، واعمل كل “العبيطريات”، وادخل مراكز الدولة دون خوف. يا إلهي أين وصلنا!”. صاح عبدالحفيظ: “أين زيد مطيع، يجي يكتب قصة، أو رواية أحسن من طاهش الحوبان عن الفنطسية التي معنا”.

في هذه اللحظة وصل زيد، وبعد قليل جاء عبدالرحمن عزالدين وأخبرني أنه قد صور الأمر عشرات الصور وأرسلها شرقاً وغرباً، وهذا عمل متسرع قبل وصول الأمر إلى إب. عَلَّق زيد مطيع، بعد أن قرأ الأمر الرئاسي: “هذا نصر للأخ يحيى والمنطقة، إنما أن يصور الأمر ويوزع قبل وصوله للمسؤولين فهذا غلط وحماقة.. إذا تسرب الأمر للاستخبارات، وأبلغوا الرئيس فلا نعرف ردة فعله”. قال عبدالوارث: “هذا عمل متهور مدفوعاً بالفشرة، والهنجمة، وحسن النية، ولذلك اقترح أن يتحرك الأخ يحيى فوراً بحيث يقابل المسؤولين في إب من بدري، وحتى قبل الدوام، وبالتالي نبطل مفعول أي ردود سلبية في هذا الموضوع، وعند عودته سوف نناقش موضوعات الرئيس والأخ يحيى”.

تحركنا إب على سيارة الأخ علي قاسم علي البود، الذي كان قد وصل مغرب ذلك اليوم مرسل من عمي عبدالواحد أبو أصبع وقيادة المنطقة الذين هم في حالة قلق، وهم يحسبون الدقائق والساعات بحساب السنين لتقديراتهم أن من دخل صنعاء أكلته الكلاب. وقال علي قاسم إن “لقاءاتهم في أحد المنازل في عرض “جبل التَّعْكَر” ضم عدداً كبيراً من قيادة المنطقة، بحضور عبدالواحد أبو أصبع، ونعمان علي العفيف، وعبده غالب سلام، ومحمد عبده علي، وعبده سعيد إسماعيل (الأشبط)، ولم يحضر الآخرون حتى لا نضع البيض في سلة واحدة”. وأضاف علي قاسم، أنه “لو جرى مكروه ليحيى منصور فإن منظمة جيش الشعب الثوري التابعة للحزب الديمقراطي ستُفَجِّر الوضع برمته، بما في ذلك مدينة إب”.

وصلنا “السَّحُول”، خارج مدينة إب، قبل الفجر. اتفقنا أن ننام قليلاً، لأن يومنا سيكون مليئاً باللقاءات، والاستقبالات، والضجة ستكون هائلة على كل المستويات. أي رفع الحملة وإطلاق المساجين مجاناً، ووصول يحيى منصور إلى مدينته ويستقبله المسؤولون الذين قد اتخذوا قرارات باعتقاله أو قتله كمخرب وشيوعي وعميل للجنوب. لم يترك لنا علي قاسم فرصة للنوم وهو المعروف بـ “الفرفشة”، والنكات، وزاد معه محسن عبده حسن لا يكفان عن الضحك والنكات على كل شيء. طردتهم من السيارة، وذهبوا بعيداً بحيث لا أسمعهم، وفعلاً حصلت على ساعتين من النوم.

أصبحت وأنا بكامل طاقتي وهدوئي. أخذنا عبدالرحمن عزالدين إلى منزل عبدالله البشيري، قائد محافظة إب، ومنزله كان في “المنظر” بمدينة إب. اِطَّلَع على أمر رئيس الجمهورية. اِرتاح وضحك، ودعاني للفطور. اعتذرت له، وقُلتُ له: “من الأفضل أن نقابلك في مركز القيادة، في مكتبك”، وفعلاً قابلنا في مكتبه الساعة الثامنة، وعنده عدد من ضباط الجيش، بعضهم رفاق أعزاء أمثال محمد عزيز البرح، وعبدالله محرم، وكنت مسؤولاً عنهم حزبياً، إلا عبدالله البشيري، قائد إب، فكان في حزب الطليعة الشعبية، الذي انفصل عن حزب البعث، وأصبح مع بقية فصائل اليسار جزءاً من الحزب الاشتراكي اليمني في مارس 1979، وهو صديق ورفيق لعبدالرحمن عزالدين.

رَحَّب عبدالله البشيري بتوجيهات الرئيس، ووجه السكرتارية بصياغة أوامر رفع الحملة وإطلاق المساجين، من أجل يوَقِّع عليها المحافظ وهو، باعتبار الأمر الرئاسي موجهاً لهما معاً، وودعني بعد أن اتصل إلى المحافظ، وقال إن المحافظ ما زال في بيته لا يرد. قُلتُ له: “سوف أمر على مدير أمن إب، محمد قايد العنسي، وهو قريب من الحركة الوطنية، ومتأثر بإبراهيم الحمدي. وصلت إدارة الأمن، فهَبَّ الضباط من كل جهة للسلام عليَّ لأنهم قد اطلعوا على أمر رئيس الجمهورية، وإلا ما كان أحد ليجرؤ على السلام عليَّ لأنني مطلوب حياً أو ميتاً، وهذه الملاحظة قالها الرفيق العزيز محمد علي طه النزيلي، أطال الله في عمره، وكان في حينه مسؤول القطاع العسكري للحزب في مدينة إب، وهو شخص مثقف ومطلع ومتابع ومن أفضل الرجال وطنية ونزاهة وكفاءة.

بعد برهة من الوقت، وأنا في مكتب مدير الأمن، الذي لم يكن موجوداً، وقِيل إنه في تعز.. واستقبلني نائبه ابن عبدالمغني بحفاوة زائدة عن اللزوم، وفجأة تغير الموقف وتغيرت ملامح وجهه، ومعه عدد من ضباط الأمن، وكلهم معروفين، وأخذني على جنب، وقال”: صدرت تعليمات من محافظ إب بإلقاء القبض عليك وإيداعك الزنزانة”. قُلتُ له: “عادي جداً خذ هذه جنبيتي، وهذا مسدسي، وقودني إلى الزنزانة”. شكرني، وقال: “ستبقى في هذا المكتب حتى عودة مدير أمن إب، سيعود من تعز هذا اليوم”. وأضاف: “نبهت المحافظ إلى أمر الرئيس، فلم يسمع أو يتراجع، بل أكد على وضع الحراسات المشددة والكثيرة، والاستعانة بالجيش والشرطة العسكرية، لأن أصحابك يمكن يهجموا على الحبس ويطلقون سراحك بالقوة”. حدث انزعاج وربكه وبلبلة لها أول وليس لها آخر، وهناك من يقول إن الرئيس الغشمي هو من أمر مسؤولي إب باعتقالي. والإخوان في صنعاء وقعوا في “حِيص بيص”، ومنظمة الحزب، وكل الوطنيين والطيبين، استعدوا لتظاهرة، وكنت أخشى من تسرع الرفاق في “الرَّبَادِي” و”جِبلة”. طلبت من علي قاسم التحرك، ويقول لهم إن في الموضوع سوء فهم، وينتظروا دون عمل شيء وستتجلى الأمور بسرعة.

يتبع..

اظهر المزيد

مواد ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق