مقالات رأي

وطن هلامي

مؤلم أن تسقط البلاد في الهاوية، لكن الأكثر إيلاماً أن تسقط كل الشعارات والمفاهيم الأزلية التي يؤمن بها البشر كحبّ الوطن والثورة والمقاومة والوحدة والحق والشرف والنزاهة والضمير وغيرها من المفاهيم.

كيف لأستاذ التربية الوطنية أن يقف أمام طلابه يحدثهم عن حب الأوطان..! وهو عندما يتحدث أحدهم عن خدمة الوطن والتضحية من أجله يسارع إلى تحسس محفظته وخريطة الوطن.

وكيف لأستاذ الجغرافيا أن يعلّم الأطفال الموقع الجغرافي لوطنٍ واحد لم يعد موجوداً حتى في العالم الافتراضي! فتلاميذه وأهاليهم يعانون من مرارة التنقل بين المحافظات، ويواجهون واقعاً فيه عملة من المفروض تكون عملة واحدة ويجدها بقيمتين مختلفتين تزيد من معاناتهم..!

وكيف لأستاذ التاريخ أن يكون متيقناً من وصف الأبطال بأنهم أبطال، والثوار ثوار، والصالحون صالحون فعلاً!

فالحقائق تزور أمام أعين الجميع، فكيف بوقائع التاريخ التي كتبها المنتصرون!

وكيف سنؤمن بقيمة الكلمة والأقلام تباع وتشترى أمام جماهير تتقبل أي شيء مادام مع وجهة نظرها، بغض النظر عن واقع الحال وما جرى فعلاً.

كيف سنؤمن بقيمة العائلة وهي تنجب أولاداً لا يستطيعون أن يقدموا لهم حياة كريمة، فلا يجد هؤلاء الشباب وسيلة لربح المال إلا أن يكونوا وقوداً لحرب لا ناقة لهم فيها ولا جمل، ولكنهم اعتبروها مصدراً لتوفير المال!

تلك الفجوة بين الشعار والواقع لن يملأها إلا وعي الأفراد، فالوعي يقلل من الخسائر، ويعجل بدفع عجلة التغيير إلى الأمام، ويقود التطور والتقدم.. فالتغيير بدون وعي هرولة سريعة للخلف حيث تدفن الأحلام والآمال، ويصبح الوطن سجناً كبيراً لا يبتسم فيه المواطن إلا في صورة جواز السفر حينما يشعر بأنه وسيلته للهروب من مقبرة الأحياء الجماعية التي تسمى وطن.

اظهر المزيد

مواد ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق