مقالات رأي

أحداث قوات المظلات بقيادة عبدالله عبد العالم في تعز

شهادتي عن عبدالوارث عبدالكريم والرئيس الغشمي (11)

بعد مغادرة محمد سالم الشيباني صنعاء إلى “الحُجَرِيِّة”، أصدرت قيادة منظمة الحزب الديمقراطي الثوري في صنعاء، قراراً بأن يَحِلّ يحيى منصور أبو أُصبع محل محمد الشيباني في تولي العمل السياسي.

وجاءت الأخبار الأولية من تعز، أن كبار وجهاء تعز وتجارها ومشايخها قد اتجهوا إلى مدينة التُربة [مركز الحُجَرِيِّة] لمتابعة مساعيهم التي بدأت في صنعاء، وحرصهم على الحلول السلمية بأي ثمن؛ [بين النظام الحاكم بقيادة الرئيس أحمد الغشمي، وقوات المظلات بقيادة عبدالله عبدالعالم].

وتتسارع الأحداث، والسلطة تتابع عن كثب الوضع في “التُربَة”، وتنشر الشائعات والتلفيقات والتهويلات طوال الوقت، وهي مدركة أن حصر المظلات في الزاوية هناك في “الحُجَرِيِّة”، ومنعها من الوقت الذي تقدر من خلاله استرداد أنفاسها وترتيب أوضاعها، والدفع بأحداث حالات الارتباك والفوضى، ودفعها لاتخاذ قرارات مرتجلة وفردية وفئوية.

فجأة، وأنا في منزل الأخ عبدالقادر هاشم، ممثل حزب العمل، وصل عبدالوارث عبدالكريم، وأبلغنا أن الوضع في “التُربَة” مُقْلِق، ومزعج جداً، لأن السلطة تُسَوِّق دعايات وشائعات بغرض إثارة الشكوك والتوجس لدى المظلات. سأله عبدالقادر هاشم: “ما هي هذه الدعايات؟”. قال: “يسربوا معلومات كاذبة أن السلطة تثق بوساطة وجهاء وكبراء تعز، وأنهم ضد المظلات ويكرهون عبدالله عبدالعالم، وأن السلطة هي من خططت وأعدت تحرك هذه الوساطة”، وعَبَّر عن خشيته من أن “تنطلي هذه الأكاذيب على المظلات، وخاصة وفيهم عناصر متشنجة وعناصر تعمل مع النظام”. وأردفَ عبدالوارث: “المظلات ليست نظيفة فقط للديمقراطي والناصري بالكامل”. أقترح عبدالقادر هاشم التواصل العاجل مع الأخ محمد الشيباني، وتلقي الأخبار منه.

استصوب عبدالوارث الرأي. وَدَّعته إلى الباب، وعرضت عليه أن أوقف له وسيلة مواصلات، فاقتربت سيارة لمحت شخصاً بجانب السائق. سألت عبدالوارث: “هل هذا يحيى ياسين؟”، قال لي: “نعم، وحذاري أن تتحدث عنه، أو تذكره، بل انساه، لأنه ملاذي الآمن في الظروف الصعبة. ويحيى ياسين زميل الدراسة في تعز، ويعتبر من أكفأ الكوادر القيادية في الحزب والوظيفة، إن لم يكن الأكفأ في الجمارك والمالية”.

بعد يومين، نقل إلينا عبدالوارث أخبار من محمد الشيباني، من “التُربَة”، وقال إنه متشائم من الوضع الذي تتحكم فيه الأمزجة والشطحات، وليس هناك من هو صاحب الكلمة والقرار والحسم، وضبط الجميع؛ ناهيك أن السلطة تستهدف بالأساس تعز، بأصحابها ودعاياتها، وإشاعة الأراجيف والتخوفات، قد جعل المشهد خارج أي سيطرة. وأضاف الشيباني أن “السلطة قد تقدم على أفعال إجرامية وتنسبها للمظلات”. وبعدها بأيام قليلة، جاءت أخبار مثيرة حول مصير لجنة الوساطة، تقول إنه جرى توزيع أعضائها بأعداد قليلة على منازل وقرى في “التُربَة”، وخارج “التُربَة”، والأخبار والبلبلة تقول إن المظلات أرادت بهذا الإجراء حماية الوساطة والحفاظ على سلامتها.

وتسارعت الأحداث بصورة تراجيدية مفزعة ومقرفة وتبعث على الغثيان من قلب مدينة تعز، وقيادتها العسكرية والاستخباراتية، ونشرها على أوسع نطاق؛ تقول إن المظلات، وبأوامر من عبدالله عبدالعالم، قتلوا أعضاء لجنة الوساطة، وذبحوهم كالنعاج. توالت الأخبار، وطارت في الآفاق عن المذبحة الرهيبة التي وقعت لأعضاء لجنة الوساطة. وانطلق مخزون الدعاية، والحرب النفسية، من أجهزة السلطة، وبفرحة وشماتة، ومن منطلق جهوي وطائفي عمت الأفراح في قمم السلطة، والدعوة للثأر والانتقام من قتلة وجهاء وتجار ومشايخ محافظة تعز (“الطيبين الطاهرين”). وارتفعت موجة من التحريض والصراخ الفج ضد تعز؛ “تعز سبب المصائب والويلات والجرائم التي حصلت على الشعب اليمني كله”!

طبعاً هذه الحادثة زلزلت الأرض من تحت أقدام القوى الوطنية التقدمية، وبالأخص فصائل اليسار. لقد دوختنا الجريمة، وتركتنا نهباً للرياح تذرنا في كل اتجاه، ولم يعد يخيم إلا الوجوم وضرب أخماس بأسداس، وتزداد العتمة والظلمة مع إذاعة أخبار زيارة قائد تعز والسلطات العسكرية لمدينة التُربة، عاصمة “الحُجَرِيِّة”، وخطابه وتفقده لعوائل الضحايا، وذرف دموع التماسيح. كل ذلك أضاف علينا حصاراً شديداً وضعنا في الزاوية الضيقة. نعم إنها قمة المأساة؛ هكذا أغلب كبار محافظة تعز، وقادتها في المجتمع والتجارة والصناعة، يغيبون عن المشهد بلمح البصر.. في هذه الجائحة (بلغة هذه الأيام).

كان عبدالوارث عبدالكريم الوحيد متماسكاً ورصيناً ومحللاً بنضج وهدوء يبعث الأمل، وسط جو من القنوط واليأس والإحباط. قال: “علينا بالصمود، والوقوف في وجه العواصف والأعاصير”. وأضاف: “خلال بضعة أشهر، حَلَّت بالشعب اليمني كارثتين مدويتين هما استشهاد إبراهيم الحمدي، ومجزرة كبراء ووجهاء تعز”. وقيّم وحلل واستنتج ما جرى، وما سوف يجري، بعقل ناضج، وتقييم علمي، وبلغة بسيطة سلسله أعاد إلينا الأمل، وختم تقييمه: “إذا أردنا الوصول إلى حقيقة ما جرى، وجريمة قتل كبار رجالات تعز، لا بد من لجنة تحقيق دولية بإشراف الأمم المتحدة، ومشاركة منظمات حقوق الإنسان، وإلا ضاعت هذه البشاعة بين المتصارعين كلٌ يرمي العوجاء على الآخر”، وهذا ما اقترحه ووافق عليه كل من عبدالحفيظ بهران وأحمد قاسم دماج؛ أن يتم التحرك على الصعيد الخارجي بصورة مستعجلة للضغط من أجل تشكيل اللجنة.

دعا الأخ صالح الأشول إلى اجتماع سكرتارية الجبهة الوطنية لمناقشة أحداث تعز، وعقد الاجتماع في منزله. حضر اللقاء، إلى جانب صالح الأشول من الأخوة السبتمبريين، أحمد الرحومي، وعبدالرحمن مهيوب عن حزب البعث، وعبدالقادر هاشم عن حزب العمل، ويحيى منصور أبو أصبع عن الحزب الديمقراطي. وتغيب ممثل الطليعة الشعبية، والاتحاد الشعبي الديمقراطي، الذين كَلَّفا الحزب الديمقراطي بتمثيلهما، وكذا تمثيل منظمة المقاومين الثوريين، لأن ممثلهم ذهب إلى عدن.

صدر بيان مقتضب [عن الاجتماع] أدان جريمة قتل وجهاء تعز وكبارها، وطالب بتشكيل لجنة للتحقيق عن الأسباب والدوافع بقتل الوساطة السلمية. وطالب البيان السماح لسكرتارية الجبهة الوطنية بزيارة تعز و”الحُجَرِيِّة”، والوقوف على الأحداث الجلل، التي جرت في أهم مناطق اليمن تحضراً ومدنية وتعليماً؛ ودعا النظام في الشطر الجنوبي من الوطن للتحقيق مع الواصلين إلى عدن من المظلات ودورهم فيما جرى.

بعد أسبوع على أحداث تعز، أجريت اتصالاً بمكتب الرئيس أحمد الغشمي، وحدد لي موعداً لزيارته؛ اليوم الثاني. قال لي عبدالوارث، وعبدالحفيظ بهران، وعبدالحميد حنيبر: “قُلّ للرئيس أن مقترح البرنامج السياسي سيكون جاهزاً خلال أسبوع، واطلب منه اللقاء بالجبهة الوطنية من خلال سكرتاريتها، التي مقرها صنعاء، وهذا جس نبض”. وصلت بيت الرئيس الحادية عشرة صباحاً. كان مازال داخل البيت مع العائلة، وانتظرت في الديوان لوحدي. لم يكن هناك أحد. جاء الرئيس، وجاء معه الفطور، وقمت إلى المائدة دون انتظار “عزومتي” من الرئيس، وهذا التصرف إشارة مني إلى أني في بيتي، أي أن بيت الرئيس هو بيتي، دليل الثقة والمودة. قال الرئيس: “ها، ذلحين رِجَّال، تصرف كأنني أخوك الكبير”، وسأل عن عمري، وسألته عن عمره. قال: “أنا أكبر من إبراهيم [الحمدي]، وأكبر أعضاء مجلس القيادة”.

كان الغشمي معروفاً بالكرم الحاتمي وطيبة النفس. قلت له: “كيف الأوضاع؟”. قهقه ضاحكاً، وبارتياح واضح ومكشوف، وقال: “شفت المعتوه عبدالله عبدالعالم؛ قتل أهله وذويه والمحبين له! كل الذين قتلهم كانوا يتجوهون (يترجون) عندي للحفاظ عليه بصورة جادة، لكنه طلع ناكر للجميل، وغدار، وقاتل. كنا قد حذرناهم من أي مكروه قد يحدث لهم، لكنهم كانوا يقولون: “هذا ابننا، وهذه منطقتنا”. هيا هذا ابنهم! يقول الحديث الشريف “اتق شر من أحسنت إليه”..”. واتهم الجنوبيين بأنهم “المشجعين على قتل كبار تعز، لأنهم في نظرهم إقطاعيين وبرجوازيين، وأعداء للاشتراكية حق الجنوب”! وأضاف أن عنده معلومات أن “صالح مصلح دخل للحُجَرِيِّة أثناء تواجد عبدالله عبدالعالم وخُبْرَتُه”. وأضاف: “الآن الجبهة القومية، أو المتطرفين فيها، يعتقدون أن تعز بكلها صارت بيدهم إذا أرادوا السيطرة عليها، وهذا ما حدثني به الأصنج”. تدخلت بالحديث قائلاً: “لا يجوز اعتبار ما يقوله الأصنج حقائق كونه عدو متربص وحاقد على الجنوب، وعلى الحركيين لأنهم طَيَّرُوه من الزعامة، ومن الجنوب، يا فخامة الرئيس”.

وواصل الرئيس الغشمي الحديث أنه اتصل بسالم ربيع علي، أثناء الأحداث في “الحُجَرِيِّة”، وطلب منه عدم التدخل في الوضع، وقال: “سالم ربيع يظهر عليه أنه عاقل، لكن أصحاب تعز بجانبه هم يريدون تفجير الأوضاع”. وشنّ الرئيس حملة شرسة على عبدالله عبدالعالم، وهي من صناعة وإنتاج مطبخ الاستخبارات للتلفيق والتزوير.

وتطرق الرئيس إلى موضوع مجاهد القهالي: “لقد تخلصت من أهم ركائز الحمدي، العالم والقهالي، فرق الله شملهم، واشتعل الخلاف بينهم، فتمكنا منهم، وكانت حركة مجاهد القهالي أخطر على النظام وعلى صنعاء من عبدالله عبدالعالم”.

ثم سألني: “ماذا فعلت، هل نزلت إب؟”. قُلتُ له: “لا، انشغلت بإنجاز البرنامج، حسب الاتفاق معكم يا أخ الرئيس”. قال: “بس يكون صغير مثل المذكرة أضعها في الجيب. ومتى يكون ناجز؟”. قُلتُ له: “أربعة، خمسة أيام”. ثم طرحت عليه موضوع اللقاء بالجبهة الوطنية. قال: “هل تعرف أن إبراهيم الحمدي كان يرفض اللقاء بهم؟”، وسألني: “ما رأيك أنت؟”. قُلتُ له: “فرصة ذهبية أن تنفتح على كل القوى، ولأجل الناس يعرفون أنك مش قبيلي وبس، بل أنت رجل دولة والموالين والمعارضين مسؤوليتك جميعهم، لأنك رئيس الجميع”. وافق، وقال: “غداً في ضُلَاع الساعة 11 قبل الظهر اشعرهم أنت..”.

انصرفت، واتصلت بأعضاء السكرتارية. قال لي صالح الأشول: “هيا من فين طلعت الشمس؟”. ذهبنا حسب الموعد. وصلنا البيت في “ضُلَاع”. أخذونا إلى بين القات، وجرت أحاديث كثيرة. دخل علينا الدكتور همرشولد، وهو طبيب نفساني، وصديق الغشمي، وعلى علاقة بحزب البعث، وقال: “هيا شوفوا الرئيس الغشمي يستقبلكم ويعترف بكم، والحمدي ولا عبركم طوال عهده”. عَلَّق الرئيس: “إلا التقى بهم لقاء واحد فقط”.

عدنا إلى صنعاء وقد حمل كل منا ما استطاع من القات. وصلت وطلبت اللقاء بالإخوان، وعلى رأسهم عبدالوارث.. حددوا المقيل في بيت أحمد قاسم دماج. شرحت لهم ما لدي من أخبار، وكانت أحداث تعز هي المهيمنة على أجواء صنعاء بفعل المطبخ الإعلامي والدعائي المكثف للسلطة. وقد انبهر البعض من استقبال الرئيس للجبهة الوطنية، وبهذه السرعة. وفي المساء، انفردت بعبدالوارث، وكلمني أن عبدالله الوصابي لم يكمل البرنامج بصيغته النهائية، وأخبرته عن مذكرة الجيب، حسب طلب الرئيس؛ قال: “تمام، في كل صفحة سوف نطرح فيها قضية، وسوف نركز على قضايا الساعة، وسأحاول إنجازه بصيغته النهائية مع بعض الشباب”.

يتبع..

اظهر المزيد

مواد ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى