مقالات رأي

حديث عن الشيخ قاسم بن حسن أبو راس والعمل السياسي في وسط القبائل

عن عبدالوارث عبدالكريم والرئيس الغشمي (21)

يحيى منصور أبو أُصبع

سيكون معي في هذه المهمة شخصيات هامة من “عِيَال سُرِيْح”، و”جبل عِيَال يزيد”، وغيرهم من “الحَدَاء” و”آنس” و”عَنْس” و”خُوْلان”.

وللأسف الشديد بعد أسبوع من هذا اللقاء [يقصد اللقاء في منزل الشيخ أمين أبو راس]، دخل صنعاء الشيخ الشهيد عبدالله بن محمد القوسي، وألقى، في ميدان التحرير، بيان أو بلاغ الإنذار البكيلي، بمنع مرور الطائرات في سماء قبيلة بَكِيْل. وكما يظهر أن السلطات كانت تتابع خطواته، والجميع في صنعاء يخشون من تحركاته، فجرى تطويقه بقوات عسكرية ضخمة، وتولت هذه القوات إعدامه وشنقه في ميدان التحرير. وعَلَّق أمين أبو راس قائلاً: “حين أبلغني عبدالوارث بمخطط القوسي، واعتزامه التحدي الخطير بدخول صنعاء، وإلقاء خطاب الإنذار، قُلتُ له إن النظام، وخاصة المشايخ الرجعيين، لن يتركوه وسوف يقتلونه مهما كانت النتائج، والسعودية خلفهم بكل الإمكانيات، لأن الوضع في صنعاء قلق جداً من اعتصام مطيع دماج، ومن معه من أبناء بَكِيل، وكثير من أبناء الشعب اليمني، وهو اعتصام سلمي غير متحرك في منطقة ريدة الاستراتيجية، فما بالك بتحديهم في صنعاء.. وحاولت أن أحول دون ذلك، إلا أن الأقدار قد ساقت إلى تلك النتيجة”. وطلعت تنهيدة قوية من أمين أبو راس، فقال عبدالحفيظ بهران: “مالك يا شيخ أمين، أين كنا صبيحة ثورة 26 سبتمبر، وأين أصبحنا؟!”. قال أمين: “حين أتذكر أبطال حصار السبعين على صنعاء، وانتصارهم للثورة والجمهورية؛ محمد مهيوب الوحش، وعبدالرقيب الحربي، وعبدالرقيب عبدالوهاب، وعلي مثنى جبران، والشيخ عبدالله محمد القوسي، والشيخ أحمد عبدربه العواضي، أشعر بغصة تخنق أنفاسي”، فتدخل ناجي علي الأشول، أحد أبطال ثورة سبتمبر، وهو عضو الخلية القيادية العليا لتنظيم الضباط الأحرار، وعضو مجلس قيادة الثورة، وقال: “لا عليك يا نقيب، هذه ضريبة كل ثورة، فما بالك ونحن جوار للسعودية التي تحاربنا وتنهب أراضينا، وتقف في وجه أي ثورة أو تغيير في شعبنا. لقد أَسْهَمَتْ بقوة في إفشال ثورة 48، والآن تحاربنا من يوم سبتمبر 1962 وحتى اليوم، وغداً وبعد غدٍ، حتى نتمزق ونتجزأ ونتشرذم، ويقتل بعضنا بعضاً”. يواصل الأشول: “ومجرد أن تحرك الحمدي من أجل اللقاء بأخيه سالم ربيع علي (سالمين) ذبحوه هو وأخيه، وبتلك الصورة البشعة، وقتلوا فرنسيتين بدم بارد، وألقوا بهم فوق بعض في منزل ناءٍ، حتى تظهر القضية وكأنها دعارة! أي حقارة عند هؤلاء القتلة؟! أي نذالة عند صالح الهديان، الملحق العسكري السعودي، الذي أشرف بنفسه على قتل عبدالله الحمدي، ثم قتل إبراهيم؟!”.

تدخل عبدالحفيظ بهران، وقال: “ما يجري اليوم هو أمر مخزٍ، ويبعث على القرف.. رشاد فرعون يغادر صنعاء، يصل فوراً كمال أدهم، يغادر الأخير يصل علي مسلم (اللجنة الخاصة التي يرأسها الأمير سلطان)، وأصبح صالح الهديان، وأعضاء السفارة السعودية، يقيمون في المطار، والمشايخ جاهزين للاستقبال والضيافة في مناطقهم، حيث تذهب هذه الوفود بمجرد وصولها صنعاء!”. تدخل ناجي علي الأشول، وقال: “المشايخ على وشك الدخول إلى صنعاء، إلا أن الغشمي لم يسمح لهم حتى اليوم رغبة في التفرد”. قال أحمد منصور: “والسعودية جاهزة لصرف الميزانيات للمشايخ، خاصة قبائل شمال الشمال، لأنها لا تفكر بتقديم شيء للشعب اليمني، فهذا ليس في حسابها؛ لا مدارس، ولا طرقات، ولا مرافق  صحية.. يحتاجها الشعب اليمني، ولا ميزانية واحدة لأبناء إب أو تعز أو الحديدة، إلا إذا عادوا للقَبْيَلَة والقَبِيْلَة، ويصبون حقدهم الأسود على تعز خاصة، وعلى عدن والنظام في الجنوب بصورة عامة”. أما أنا فبقيت مستمعاً، ولم أشارك في الحديث، وخاصة بوجود عبدالوارث عبدالكريم. ثم طلب عبدالوارث الحديث في موضوع آخر بعيد عن أجواء هذه الأيام، وقال: “الموضوع يعود إلى فترة الخمسينات، وأنا من فترة طويلة أريد أفهم من النقيب أمين نفسه، والموضوع هو قاسم بن حسن أبو راس رحمه الله، لماذا أهل تعز يحبونه ويبجلونه ويترحمون عليه، والبعض يرفعه إلى مستويات عُلا من الحب لوطنيته وثقافته وشخصيته الجذابة؟ وكنت في آخر لقاء في منزل الشيخ أحمد سيف الشرجبي، وكان حاضراً الأستاذ حسين الحبيشي وإبراهيم حاميم، وأحمد عبده سعيد، وعلي محمد سعيد أنعم، والدكتور محمد عبدالودود، وفؤاد قايد، وآخرون كثر، وجاء الحديث عن حركة الأحرار في الخمسينات، وجاء ذكر قاسم بن حسن أبو راس، فقالوا إن تعز لم تحب شيخاً من اليمن، وبالذات من مناطق القبائل، مثلما أحبت قاسم بن حسن أبو راس، وخرجت المدينة عن بكرة أبيها في تشييع جثمانه، وتعطلت المدارس، وأغلقت المتاجر، وكان الكثير من أبناء تعز يبكون وينتحبون على وفاته.. ما هو السر في هذه المكانة والشعبية؟”. وهنا تدخل الصحفي سفيان البرطي، وهو من حاول التخصص بتاريخ أسرة بيت أبو راس، وقال لعبدالوارث: “عندي كل التفاصيل، وكل ما تحب أن تعرفه”. وأراد أمين أبو راس الحديث، فذرف دمعة حزن منه.. ثم تماسك، وقال: “شكراً لعبدالوارث على إثارته الموضوع، والحقيقة أنه لم يظلم أحداً، وتم تجاهله من الجميع، مثلما هو حاصل مع أخي وشيخي وأبي وعاقلي قاسم بن حسن أبو راس، وبدوري أحيل الموضوع إلى الإخوان أحمد منصور أبو أصبع، الذي كان قاسم بن حسن قد تبناه مثل ولده، لأن قاسم بن حسن لم يخلف إلا بنات، ومن امرأة واحدة، وكذلك أحيل الموضوع إلى أحمد قاسم دماج، لأنه مُطَّلِع على العلاقة الودية والثقافية والنضالية بين قاسم بن حسن ومطيع دماج، وأيضاً أحيل الموضوع إلى سفيان البرطي.. وإذا أردت تفهم عن الجانب الثقافي والتاريخي والفكري عن قاسم بن حسن، فأحمد قاسم دماج مُطَّلِع، أكثر من أي شخص آخر، على المناظرات والمجادلات التي كانت بين قاسم بن حسن وبين مطيع دماج.. كنت أطفش وأتركهم، وأحمد قاسم كان يلازمهم إلى الفجر على كتب الكواكبي ومحمد عبده والإكليل وكتب نشوان الحميري وسعد زغلول، وعن نكبة فلسطين”. وقال زيد مطيع دماج: “كان قاسم بن حسن يطلب من أبي أن يُلَخِّص له الكتب، وكان أبي سعيداً بهذا..”.

ثم حضر دفعة من الزوار، كان أبرزهم الشيخ عبدالله بن ناجي دارس، وعسكر أبو حرب، من “بَرَط”، والشيخ يحيى محسن جعمان، شيخ “رَيْمَة”، والشيخ محمد أبو علي (والد زيد أبو علي)، والمشايخ الرصاص، من البيضاء، ومن ضباط الثورة عبدالرحمن الترزي، وعلي عنقاد، ومحمد هاشم جرانع، وأمين بن علي بن محسن باشا، ومقبل بن أحمد منصور، فامتلأ المكان، فاستأذنا بالخروج لإفساح المكان للواصلين، ودعاني أمين أبو راس، وأَسَرَّ في أذني أن أتردد عليه لأنه متعب.

وقد حصل تفاهم بين عبدالوارث والآخرين (أحمد قاسم وأحمد منصور وسفيان البرطي) على عقد لقاء خاص سيتحدثون فيه، كلٌ بما يعلم، عن قاسم بن حسن أبو راس، كما يريد عبدالوارث عبدالكريم، وللأسف الشديد لم يلحق المواعيد لاستكمال البحث والتقييم عن قاسم بن حسن أبو ارس، الشخصية الوطنية التاريخية، لمشاغل الجميع بالأحداث والمستجدات المتلاحقة. كما أنني أعد القارئ بأني سأدلي بما لدي من أفكار، وتصورات، عن قاسم بن حسن، في تقييم آخر، والمكانة الرفيعة التي كان يحظى بها لدى كل الأوساط السياسية والاجتماعية والقبلية، فكبار مشايخ “حَاشِد” و”بَكِيل” يقدمونه على أنفسهم، كما كان حال الشيخ حسين بن ناصر الأحمر، والشيخ عبدالله بن علي مناع، من كبار مشايخ صعدة، وعبداللطيف بن قايد بن راجح، وناجي بن علي الغادر، وسنان أبو لحوم، وعبدالوهاب سنان، شيخ “أرْحَب”، ومشايخ “بيت الشايف”، وغيرهم يقدمونه على أنفسهم، ويضعونه في المقام الأول. وأيضاً مشايخ وعُقَّال وشخصيات إب وتعز والحديدة والبيضاء، الذين كانوا يتواجدون في تعز، العاصمة الفعلية لليمن، لتواجد الإمام أحمد فيها، منذ أن تولى السلطة بعد 1948.

وحتى لا ينزعج البعض من التركيز هنا على المشايخ والقبائل والشخصيات النافذة، أقول لهم: “في الخمسينات لم يكن هناك أحزاب أو منظمات مجتمع مدني، أثناء وفاة قاسم بن حسن أبو راس، الذي توفي مسموماً في عام 1956، وأيام أخيه الشيخ أمين بن حسن أبو راس.. فقد كانت قوى العصر الجديد (القوى التقدمية) مضطهدة ومصادرة في السجون أو الاختفاء.. وحدها القوى التقليدية الموجودة والمتحركة، مع وجود التفاوت في علاقاتها مع العصر، فمنها قوى تتطلع نحو المستقبل بحذر شديد، وقوى أخرى تتمسك بالماضي وترفض كل جديد، والعمل النقابي كان محرماً، مثلما هي الحزبية، إلا ما تسمح به الأجهزة من تشكيلات نقابية وتعاونية تحت السيطرة المطلقة للأجهزة الاستخباراتية بغرض كبح هذه الفعاليات وتشويه صورتها، وغرس الفساد والمفاهيم الرجعية والظلامية وتسخيرها في خدمة النظام العسكري والقبلي المتخلف.

أخذنا عبدالحفيظ بهران وعبدالوارث وأنا للغداء، وعند وصولنا أتى النقابي عبده سلام، وهو عضو لجنة مركزية في الحزب الديمقراطي، وجرى الحديث عن زيارة أمين أبو راس، وجَرَّنا عبده سلام إلى أفكار في غاية الأهمية، وهي طرق وأساليب العمل السياسي والثقافي في أوساط القبائل من جانب القوى التقديمة، إذا أرادت التغيير والتطلع إلى بناء دولة عصرية حديثة يحكمها القانون، ووجه أسئلة لعبدالوارث عن مصير القرارات الحزبية التي اتخذتها الهيئة القيادية للحزب الرامية لوضع خطط وبرامج سياسية وحزبية وثقافية في أوساط القبائل بدءاً بالقبائل المحيطة بصنعاء.

وأجاب عبدالوارث عن تساؤلات النقابي الكبير عبده سلام، قائلاً إن “الخطوات التنفيذية بدأت منذ فترة، وفق برنامج تثقيفي متدرج يعمل على محو الأمية الأبجدية والسياسية في أوساط شباب القبائل، وقد بدأنا نذلل العقبات والصعوبات التي تمثلت أولاً، وقبل كل شيء، بالكادر القيادي المحترف، الذي سيتولى العمل السياسي والحزبي وسط القبائل”. وقد أعرب عبده سلام عن احترامه لجهود عبدالوارث العملية وسط المجتمع القبلي مع رفاقنا، وأضاف عبدالوارث يقول: “تطلب هذا التوجه وقتاً في اختبار هذه الكوادر الذين تتوفر فيهم المؤهلات والاستعدادات لفهم واستيعاب الأوضاع الاجتماعية والثقافية والاقتصادية لهذه المجتمعات، التي ولا شك تختلف جذرياً عن المجتمعات الحضرية والزراعية الخاضعة على الدوام لنفوذ الدولة، ولأهمية هذا التوجه، الذي حققنا فيه نجاحات مشهودة في مناطق مثل الحَدَاء، وآنس وعَنْس، والمناطق الوسطى، كنا نجري اختبارات ثقافية وفكرية للكوادر من حيث الاستيعاب الأولي للأعراف والأسلاف القبلية، والإلمام الضروري بالأعراف القبلية المختلفة، وفهم جغرافية المنطقة والتركيبة السكانية وأنسابها، وعدم الإفصاح عن الأفكار والنظريات والمفاهيم المنفرة والمثيرة، التي لا تستوعبها المجتمعات المتخلفة المأسورة بالخرافات والشعوذة والتقاليد العتيقة”. ويواصل عبدالوارث: “النجاحات التي تحققت حتى اليوم كبيرة ومشجعة للغاية، رغم المدة القصيرة التي بدأنا فيها هذا التوجه المبرمج، ولمسنا تجاوباً منقطع النظير لدى من نكسبهم من أبناء القبائل للتثقيف والاستيعاب، والقدرات على الضبط والربط، وتنفيذ المهام والمسؤوليات النضالية اليومية، وممارسة النقد والنقد الذاتي برحابة صدر، والاستعداد لتقبل الاعتراف بالنواقص والأخطاء وتجاوزها، وخاصة في مناطق حَرَازْ والحَيْمَتِين وبني مَطَر وبني الحارث وعِيَال سُرِيح وسَنْحَان. وقد وقعنا في هفوات، وسقطنا في قفزات غير محسوبة، من قبل بعض الكوادر المتسرعة في وضع دروس تتعلق بأصول الفلسفة الماركسية والمادية الديالكتيكية، والابتعاد عن ممارسة الشعائر الدينية، وكل هذا قد بذلنا جهوداً لتلافيه وعدم تكراره.. ومن المناطق الجديدة التي بدأنا  العمل فيها هي المناطق البعيدة عن العاصمة، مثل بَرَط والجوف وسُفْيَان، وقد كُلِّفَ بهذا التحرك الأخ يحيى منصور أبو أُصبع لعلاقته ومعرفته الضرورية بهذه المناطق ومجتمعاتها، مع العلم أن أولى خطوات التثقيف السياسي للحلقات والأعضاء الجدد هو البرنامج السياسي، والنظام الداخلي للحزب الديمقراطي، ثم برنامج الجبهة الوطنية الديمقراطية، ودراسات معدة عن التركيبة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية في المجتمع اليمني، ودراسات عن التاريخ اليمني وتطوراته ومراحله المختلفة”.

يتبع..

اظهر المزيد

مواد ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق