مقالات رأي

أربعون عاماً على رحيل عبدالسلام الدميني وأخويه (1)

  • التعرف عليه في عدن والإبِّي الذي قال لي: صالح مصلح ما فيش عنده يا أمَّه ارحميني

 يحيى منصور أبو أًصبع:

كانت معرفتي به، لأول مرة، في فبراير 1979، في عدن، أثناء التهيئة والإعداد للمؤتمرات الختامية لأحزاب اليسار الخمسة (الحزب الديمقراطي الثوري اليمني، حزب الطليعة الشعبية، حزب العمل اليمني، حزب الاتحاد الشعبي الديمقراطي، منظمة المقاومين الثوريين)، من أجل دخولها، وهي موحدة في تكتل واحد (حزب الوحدة الشعبية)، في وحدة اندماجية مع الحزب الاشتراكي اليمني، والذي تم في مؤتمر سري غير معلن بين حزب الوحدة الشعبية والحزب الاشتراكي اليمني، تحت مسمى الحزب الاشتراكي اليمني الموحد، يوم 5 مارس 1979.

في اليوم الثاني للمؤتمر الختامي للحزب الديمقراطي الثوري اليمني، وفي ذروة المناقشات، جاءني سلطان أحمد عمر، الذي نزل من المنصة إلى عندي في القاعة، وقال لي: “الجماعة في البوابة يريدونك”. قُلتُ له: “من هم؟”. قال: “علي عنتر، وعلي ناصر محمد”. قُلتُ له: “ماذا يريدون؟”. قال: “لا أعرف”. تسرب إلى ذهني أن سلطان أحمد عمر أراد التخلص مني، ومن مناقشاتي المطالبة بالتغيير؛ تغيير السياسات، وتغيير القيادة، والاستراتيجية والتكتيك. وبعد قليل جاءني جار الله عمر، وطلب مني مقابلة علي عنتر وعلي ناصر، ثم أعود إلى المؤتمر. خرجت، ومعي عبده سالم (نصر)، الصديق الخاص لي. قالوا: “تعال معنا”. رفضت، قُلتُ لهم: “معنا مؤتمر، سوف نخلص اليوم، وبعده أنا جاهز حيثما تريدون”، وكان معهم الإخوان مجاهد القهالي، وعبدالسلام الدميني. ولأول مرة أعرف عبدالسلام الدميني، ابن منطقتي، رغم أني أسمع عنه أثناء حصار السبعين، ومشاركته الفاعلة في الدفاع عن الثورة والجمهورية، وفي أحداث 23 و 24 أغسطس 1968، وهو في حينه من قيادات حزب البعث العسكرية الكبيرة، وهو الحزب الذي كان في صدام مع حركة القوميين العرب، ومع التواجد المصري في اليمن. قالوا: “تعال نصف ساعة معنا، في منزل الدكتور محمد علي الشهاري (ونحن في معسكر الفتح)”. قُلتُ لهم: “سندخل الانتخابات بعد ظهر اليوم، ولا يمكن أن أتغيب”. ألَحُّوا علينا دون الإفصاح عن أي شيء. ذهبنا إلى بيت الدكتور الشهاري. وجدت هناك، أيضاً، الأستاذ عبدالله سلام الحكيمي، والذي التقيته أول مرة، وكذا الشيخ محسن أبو نشطان، والشيخ يحيى داحش العليان. بقيت في حديث جانبي مع الدكتور الشهاري، لأنني أعرفه من قبل انقلاب 5 نوفمبر، فقد زار بيتنا في “جِبْلَة”، وأخذته إلى المستشفى المعمداني، في 1966، في “جِبْلَة”، وأنا في تلك الأيام في اتحاد الشعب الديمقراطي، أنا والشهاري.. فصاح بنا عبدالسلام الدميني: “ما فيش وقت، تعالوا نُكْمِل عملنا، الحرب في كل مكان، لازم نتحرك”. وإذا بعلي ناصر يعطي الكلمة لعلي عنتر، وعلي عنتر يطلب من مجاهد القهالي قراءة الخطة العسكرية الطارئة، ومنها التحرك على الفور إلى شمال الشمال (محافظة صنعاء ومحافظات الجوف وصعدة وحجة – كانت عمران جزءاً من محافظة صنعاء). وجاء ترتيبي من حيث الأماكن التي نتمركز وننطلق منها، حسب الخطة، “حرف سُفْيَان”، وما حولها، أنا والأستاذ عبدالله سلام الحكيمي.

وعبدالسلام الدميني، ومحسن أبو نشطان ويحيى داحش، في “أَرْحَب”، قريب من “مطار الرحبة” [مطار صنعاء]، وأحمد عُبَاد شُرِيف، وعبدالله مُجِيْدِيع، وعبدالهادي البهلولي، “خُوْلَان”، و”مُرَاد”، شرق صنعاء، ومنظمات الجبهة الوطنية تتحرك من ذمار ومناطقها المختلفة.. وتستمر المقاومة الشعبية (الجبهة الوطنية الديمقراطية)، مسنودة بالجيش الجنوبي ومليشياته، في الزحف صوب العاصمة صنعاء، من البيضاء ومأرب والمنطقة الوسطى، ونحن نضغط ونزحف من شمال صنعاء، من “أَرْحَب” و”حرف سُفْيَان”.

عند سماعي لهذه الخطة قُلتُ لهم: أتفق معكم، أو أختلف، أنا عندي مؤتمر الحزب الديمقراطي، ولا يمكن أن تسمعوا مني كلمة واحدة أو حركة، إلا بعد الانتهاء من المؤتمر الختامي”. عَلَّق الدكتور عبدالسلام الدميني قائلاً: “لماذا طَوَّلتم، يا أخ يحيى، في مؤتمركم؛ لكم يومين كاملين، نحن الأحزاب الأخرى خلصنا بسرعة؟!”. قُلتُ له: “أنت، يا بن العم، قد ضمنت موقعك، وعرفت أنك في المكتب السياسي لحزب الطليعة، أما أنا فما زلت أنا، والقيادة القادمة، في علم الغيب”. قالوا الحضور: “إذاً غداً صباحاً نلتقي هنا، ونبدأ التحرك”. خرجتُ مسرعاً، وإذا بالرفيق العزيز عبده سالم (نصر)، وأحمد الشيباني (زهوان)، وأعتقد معهما أحمد حسن سعيد، في انتظاري في باب منزل الدكتور الشهاري، وقال نصر: “علمت أنهم سيأخذونكم إلى شمال صنعاء، لأنك من تلك المناطق، ومن بَرَط بالذات، وأنا قلق عليك، فما زلتُ مسؤولاً عنك إلى ما بعد المؤتمر الختامي”.

عدنا إلى المؤتمر وكانت المداخلات والمناقشات عاصفة ومدوية وعلى أشدها، ولكن في إطار القضايا السياسية والتنظيمية والفكرية والعسكرية، وبعمق وتحليل ناضجين وشاملين، وعلى مدى ثلاثة أيام. وترشحت لعضوية اللجنة المركزية، بتشجيع من نصر (عبده سالم) ومحمد سالم الشيباني وآخرين، ونجحت في عضوية اللجنة المركزية. مباشرة التقيت الأخ مجاهد القهالي، وقال لي: إن “الإخوان عبدالسلام الدميني ومحسن أبو نشطان ويحيى داحش قد سافروا، وهذه المناطق بحاجة لوجودك وعلاقاتك الواسعة هناك، وأنا أتابع بقية المكلفين”. قُلتُ له: “غداً عندنا مؤتمر فصائل الشمال، وأنا لي رأي في الحرب وفي خططها، مع كل احترامي لقيادتك لهذه المناطق ولنا جميعاً”. أخبرني أن عبدالله سلام الحكيمي يريد أن يراني لأني وهو موزعين كقيادة، ومركزينا “حرف سُفْيَان” (طبعاً مجاهد القهالي مشرف على هذه المناطق ولهذا فهو مشرف علينا جميعاً).

في هذه الأثناء، التقيت عبدالله سلام الحكيمي، الموزع أنا وهو في “حَرف سُفْيَان”، وكان تعارفنا وجهاً لوجه لأول مرة، إلا أني كنت أتابع برامجه الإذاعية والتلفزيونية. قال: “ما رأيك؟”. قُلتُ له بدون تحفظ: “هذه فوضى عارمة، الجماعة في الجنوب يخوضون في حرب دون علمنا، بل أن قيادة فصائل اليسار الخمس موجودون في عدن للمؤتمرات الختامية، وقلت له إنني قد تكلمت في مؤتمر الحزب حول هذه الحرب وانتقدتها بشدة، وأغلب المؤتمر أيد موقفي، وأما توزيعنا في المناطق القبلية فهذا بالنسبة لي غير مقبول”. قال الأستاذ عبدالله سلام: “فعلاً، ليس هناك رؤية واضحة لهذه الحرب، ولا اهتمام بآراء قيادات العمل الوطني القومي واليساري في الشمال، ولهذا أنا لن أذهب حسب الخطة إلى حرف سُفْيَان، إلا في حالة أن تكون الظروف واضحة ونحن شركاء في صياغتها وتنفيذها”.

في اليوم التالي، دخلنا مؤتمر حزب الوحدة الشعبية، الفصائل الخمس، وتحدثت منتقداً قيام الحرب والمعنيين في الشمال موجودين في عدن، ولكن لا سماع لمن تنادي. وفي اليوم الثالث، 5 مارس، دخلنا المؤتمر التوحيدي بين “حوشي” (حزب الوحدة الشعبية) والحزب الاشتراكي، وكان تحصيل حاصل أن “حوشي”، حزب الشمال أو فرع الحزب الاشتراكي في الشمال، له برنامجه السياسي ونظامه الداخلي كتكتيك مؤقت.

خرجنا من المؤتمر، فجأة جاءني صالح مصلح قاسم، ومعه جار الله عمر. أخذني صالح مصلح بالعافية، وفي سيارته، إلى “مُرِيس” (قَعطَبَة)، حيث كانت الحرب على أشدها، وهناك فاتحني أن أتحرك إلى “قَعْطَبَة”، وأقنع رفاقنا بالسماح بدخول المقاومة، والقوات الجنوبية بدون حرب. حاولت أنكر أن لي معرفة بأحد في “قَعَطبَة”، قال: “معلوماتي أن معظم الضباط في قعطبة حزب ديمقراطي وأنت مسؤول عنهم”، وبسط لي كثير من المغريات والترتيبات، وجار الله ساكت. انفردت بجار الله، قال إن الرجل عندما يُصِرّ على رأي، أو موقف، لازم يمشيه، “ما رأيك أنت؟”. قُلتُ له: “غلط نكشف أصحابنا هكذا ببساطة في حرب لا ناقة لنا فيها ولا جمل، (لا نعرف الجمل فيها ولا الجمال)، ولا ندري ببدايتها ولا نهايتها، ولا رأي لنا ولا اعتبار، وأنا مش شاقي مع أحد، ولا يمكن أكشف رفاقنا العسكريين بهذه البساطة”. قال: “خلاص راوغ، ثم راوغ،  ولا تظهر أمامه حتى المغرب، وسوف نشوف لك حل، لا تجهر بأفكارك ودعه يأمل موافقتك”. وفي المغرب كانت هناك سيارة يعرف جار الله سائقها، قال له: “وَصِّله إلى الضالع”. بعد لحظة طلع معنا الشيخ علي ناجي جعوال، شيخ “مُرِيس”، وأنا لا أعرفه. قال له السائق إنني قريبه، والشيخ جعوال من الشخصيات المشهورة في الضالع، وفي المنطقة الوسطى، وكان من قيادات المقاومة ويحظى باحترام ومكانة رفيعة عند صالح مصلح، ولم أتعرف عليه إلا فيما بعد حين كنا، أنا والدكتور عبدالسلام الدميني، في الحوار مع قيادة الشمال في “دِمْت”. وكان القائد هناك، وفي المنطقة الوسطى كلها، بل المنطقة الشرقية المحاذية للجنوب (إب، البيضاء، مأرب) الشيخ عبدالله بن ناجي دارس، وارتبطنا بصداقة وعلاقة وثيقة أنا والدكتور عبدالسلام الدميني، والشيخ ناجي جعوال، وأصحاب “مُرِيس” عموماً.

وصلت الضالع، واتجهت إلى محطة السيارات، وحَصَّلت سيارة، وتوجهت عدن، ولم يأتِ بعد منتصف الليل إلا وأنا عند سعيد عبدالوارث الإبِّي، في “صِيرة”، الذي حذرني من ردة فعل صالح مصلح، وقال: “هذا الرجل لا يرحم، ما فيش عنده يا أمَّه ارحميني”.

يتبع..

اظهر المزيد

مواد ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق