مقالات رأي

الانفجار العظيم

عن عبد الوارث عبدالكريم والرئيس الغشمي (22)

يحيى منصور أبو أُصبع

في أحد أيام شهر يونيو، وبالذات في 26 يونيو، كنا في طريقنا لزيارة بعض الإخوان في ميدان التحرير، وأمام “قبة المتوكل” سمعنا انفجاراً كان له صوت مدوي في كل المنطقة. وجاءت الأخبار الأولية؛ من يقول إن الانفجار في القيادة العامة للقوات المسلحة، ومن يقول إنه في الشارع خارج القيادة، وآخر يفيد أن الانفجار في “باب شعوب”. كُنتُ بمعية الشيخ حمود بن محمد بن ناجى أبو راس، والشيخ مقبل بن علي أبو أُصبع، والرفيق محمد بن محمد الشيبة، من “بَرَط”، والرفيق محمد القربي من البيضاء، من ضباط الحزب ومن أبطال “حصار السبعين”.

اقترح القربي الاتصال بالتلفون إلى القيادة العامة للاستفسار حيث معه معاريف هناك، ثم قدتهم إلى معرض أحمد شمسان الدالي، كان في باب المتجر مثل كل أصحاب المتاجر والحوانيت، واقفين على أبوابها بعد الانفجار. جاء رد التلفون على القربي أن الانفجار في المبنى الذي يوجد فيه مكتب رئيس الجمهورية أحمد الغشمي، وليس عندهم بعد تفاصيل، لأن الجميع في حالة ربكة طاحنة. ثم اقترح البعض أن نذهب إلى القيادة العامة، إلا أن الرفيق محمد محمد الشيبة، وهو عسكري رفيق من “بَرَط”، من “ذو محمد”، رفض، وقال: “قد يجري اتهامنا في لحظات لم يظهر لنا شيء”، فوافقناه الرأي، ثم اتصل القربي، مرة أخرى، فجاءه الخبر أن الانفجار في مكتب الرئيس، مع وفد وصل من الجنوب، وأن حياة الرئيس وضيوفه الجنوبيين غير معلومة للتكتم حتى الآن. أُصبنا جميعاً بالذهول، وبعضنا بالفرحة والسرور، والبعض يتستر على مشاعره بالصمت والطنان.

ولم تمضِ إلا عشر دقائق وإذا الأخبار الصحيحة تتواصل، وتفيد بمقتل الرئيس والوفد الجنوبي، ثم تتواتر الأخبار في “ميدان التحرير”، القريب من القيادة العامة للقوات المسلحة؛ من يقول إن الانفجار من عبوة ناسفة شديدة الانفجار كانت موضوعة تحت مكتب الرئيس، ومجرد دخول الوفد الجنوبي انفجرت العبوة الناسفة، ومن يقول إن الوفد الجنوبي هو من قتل الرئيس انتقاماً لمقتل الحمدي، وآخر يقول إن هناك تواطؤ مع الوفد الجنوبي، الذي تمكن من قتل الرئيس، والفرار من القيادة العامة، بتسهيلات من داخل القيادة. ثم يحصل الرفيق القربي على مكالمة مفادها أن الانفجار قَتَلَ الرئيس والوفد الجنوبي معاً، وقد تمزقت أجسادهم أشلاء مبعثرة في المكتب، وبعض هذه الأشلاء خرجت من النوافذ إلى حوش القيادة.

وسط هذا اللغط، والأخبار المتلاطمة والمتناقضة، قرر حمود أبو راس، ومقبل أبو أُصبع، الذهاب إلى القيادة العامة، وأما أنا فقد نصحني الرفيق محمد الشيبة، من المؤسسين للحزب في شمال الشمال، بعدم الذهاب معهما، والانتظار في معرض الدالي حتى يعودان. وبعد نصف ساعة تقريباً، عاد الإخوان وفي جعبتهما الأخبار بالمشاهدة والمعاينة، وأنهما دخلا المكتب، حيث الانفجار الذي لم يصب أحد خارج المكتب، وقالا إن جميع ضباط الاستخبارات العسكرية والأمنية هناك، والرواية التي يتحدثون بها، أن موفد الرئيس سالم رُبيع علي (وليس وفد جنوبي) دخل مكتب الرئيس بمفرده، ولم يَسْمَح الرئيس لأحد بالدخول، بل وبيده أغلق باب مكتبه، ورفض السماح لمحمد خميس نفسه، أو غيره، أن يدخل المكتب مع الموفد الشخصي للرئيس الجنوبي سالمين. وهؤلاء ضباط الاستخبارات يقولون إن الموفد كان يحمل القنبلة المؤقتة داخل حقيبته، وبمجرد أن جلس أمام الرئيس فَجَّر القنبلة، وقتل نفسه مع الرئيس. وبعض من هؤلاء الضباط يقول إن الرئيس، وضيفه الموفد الرئاسي، كانا ضحية عملية مرتبة ودقيقة بواسطة عبوة ناسفة وضعت في قاعة المكتب، حيث يستقبل الرئيس ضيوفه، والغرض هو منع التواصل بين الرئيسين، أو التقارب بين صنعاء وعدن.

وأخيراً، صدر أول بيان رسمي من صياغة عبدالله الأصنج، وخميس، وصالح الهديان، الملحق العسكري السعودي. خلاصة هذا البيان أن المبعوث الخاص بسالم رُبَيِّع علي، وبمجرد جلوسه مع الرئيس فتح الشنطة التي يحملها، فانفجرت على الفور، وصار ضحيتها الرئيس، وحامل الشنطة المرسلة من الرئيس الجنوبي. وقالوا وشاعوا، من خلال تشغيل جهاز الدعاية والإعلام المخابراتي والسعودي، ما يفيد أن الرئيس سالمين سبق، وأن أقسم اليمين، وهو فوق ضريح (قبر) الحمدي، أنه سينتقم له، وأنه رَدَّ على الجماهير المحتشدة في تشييع الحمدي، والتي كانت تهتف في وجه أحمد حسين الغشمي، وهو يمسك بيد سالمين: “غَدِّيْتُه.. وين وَدِّيْتُه” (بمعنى غَدِّيت الحمدي ثم أين وَدِّيته). والبعض كان في هذه الحشود يرمي الأحذية والجزمات باتجاه الغشمي، والبكاء والصراخ والنواح يملأ السماء، مما دفع بالرئيس سالم رُبَيِّع، تحت تأثير الجماهير المنفعلة والغاضبة، أن يقسم أنه سينتقم لإبراهيم الحمدي، الذي كان منتظراً زيارته إلى عدن خلال ساعات. ثم تقول دعاية هذا المطبخ أن سالمين بكى من شدة التأثر، وأنه وَبَّخَ الغشمي، في أكثر من مكان، ورفض أن يودعه الغشمي، والأخير كان قد رفض زيارة سالم رُبَيِّع للمشاركة في تشييع الحمدي، وأنهم في صنعاء قد فوجئوا بوصول طائرة الرئاسة من عدن ومن فوق صنعاء، وفوق المطار، طالبت بالهبوط، وكان هبوطاً مفروضاً دون إذن، بل جرى التهديد مرات كثيرة بإسقاط الطائرة. وهذا ما أفادنا به محمد ضيف الله، قائد سلاح الجو.. وقد تحرك سالمين من المطار بالسيارات، التي وصلت معه على متن الطائرة، متجهاً إلى بيت الحمدي، إلا أن المسؤولين قد استقبلوه في الطريق، وأشعروه أن جثمان الرئيس إبراهيم، وأخيه عبدالله، في القصر الجمهوري.

ثم تشيع أخبار وترويجات هذا المطبخ أن سالم رُبَيِّع علي قد مهد لهذه العملية الغادرة باتصالات ورسائل تطمين وتقارب مع الرئيس الغشمي، طوال الشهور الماضية، وكان يغريه بأخبار زائفة واستعداد للتقارب مع صنعاء في كل شيء، بما في ذلك عمل خطة يتخلص بها من الحزب الاشتراكي، ومحاصرة الجبهة الوطنية. ومن كثرة هذه التواصلات بين الرئيسين، التي لم تنقطع شهراً واحداً، وقع الغشمي في الفخ، الذي أعده سالمين بعناية فائقة، وعلى رأس هذا المطبخ عبدالله الأصنج. ثم يواصل هذا المطبخ الدعائي فبركاته، والتي يُشْتَمّ منها رائحة عبدالله الأصنج، كما أفادنا في مرة من المرات الأستاذ الفاضل المناضل الكبير محمد سالم باسندوة أن بصمات الأصنج تفوح من كل هذه البيانات والدعايات، لأن حقده على النظام في الجنوب يفوق كل تصور.

وحين سُئل محمد خميس، وقادة الأجهزة الأمنية، عن سبب غيابهم أثناء الانفجار، أفادوا أن الرئيس الغشمي منعهم من دخول المكتب معه، رغم إلحاحهم عليه قبل وصول المبعوث، من منطلق أن هذا المبعوث سيوصل معه معلومات ووثائق وخرائط لكيفية تصفية قيادات الحزب الاشتراكي، وقيادات الجبهة الوطنية، وما هو المطلوب في التنسيق العسكري والأمني والإعلامي والتمويني من جانب الرئيس الغشمي ونظام صنعاء، والسرية التي ينبغي الحفاظ عليها حتى لا تتسرب إلى خارج الرئيسين الغشمي وسالمين.. ومن حرص الغشمي بعدم تسرب أي أخبار عن تحركات سالمين إلى أصحابه في المكتب السياسي، وقيادة النظام في عدن بصورة عامة من هنا.. هذا الحرص الشديد من الرئيس الغشمي بعدم كشف أي من الوثائق القادمة مع المبعوث، إلا ما تسربه هذه الوثائق.. هذا كله من نسيج المطبخ الإعلامي للاستخبارات، وعلى رأس هذا المطبخ عبدالله الأصنج.

ثم تأتي بلاغات وبيانات تبين اسم المبعوث، وأن اسمه الحاج تفارش، من الضالع، وأنه الذي رتب هذا المبعوث وأعده لسالمين هو صالح مصلح قاسم، الشريك الوحيد لسالمين بهذه الخطة والخبطة. ويفسر الأصنج، ومن معه، اسم “تفارش”.. أن هذا الرجل (المبعوث الرئاسي) درس في الاتحاد السوفيتي (موسكو) سنتين أو ثلاث سنين، ولم يستطع فهم اللغة الروسية إلا كلمة “تفارش”.. ثم يسردون قصته وحياته وسنه، ومكان هذا المبعوث، وأنه في القرية الفلانية، ومتزوج واسم زوجته، وعدد أولاده وأسمائهم، وأنه شِرِّيب للخمر والحشيش.

المهم، طوال ما يقارب خمسين ساعة، أي من ظهر يوم 26 يونيو إلى ظهر يوم 28 يونيو 1978م، والمطبخ الإعلامي لم يتوقف عن نشر الشائعات والدعايات والقصص والأساطير عن قضية اغتيال الغشمي من قبل سالمين.. سالمين الذي سحل العلماء، سالمين وراء الانتفاضات الشعبية والفلاحية ومصادرة أملاك السلاطين والإقطاعيين، سالمين من أَمَّمَ المطاعم والحوانيت الصغيرة والمهن الحرفية، سالمين وراء تهجير الجنوبيين بعشرات الآلاف إلى الشمال وإلى السعودية، سالمين من أنشأ مدارس النجمة الحمراء ومدارس البدو الرُّحَلّ لتدريس الفكر الشيوعي الماركسي المادي لينشر بواسطتهم أفكاره الشيوعية المتطرفة والملحدة والمستوردة من الصين على وجه الخصوص.

اليوم الثاني، التقيت عبدالحميد حنيبر، والذي لم تتم سفرته إلى عدن، لأن قيادة الحزب في عدن ألزموه بالبقاء [في صنعاء] لمتابعة الأوضاع..

يتبع..

اظهر المزيد

مواد ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق