مقالات رأي

مؤتمر حير العش وزيارة المكان الذي قُتِل فيه الزبيري واللقاء بأحد قتلته

  • أربعون عاماً على رحيل عبدالسلام الدميني وأخويه (2)

يحيى منصور أبو أُصبع

طبعاً سأحاول أقفز على موضوع حرب مريس، عام 1979، وصالح مصلح، الذي أعرفه من مؤتمر الجبهة القومية الثاني، الذي انعقد في مدينة جِبْلَة عام 1966، وأيضاً في عام 1972، وأعود إلى الأحوال في عدن.
أبلغوني أن رسالة وصلت من عبدالسلام الدميني يطلب فيها سرعة وصولي، وأنهم يُحَضِّرون لمؤتمر حِيْر العُش، في “نهر الخارد”، بين الجوف وصعدة وسُفْيَان. طبعاً، تم الإعلان عن وقف حرب 1979، ومعارضتي لهذا التوقف؛ كيف نفسر معارضتي أولاً ضد الحرب، ثم ضد وقف الحرب، ثم لقائي مع الأمين العام، عبدالفتاح إسماعيل، أنا والكثير من قادة الحزب والدولة، ولدي حول هذا الأمر الهام جداً ملف هو عبارة عن مقابلة أجراها معي الأستاذ سعيد أحمد الجناحي، أطال الله في عمره، قبل عشرين سنة (تحت عنوان “عبدالفتاح كان ضد حرب 1979”)، سوف أتناوله في حينه، حتى لا أتوه عن موضوع ذكرى العزيز الرفيق الشهيد عبدالسلام الدميني.
جَهَّزت سفري عبر “دَمْت”، التي كانت مع الجبهة الوطنية، وقام الرفيق ناجي محسن الحلقبي، عضو اللجنة المركزية، بتهريبي عبر “صباح”، و”رداع”، ثم “قيفة- ولد ربيع”، حتى “زُرَاجة”، عاصمة “الحَدَاء”، ومن هناك توكلت لحالي إلى صنعاء، وفي صنعاء التقيت قيادة الحزب، ثم ببعض قيادات “حوشي” (فصائل اليسار)، وزودوني [عبدالسلام الدميني] بمعلومات عن الوضع السياسي، وعن رأيهم بمؤتمر حير العش، ثم قامت القيادة التابعة لحزب العمل، وبالذات الموجودين في صنعاء (عبدالباري طاهر، سيف أحمد حيدر) بتكليف الأخ عبدالله بيدر بتولي مسؤولية نقلي وتهريبي إلى “حير العش”، وفعلاً كان عبدالله بيدر على قدر عالٍ من المسؤولية (هو من قيادة حزب العمل وهو اليوم عضو المكتب السياسي للحزب الاشتراكي)، وقد رتب سيارة صاحبها ضابط عظيم أعرفه جيداً من خلال علاقتنا باتحاد الشعب الديمقراطي (باذيب)، وكنا أنا وهو على خلاف دائم مع المناضل الوطني الكبير أحمد جبران، لأسلوبه الإعلامي، وعدم تقيده بالسرية، ولهذا كانت الرحلة لنا الثلاثة ممتعة. وللأمانة كان عبدالله بيدر نعم الحزبي المنضبط الفاهم المدرك والعارف بتحركات السلطة في مناطق القبائل التي كنا نمر عليها، لأنه من “قبيلة بني الحارث”، شمال العاصمة، بل صار جزءاً كبيراً من العاصمة صنعاء يقع في أراضي “بني الحارث”. دخلنا “أَرْحَب”، وذهلت ولم أجد في “أرحب” لا شجرة ولا أعشاب ولا خضرة، فقط صخرية بركانية صلبة، استغرقت منا معظم الوقت، في حدود سبع ساعات، رأيت فيها قرى كبيرة، وقصور شامخة، مثل حصن الحجرية، وحصن مقبنة، وحصن بعدان، وحصن إب، وهكذا. وحين سألت عن سبب هذه التسميات قالوا: “كل عريف مع الإمام من أَرْحَب، أو عُكْفِي، يحصل على نقود من المنطقة التي يرتب فيها لسنوات، يعمر في أرحب، ويذكر أن الإمكانيات من هذه المنطقة، فيطلق اسمها على بيته، أو قصره، في أرحب”.
وهناك تعليق للأستاذ النعمان، حين كان في “أَرْحَب” هو والإرياني والزبيري، أوائل عام 1965، كمعارضة لنظام السلال، والوجود المصري، فحين رأى “أرحب” ليس فيها لا شجر ولا تربة، اقترح على أهل “أرحب”، قائلاً: “عندي لكم حل يا أرحب.. انزلوا تهامة اعملوا لكم مستوطنات تعيشون فيها، واعملوا لكم شهر إجازة سنوية إلى أرحب عَبُّوْ نَخِيط، ثم عودوا إلى مستوطناتكم”.
ثم تمر على مديرية ذيبين- خارف، وهي من قبيلة حَاشِد، نفس الامتداد الصخري البركاني الموحش حتى “غُولة عجيب الجبلية. أما اليوم فالوضع يختلف مائة وثمانين درجة. لقد نقلوا الأتربة الخصبة من المناطق المجاورة لـ “أرحب”، من “بني الحارث” والجوف، وزرعوها في “أرحب”، التي صارت اليوم من أكثر مناطق البلاد إنتاجاً للقات، والحبحب، والخضار، والفواكه.
واصلنا مسيرتنا عبر “حَاشِد”، وحتى “حرف سُفْيَان”، ومن هناك اتجهنا شرقاً وصولاً إلى حيث المؤتمر الشعبي في منطقة “حير العش”، وهي على حدود “أرحب” و”المَطَمَّة” من الجوف و”سُفْيَان”. وصلت والمؤتمر على وشك الافتتاح. عُقِدَ في مكان عام، أرض فسيحة، على حدود “نهر الخارد”، الذي ينبع من “أرحب” بالأساس ثم يلتقي بـ “نهر مذاب” القادم من “آل عمار” و”سُفْيَان”، وجداول أخرى، وتذهب إلى أرض الجوف.
كانت جماهير القبائل المحتشدة تنتمي سياسياً ونظرياً إلى الجبهة الوطنية الديمقراطية، التي يقودها الحزب الاشتراكي، بما في ذلك تنظيم مجاهد القهالي، الذي كان قد التحق بالجبهة الوطنية، والقوى الأخرى هي التنظيم الناصري، الذي كان عدد كبير من قادته قد فروا إلى مناطق القبائل، حيث لهم قواعد وقيادات منتمية إلى قبائل المنطقة، وأخص بالذكر “قبيلة ذو محمد”، التي خرج منها قيادات عسكرية شاركت بالانقلاب العسكري الناصري في أكتوبر 1978، في أول عهد الرئيس علي عبدالله صالح، وأبرز هذه الشخصيات، والذين كانوا يقودون ألوية في سلاح العمالقة في ذمار، عبده بن حمود القحم، ومحمد بن حسن دارس، وهما من “خميس آل دمينة” من “ذو محمد” (وأنا من نفس الخميس)، ومن قبائل “نِهْم” المناضل الوطني الكبير حاتم أبو حاتم، ومن قبائل أخرى علي عطيفة، وعبدالله العليبي، ومن المشايخ، أيضاً، أحمد قايد بن حيدر، وعبده حبيش من “سُفْيَان”. ومن القادة البارزين الفارين من صنعاء إلى “بَرَط” المناضل الكبير والأستاذ العظيم عبدالقدوس المضواحي، الذي كان حاضراً في المؤتمر، وتعرَّفت عليه لأول مرة في هذا المؤتمر، وعلامة السر بيننا هي جار الله عمر. وقد تمتع المضواحي بشعبية جارفة في منطقة “بَرَط”، لأنه كان يعالج المواطنين مجاناً، ويذهب إلى مختلف القرى الريفية؛ من دعاه لا يتأخر. وكان يحب الناس الذين بادلوه الحب والاحترام. ولا أنسى حضور الشيخ صادق أمين أبو راس هذا المؤتمر.
كان الخلاف على أشده بين اتجاهين في هذا المؤتمر؛ الأول يمثله عبدالسلام الدميني ومعه قادة وكوادر وقبائل الجبهة الوطنية الديمقراطية، والاتجاه الآخر يمثله التيار الناصري، وكان عبدالقدوس المضواحي يحاول مسك الأمور من الوسط، وتقريب وجهة نظر الطرفين، وأنا بمجرد ما عرفت التوجهات، بعد أن أعطاني عبدالسلام الدميني موجزاً عن سير المناقشات والاتجاهات، انضممت لعبدالقدوس المضواحي وبالتنسيق مع عبدالسلام الدميني حتى لا ينفرط العقد.
كان الاتجاه الذي تمثله الجبهة الوطنية يدعو إلى تشديد حصار صنعاء، والحشد السياسي والعسكري كضغط على مسؤولي صنعاء حتى يتقاربوا من مطالب الجبهة الوطنية في الحوار السياسي، ووقف التصعيد على مناطق سيطرة الجبهة الوطنية الديمقراطية في “الوسطى” و”شرعب” و”العدين” و”عتمة” و”ريمة” والبيضاء، واتجاه الناصريين الذي يدعو إلى العمل السياسي، وعدم التسرع في تفجير الأوضاع، كون الناصريين خرجوا من الانقلاب العسكري مثخنين بالجراح، بعد إعدام كوكبة من القيادات الناصرية العليا، وعلى رأسهم البطل والسياسي والمنظر القائد الكبير عيسى محمد سيف، وعدد 23 قائداً من أبرز قادة الحركة الوطنية الديمقراطية اليمنية والقومية  الناصرية في بلادنا.
ولا شك أن مجاهد القهالي، وهو من التيار الناصري، كان مشاركاً في المؤتمر من خلال أصحابه، وهو أكثر انسجاماً لتوجهات الجبهة الوطنية الديمقراطية الذي كان قد انتسب إليها من خلال تنظيم التصحيح الناصري، أي كان مع وجهة نظر عبدالسلام الدميني. ولا أذكر هل جبهة 13 يونيو للتصحيح، التي شكلها مجاهد القهالي، قد كان تم الإعلان عنها أم لا في تلك الأيام، ولا أذكر أيهما تشكل الأول؛ جبهة 13 يونيو، أو تنظيم التصحيح الناصري.
هذه الفرصة ليست مناسبة للخوض في تفاصيل  المؤتمر الأول من نوعه في مناطق شمال الشمال، وفي قلب الكيان القبلي، ونتج عن المؤتمر بيان سياسي تم التوافق عليه، وكان للدكتور عبدالسلام الدميني، والدكتور عبدالقدوس المضواحي، اليد الطولى في صياغة البيان، وهما يملكان مقدرة سياسية وكتابية وفن الصياغات، ويعتبران من المبدعين في هذا الموضوع.
جاءني عبدالسلام الدميني إلى “برط” (“ذو محمد”)، والكثير من “ذي محمد” يتعامل معه أنه من “خميس آل دمينة”، لأن كنيته “الدميني”، ولهذا لم يكن لديه مشكلة أمنية في التحرك في “برط”، وقد زورته على مختلف مناطق “برط”، التابعة لـ “ذي محمد” و”ذي حسين”، وطلب مني أخذه إلى المكان الذي استشهد فيه أبو الأحرار محمد محمود الزبيري، وذهبنا معاً إلى منطقة “مداجر” (مديرية رجوزة ذو حسين) ووقفنا على التراب الذي ارتوى بدم الشهيد الزبيري، وقد وجه لنا، أنا وعبدالسلام، الشيخ درهم بن حميد الشايف دعوة إلى منزله، وهو كان مرافقاً للزبيري أثناء اغتياله، ووضع بين أيدينا كيسين من التراب الذي ارتوى بدم محمد محمود الزبيري.
كما التقينا، أنا وعبدالسلام، بالشيخ درهم الفلاحي (من “ذي حسين”)، أحد قتلة الزبيري، وهو واحد من ثلاثة اشتركوا في إطلاق النار على الزبيري، وثلاثتهم من “ذي حسين”، وكان الدكتور عبدالسلام الدميني حريصاً على معرفة الدافعين والممولين للقتلة، فحدثنا درهم الفلاحي، دون أن يخوض في التفاصيل، أن محمد بن الحسين بن الإمام يحيى هو من دفع لهم مصاريف، ومضخة مياه، لكل واحد، وراتباً شهرياً دائماً، كي يقتلوا الزبيري. وقال لنا الفلاحي إنه لم يبقَ من شركائه في الجريمة إلا هو فقط؛ واحد سقط من الجبل، بعد مقتل الزبيري، والآخر أصيب بالجنون، ولم يبق إلا هو (الفلاحي)، وكان يشعر بالأسى والحزن على قتله عالم فاضل كالزبيري.. وقد حاول الالتحاق بالجبهة الوطنية، وعثرت عليه في “العبر” (حضرموت) ونصحته بالمغادرة، وعدم البقاء، لأن الجنوبيين إذا عرفوا أنه قاتل الزبيري فقد يسجنوه ويقدموه للمحاكمة، وبالتالي “نَحْنَب” نحن، أنا وأصحابي من “آل أبو أصبع”، في تحركاتي، لأن أصحابه من قبائل “ذي حسين” لن يتركوه (“الغريم أو ابن عمه”، وسأصبح في هذه الحالة ابن عم النظام في الجنوب)، فغادر “العبر”، وكفى الله المؤمنين شر القتال.
وقد قال لي إنه لا يعرف من الذي هربهم من “سجن مهلهل” (حاشد)، الذي سجنوا، هو وزملائه، فيه بعد مقتل الزبيري، وسألته عن دوافع محاولة التحاقه بالجبهة الوطنية، فقال لي: “لا أخفي عليك أن من دفعني، وأقنعني هو محمد بن الحسين ابن الإمام، الذي يؤيد الوضع في الجنوب ضد صنعاء، الواقعة تحت النفوذ السعودي الكامل”، وفعلاً وشهادة للتاريخ أنني حملت رسالتين من محمد بن الحسين لقيادة الدولة والحزب في عدن، وكان يتواصل معي بواسطة أنسابه من “قبائل الشولان” (ذو حسين)، حيث تزوَّج منهم، وهم معي ملتحقين في الجبهة الوطنية الديمقراطية.
وفي المرة الثانية، طلب مني الشهيد عبدالسلام أن آخذه لزيارة بعض مناطق الجوف يريد الإلمام بالوضع السكاني والقبلي والجغرافي والزراعي، ويريد زيارة مناطق الآثار في محافظة الجوف.
يتبع..
اظهر المزيد

مواد ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق