تقارير

كيف استعمر الغراب الهندي عدن وهدد بيئتها

  • قبل حوالي 180 سنة، كانت مناطق اليمن الساحلية، خالية من طيور الغراب الهندي المنزلي، والتي تعود أصولها وموطنها إلى شبه القارة الهندية

  • مطلع العام 1840، قام بعض أبناء الجالية الهندية، العاملون في مستعمرة عدن بجلب أزواج من طيور الغراب الهندي، على متن سفينة من الهند إلى عدن

  • انتشرت الغربان من عدن إلى العديد من المدن الساحلية؛ تسللت أزواج من الغربان، عبر سفن البضائع، من عدن إلى الحديدة، وشرقاً إلى عمُان، وشمالاً إلى مدينة جدة

  • زوج من الغربان الهندية، تسلل، عام 1995، على متن سفينة بضائع، من عدن إلى جزيرة سقطرى، وتكاثرت في الجزيرة، واستغرق مكافحتها 15 عاماً، حتى تم القضاء عليها

  • في ثمانينيات القرن الفائت، حاول برنامج مكافحة الغربان في عدن، تخفيف جزء من الضرر، لكنه لم يتمكن من إبادة الغربان التي قـدّر عددها، آنذاك، بحوالي 250 ألف طائر

  • الهيئة العامة للطيران المدني والإرصاد، قالت عام 2007، إن أعداد الغربان الهندية في عدن، تزايدت بشكل كبير، ووصلت إلى نحو 2 مليون غراب

  • هيئة الطيران: الغربان الهندية أصبحت تشكل تهديداً للتنوع الحيوي لبيئة الأراضي الرطبة في عدن، وتحولت إلى كارثة حقيقية

  • تتسبب بنقل أمراض الإسهالات المائية بين السكان في عدن، وبمقدورها التعرف على الأشخاص، بمجرد مشاهدتهم وتفحص ملامحهم

  • يُعرف الغراب الهندي بقدرته على التكاثر السريع، ويُعَدّ واحداً من أكثر أنواع الطيور الغازية في العالم

تقرير خاص- “حلم أخضر”:

قبل حوالي 180 سنة، كانت مناطق اليمن الساحلية، خالية من طيور الغراب الهندي المنزلي، والتي تعود أصولها وموطنها إلى شبه القارة الهندية، وفي منتصف القرن التاسع عشر، ظهرت هذه الغربان الغازية لأول مرة في عدن جنوب اليمن، بعد أن جرى إدخالها بشكل متعمد، بمساعدة السفن التجارية القادمة من الهند.

يتناول هذه التقرير الخاص من حلم أخضر، بالاستناد على عدد من الدراسات العلمية، قصة إدخال طيور الغراب الهندي المنزلي إلى منطقة عدن، وانتقالها إلى مدن وسواحل اليمن، والجزيرة العربية والمنطقة برمتها، وكيف أنها تسببت بنقل أمراض الإسهالات المائية بين السكان في مدينة عدن؟.

الغراب الهندي في سطور

تؤكد دراسة (سليمان وطالب، 2011)، أن النطاق الأصلي لموطن الغراب الهندي المنزلي  House Crow، يمتد في جميع أنحاء شبه القارة الهندية، من سريلانكا شمالًا إلى نيبال، وغرباً إلى جنوب إيران، وشرقاً إلى اليونان.

ومنذ منتصف القرن التاسع عشر، انتشرت مساكن الغربان في معظم أجزاء المحيط الهندي، بما في ذلك شبه الجزيرة العربية وشرق وجنوب إفريقيا، وبعض جزر المحيط الهندي، وأجزاء من جنوب آسيا، وقد تم تقريباً انتقال الكثير منها بمساعدة السفن القادمة من شبة القارة الهندية.

وتفيد المعلومات، أن طائر الغراب، لديه قدرة على فهم نوايا الناس من حوله، وبمقدوره معرفة من الذي سيهاجمه؛ ولديه قدرة على التكيف السريع في موطنه الجديد، وهو يمتاز بالجرأة والذكاء الحاد والشجاعة.

وبمقدور الغربان التعرف على الأشخاص، بمجرد مشاهدتهم وتفحص ملامحهم، وقد استطاعت الانتقال من موطنها الأصلي في الهند وسيلان، إلى مناطق شبة الجزيرة العربية، عدن، وجدة، وعمان، وغيرها.

ووفقاً للمعلومات، يُعرف الغراب بقدرته على التكاثر السريع، إذ تضع الأنثى حوالي 2-5 بيضات، وتبلغ فترة الحضانة للبيض من 16 إلى 17 يوماً فقط، وتبلغ الفراخ سن الطيران وعمرها حوالي 21 إلى 28 يوماً.

إدخال الغربان الهندية إلى عدن

حتى نهاية القرن الثامن عشر، كانت منطقة عدن خالية من طيور الغراب الهندي، إذ كانت تصنف من أهم مناطق تواجد الطيور المائية والبرية المستوطنة والمقيمة والمهاجرة. وتشكل أراضي عدن الرطبة بيئة جاذبة لتعشيش الطيور المهاجرة، ومحطة هامة لتنقلاتها أيضاً.

وطبقاً لإحدى الدراسات العلمية، فإن أول دخول لطائر الغراب الهندي إلى منطقة شبه الجزيرة العربية، بدأ في منطقة عدن جنوب اليمن، حيث تم إدخال أزواج من الغربان بشكل متعمد، إلى مستعمرة عدن، من قبل السكان الهنود.

وفي أربعينيات القرن التاسع عشر، مطلع العام 1840، جرى إدخال الغربان الهندية، حيث قام بعض أبناء الجالية الهندية العاملين في مستعمرة عدن – إبان فترة الاستعمار البريطاني-، بجلب أزواج من طيور الغراب الهندي، على متن سفينة من الهند إلى منطقة عدن.

وتذكر أحد المصادر، أنه تم إطلاق سراح بعض الغربان في عدن، من قبل ضابط مشاة، وصل من بومباي، في أربعينيات القرن التاسع عشر.

ووفقاً لـ بارنز Barnes، يعتقد على نطاق محلي واسع، أن مهاجري جماعة البارسي Parsee(مجموعة دينية عرقية)، هم الذين قاموا بجلب الغربان من شبه القارة الهندية إلى عدن، في مناسبات عديدة، وأطلقوا سراحها وانتشرت في مدينة عدن. (Ash, 1984).

وتشير مقالة كولين رايال، إلى أن إطلاق الغربان في عدن بعد إدخالها عبر السفن، لا تكمن في كونها تسببت في إنشاء أول مستوطنة للغراب الهندي في المنطقة فحسب، بل تكمن أيضاً، في أن مستعمرة الغراب الضخمة، التي تطورت لاحقاً في هذا الميناء الدولي (ميناء عدن)، قد عملت لفترة طويلة كمصدر رئيسي لانتشار الغربان الهندية بمساعدة السفن، على المستوى الإقليمي والعالمي.

وقد تضخم هذا الانتشار من عدن، في مناسبات عديدة، من خلال وصول الغربان الهندية، على متن سفن قادمة مباشرة من الموانئ الهندية والباكستانية، إلى موانئ في الخليج وأماكن أخرى، ولكن من المستحيل تقييم الأهمية النسبية لهذين المصدرين.

في داخل اليمن، انتشرت الغربان من عدن إلى العديد من المدن الساحلية، تسللت ازواج من الغربان، عبر سفن البضائع من عدن إلى مدينة الحديدة، وشرقاً إلى عمُان، وشمالاً على طول ساحل البحر الأحمر إلى مدينة جدة، في المملكة العربية السعودية، ومناطق أخرى.

عدن: من 250 ألف إلى 2 مليون غراب

منذ ذلك التاريخ، أصبح طائر الغراب الهندي مقيماً بشكل شائع ومتزايد، في العديد من المدن والبلدات الساحلية، على طول مدن السواحل اليمنية، وخليج عمان والخليج العربي، وعلى طول الساحل العربي الجنوبي، وكذلك على طول ساحل البحر الأحمر: من باب المندب إلى خليج العقبة. (Ryall 2010)

انتشرت الغربان في العديد من الأماكن الساحلية القريبة من عدن، وأشارت إحدى التقديرات الى أن عددها بلغ في خمسينيات القرن الماضي، أكثر من 100 ألف غراب في منطقة عدن، وقد تطلب الأمر فعل شيء من أجل إبعاد الآفات.

بحلول الستينيات، كانت الغربان أكثر انتشاراً وتكاثراً في مناطق ومدن الجنوب، ووصل تأثير أعدادها إلى التسبب بعدد من الآفات المقلقة للسكان في مناطق: محافظة عدن، محافظة لحج، ومحافظة أبين.

تشير دراسة، إلى أنه في ثمانينيات القرن الفائت، حاول برنامج محلي لمكافحة الغربان في منطقة عدن، تخفيف جزء من الضرر، لكن هذا البرنامج فشل في النهاية، ولم يتمكن من إبادة الغربان، التي قـّدر عددها (آنذاك) بحوالي 250.000 ألف طائر، من طيور الغراب.

في العام 1989، وجد الباحث مايك جينينغز، أن طيور الغراب الهندي، قد انتشرت بكثرة في محافظة لحج، الواقعة على بعد 40 كيلومتراً من ميناء عدن، ولا يزال انتشارها هذا في عدن ولحج، يمثل أحد أكثر التجمعات السكانية الداخلية في شبه الجزيرة العربية. (مايك 1992).

وبحسب أحد المصادر، قدرّت أعداد الغربان المنتشرة في اليمن، في مطلع العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، بنحو 350.000 ألف زوج من الغربان، وعلى الرغم من ذلك، لم يكن لهذه الغربان تأثير واضح على إجمالي عدد السكان.  (Ryall, 2010 (Colin.

في العام 2007، أفادت تقديرات الهيئة العامة للطيران المدني والإرصاد، إلى أن أعداد الغربان الهندية في محافظة عدن، تزايدت بشكل كبير طيلة 30 سنة ماضية، ووصلت أعدادها إلى نحو 2 مليون غراب، وأصبحت تشكل تهديداً للتنوع الحيوي لبيئة الأراضي الرطبة في المدينة، وتحولت إلى كارثة حقيقية.

وفي العام 2009، أطلقت الهيئة العامة لحماية البيئة في عدن، حملة لمكافحة طيور الغربان، وبرغم أن الحملة لم تحقق الكثير من النجاح، إلا أنها تمكنت طيلة شهور من إبادة حوالي 35,000 ألف غراب، عن طريق دس السم في لحوم وأطعمة، تم رميها في تجمعات الغربان.

وبحسب تقرير سابق في حلم أخضر، تسلل زوج من الغربان الهندية، إلى جزيرة سقطرى في العام 1995، من على متن سفينة بضائع قدمت من عدن، تكاثرت الغربان وهددت بيئة الجزيرة، وقد استغرق مكافحتها 15 عاماً، حتى تم القضاء عليها.

الغراب ينشر أمراض الإسهال في عدن

أكدت دراسة بحثية، بعنوان: “دور محتمل للغربان في انتشار أمراض الإسهال في عدن”، أنه مع ازدياد أعداد طيور الغراب الهندي بشكل كبير في محافظة عدن، فإن هذه الطيور تلوث البيئة، بإلقاء مخلفاتها من البراز في جميع أنحاء المدينة، وهي مرتبطة بمشكلات صحية عامة مهمة.

استطاعت هذه الدراسة، التحقق من إمكانية قيام الغربان بدور في انتشار أمراض الإسهال المتفشية في عدن، ووفقاً للدراسة تم جمع 150غراباً، وتم إجراء فحص على كبدها وأمعائها، بحثاً عن أنواع من البكتيريا والطفيليات.

وخلصت الدراسة، إلى العثور على بعض الطفيليات، مطابقة لسلالات تم عزلها سابقاً، من مرضى يعانون من الإسهال في عدن، كما تم انتشال كيسات الجيارديا اللمبلية، وبويضات Hymenolepis nana من الغربان، وخلصت نتيجة الدراسة، إلى أن الغربان تشارك في انتشار أمراض الإسهال في عدن.

الغراب وعدوى أنفلونزا الطيور

من الأمور التي تثير القلق بشكل خاص في أيام الإصابة بحمى غرب النيل، وأنفلونزا الطيور، هي إمكانية تسبب الغربان المنزلية كناقل للأمراض البشرية، بسبب ارتباطها الوثيق بالإنسان.

فبحسب نتائج بحث طبي، ثبت أن طيور الغربان حاملة لمسببات الأمراض المعوية البشرية المحتملة، بما في ذلك جرثومة الأمعاء: سلمونيلا Salmonella وبكتيريا Campylobacter.

ونؤكد دراسة، أنه تم العثور على حالات عدوى من الغراب الهندي المنزلي، مصابة بفيروس أنفلونزا الطيور H5N1 في منطقة الشرق الأقصى، مما يجعل الأمر قضية صحية عامة، ومهمة للغاية.

وتشير أحد المصادر، إلى خطورة براز الغراب على صحة الإنسان، ونقل مسببات الأمراض التي تؤثر على الناس، وعلى الحيوانات الأليفة.

إذ إن براز الغراب الذي يلوث أسطح المنازل وشرفاتها وأرصفة المدن والسيارات، يحتوي على فطريات تنقل العدوى، تسمى كانديدا Candida، وهي تجعل المجتمع عرضة للإصابة بالأمراض الفطرية والفيروسية، بمجرد أن تصل عن طريق الماء أو الغذاء الملوث بها، وبالتالي الإصابة بالفطريات المعوية، والتي قد تسبب الوفاة للإنسان.

تأثير الغراب على البيئة

تشير عدد من الدراسات البيئية، أن الغراب الهندي المنزلي House crow ، يعد واحداً من أكثر أنواع الطيور الغازية في العالم، وهو يؤثر على أكثر من 25 دولة في جميع أنحاء المحيط الهندي، وشبه الجزيرة العربية وجنوب شرق آسيا.

ويرتبط الغراب ارتباطاً وثيقاً بالبشر، وهو يتسبب بعدد من التأثيرات السلبية على المجتمعات السكانية، حيث يخلق الغراب مشاكل عدة لمناطق التنوع البيولوجي الطبيعي، بالإضافة إلى التهديدات والمخاطر التي يتسبب بها طائر الغراب على صحة الإنسان والمجتمع والبنية التحتية، والتنمية بشكل عام.

إلى ذلك، تميل الغربان إلى القيام بالهجمات العدوانية على البشر، وعلى الطيور المتوطنة، حيث يقوم الغراب بتلك الهجمات، عند محاولته سرقة الطعام، أو الحصول عليه، وتشمل الآثار السلبية للغراب المنزلي: إتلاف المحاصيل الزراعية، وإلحاق الضرر بالماشية، وتلوث البيئة البشرية وإمدادات المياه، بالإضافة إلى خطر اصطدام هذه الطيور بالطائرات.

إن طيور الغراب الهندي، كنوع اجتماعي صاخب، يُنظر إليهم على أنهم مصدر إزعاج، لا سيما إثارة الضجيج حول مساكنهم الجماعية الكبيرة، في المناطق السكنية والسياحية.

وبحسب إحدى المراجع، تكمن خطورة الغراب الهندي على التنوع البيئي، في كونه يشكل تهديداً على العديد من الطيور البرية، حيث يصطاد الطيور الصغيرة والعصافير، ويأكل صغارها، ويلتهم البيض، بعد مهاجمة أعشاشها.

ويعد الغراب الهندي المنزلي، من الطيور الآكلة لـ اللحوم، إذ يتغذى الغراب على كل شيء حوله، مما يجعل منه آفة زراعية تهدد المحاصيل الزراعية التي يلوثها، أو يعرضها للتلف.

اظهر المزيد

مواد ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق