مقالات رأي

احتجازنا في لحج بسبب وجود قات معنا وزيارة أخرى إلى الجوف

40 عاماً على رحيل عبدالسلام الدميني وأخويه (5)

يحيى منصور أبو أُصبع

وعند عودتنا، أنا وعبدالسلام الدميني وآخرين، إلى عدن، مروراً بالضالع، حصلنا على قات هدية من الإخوان في الضالع، من قادة الحزب والجبهة. أخفينا، أنا وعبدالسلام، كمية لا بأس بها من القات، من أجل “نَخَزِّن” في عدن، التي كان يُمنَع فيها تعاطي القات عدا يومي الخميس والجمعة. وعند وصولنا الحوطة- لحج، عند نقطة معسكر عباس، جرى تفتيش “الشناط” التي في حوزتنا، وكذا السيارة، بعد أن شاهدوا آثار القات في أفواهنا، وكشفنا، طالب أصحاب النقطة من أصحاب القات رفع أيديهم، والوقوف على جنب، فطلبت من عبدالسلام عدم رفع اليد والإنكار. قال: “سوف يأخذون الشناط التي وجدوا فيها القات وفيها أوراق”. قُلتُ: “أحدنا يتحمل المسؤولية، والآخر يذهب عدن، ويحل مشكلة الذي سيجرى سجنه من هناك”.

فَضَّل د. عبدالسلام أن نكون الاثنين حتى لا “يطفش” الواحد لحاله، ونتصل إلى عدن. تم حجزنا وجرى التحقيق، ومنع الزيارة لمدة عشر ساعات، حتى جاء الأمر من وزير الداخلية بإحراق القات، وأخذ التعهد من المخالفين بعدم العودة وإطلاقهم، بعذر عدم معرفتهم بالمنع والتحريم.

اللطيف في هذا السجن أنني كنت أتحاور مع عبدالسلام حول الاتصال بعلي شايع، وزير الداخلية، فسمع المحقق واستغرب، وعند حديثنا عن معرفتنا بعلي شايع، نوع من تخويف الجنود، فقال لي هذا المحقق: “أنت تعرف علي شايع هادي بكُلُّه؟!”. قُلتُ له: “نعم، أعرف علي شايع، وأعرف علي عنتر”. فصاح: “يا عسكري، أدخلهم الحبس الداخلي، حتى لا يزيد الفَشر، ويقول أنه يعرف عبدالفتاح”.

وحصلت مشكلة عند وصول أمر الإفراج، فقد رد ضابط النقطة أنه لا يوجد مساجين بهذه الأسماء (يحيى منصور، وعبدالسلام الدميني)، وهذه مشكلة جديدة، لأننا أعطينا أسمائنا الحركية، والمتابع في عدن، طرح أسمائنا الحقيقية، إلا أن ضابط النقطة طلب منا الصدق فأخبرناه أننا قادمون من الضالع و”دَمْت”، وكنا مكلفين بمهمة، فقال: “إذاً، أنتم من الجبهة الوطنية”.. فأطلق سراحنا، ودعانا لحضور حفلة حرق القات الذي كان في حوزتنا حتى لا نفكر أنهم قد يتعاطونه أو يبيعونه.

كانت مقايل عدن الخميس والجمعة، والنقاشات على أشدها حول أفغانستان، والثورة الإيرانية الجبارة، والتدخل السوفيتي في أفغانستان. وكان الدكتور الشهيد في قلب هذه المجادلات والنقاشات، محللاً ومستنتجاً، باعتباره خبيراً بشؤون الاتحاد السوفيتي، وكانت الأغلبية الكاسحة مع التدخل السوفيتي العسكري، ومع الثورة الإيرانية، وكنت لوحدي شاذاً بين الإجماع، أو شبه الإجماع، ضد التدخل السوفيتي العسكري في أفغانستان، وأطرح أفكاري وتصوراتي بكل وضوح دون مراعاة أنني في بلد (اليمن الديمقراطية) حليف السوفييت. وما أثار ضجة ضد صراحتي في مقيل نجيب إبراهيم، عضو اللجنة المركزية، أنني أفصحت عن توقعاتي بهزيمة السوفييت، كما حدث للأمريكان في فيتنام، وأن أفغانستان فرصة من ذهب قُدِّمت لأمريكا، والقوى الإمبريالية والرجعية العربية، لخلق مستنقع يغرق السوفييت فيه باسم الدفاع عن الإسلام والمقدسات، فقد أَذَّنَت CIA “الله أكبر”، “حيا على الجهاد في أفغانستان”، فكان عبدالسلام يهدئني، وينصحني بأن المجاهرة هكذا غير مناسبة الآن، وأسر لي أن توقعاته المستقبلية تتفق مع توقعاتي، “لكن الناس هنا على يقين أن السوفييت سينتصرون مائة بالمائة، والجميع، وبفرحة غامرة، مع الثورة الإيرانية، وخاصة بعد تسليم سفارة إسرائيل للفلسطينيين، والإعلان أن كثيراً من قادة الثورة الإيرانية من الفلسطينيين في إيران”.

وكنت قد اقترحت على عبدالسلام أن نتبنى رأياً موحداً ونقدمه لقيادة “حوشى”، وسكرتارية الجبهة الوطنية، بذهاب وفد إلى إيران لتأييد الثورة، وقد تحمس لهذا المقترح جار الله عمر، زعيم “حوشي”، إلا أن تدخل صدام حسين، واكتساح مناطق واسعة من إيران عسكرياً، قد أحدث بلبلة وربكة وانقساماً وتموضعاً هنا وهناك، رغم صدور بيانات إدانة لهذا التدخل العسكري العراقي في أكثر من جهة في جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، والقول إن هذه الحرب العراقية- الإيرانية تخدم إسرائيل وأمريكا العدوين اللدودين للثورة الإيرانية، والثورة الفلسطينية، وبتمويل خليجي، حيث جرى تمويل هذه الحرب ثمان سنوات من أموال النفط العربي، الذي كان يفترض أن يذهب للتنمية. وبعد نهاية الحرب، دخل صدام الكويت، رداً للجميل على ما قدمته الكويت في دعم لا حدود له للعراق، فتحولت كل موارد النفط الخليجي لتمويل عاصفة الصحراء، التي أعلنها الجيش الأمريكي، وأكثر من ثلاثين دولة مشاركة، بما فيها دول عربية (السعودية، مصر، سوريا)، وبعد تدمير العراق وإعادته إلى العصور الحجرية، حيث تم تدمير الجيش والاقتصاد، وسحق كل مؤسسات الدولة، والإعلان عن إلغائها، حدثت فترة من الفوضى الخلاقة، على حد تعبير وزيرة الخارجية الأمريكية، كونداليزا رايس، التي لم يشهد العالم مثيلاً لها في تاريخه، وتشكلت عصابات لنهب الأثاث والآثار والمكتبات والمعارض والمتاحف واللوحات والوثائق والأرشيف. وأبرز من وقف خلف هذه العصابات إسرائيل والموساد الإسرائيلي. واليوم بعد العراق، واستباحته بالكامل، وغنيمة عشرين ألف عالم نووي عراقي من قبل أمريكا.. أصبح العراق في قبضة إيران. لقد كان العراق يمثل حاجزاً مانعاً وحامياً لدول الخليج وللبوابة الشرقية من الوطن العربي، وأصبح اليوم في قبضة إيران.. وتذهب دول الخليج اليوم للبحث عن حامٍ ومدافع عنها من إيران، فلم يجدوا إلا إسرائيل، والتوجه اليوم لتشكيل تحالف عربي إسرائيلي في وجه إيران، وبأموال النفط العربي الخليجي، وبنفس الأموال التي تم القضاء على الربيع العربي وثوراته العربية السلمية، ومن نتائجه تدمير سوريا وليبيا واليمن تدميراً كاملاً على مدى السنوات الثمان الماضية، والحبل على الجرار لبقية البلدان العربية وبأموال النفط الخليجي العربي. وأصبحت دول الخليج اليوم مستباحة لإسرائيل وخططها، والموساد يسرح ويمرح وبأموال النفط العربي الخليجي، وأصبحت هذه الدول ممنوعة ومحرمة على الشعب الفلسطيني الذي تنتهك حقوقه وتضيع قضيته بأموال النفط الخليجي، وأصبحت إسرائيل تعيش عصرها الذهبي مقابل العصر المأساوي للفلسطينيين والعروبة والإسلام.

عدنا إلى شمال الشمال عبر “العَبْر” (حضرموت على حدود الجوف.. والجوف وحضرموت بينهما حدود طويلة تقدر بأكثر من 300 كم)، وذهب الدكتور عبدالسلام إلى حيث مقره الأساسي في “أَرْحَب”، لدى محسن أبو نشطان، كمسؤول على محافظة صنعاء، وذهبتُ إلى “بَرَط”، حيث مقري الأساسي، في بيتنا، وأسرتنا، كمسؤول عن صعدة والجوف. وقد طلب مني الدكتور عبدالسلام أن أهيئ له زيارة إلى الجوف لاستكمال طوافه الأول، وخاصة في مراكز الآثار، فنصحته أن يمر أولاً عليَّ إلى “بَرَط” (خراب المَرَاشِي)، ومن هناك سوف آخذه إلى حيث يريد دون مرافقين كثيرين، وتجنب كل من هَبَّ ودَبَّ، والحرص على مرافقين حزبيين مجربين وعارفين للمنطقة، وبعيداً عن أي ضجة، ما دام والرحلة لغرض الاستطلاع والبحث عن الآثار وخريطتها، لأن ذلك يكلف الناس الذين نتصل بهم تكاليف مالية وخسائر، وبعضهم لا يقدر عليها، مقابل أنني وعبدالسلام مفلسين، ولا نملك شيئاً، وهذه حقيقة، فقد كان المخصص لتحركاتنا لا يكفي لصرفة يوم واحد. وأنا لا أبالغ في هذا أبداً، وكان اعتمادنا على الناس، وحماسهم ضد نظام صنعاء وضد التدخل السعودي، إلا أن تحركاتنا  بين المواطنين، وعلى حسابهم، جعلتهم يتوقعون حصولهم على الأسلحة والذخائر من الجنوب، لأن “المُصَلِّي رَاجِى من الله مغفرة”.

وسيكون لنا، نحن كقيادة، دور في إقناع وزارة الدفاع بهذا الأمر، وقد حدث هذا أكثر من مرة، ولكن ليس بنفس الكميات المهولة التي صرفت قبل مجيئنا، وتحملنا هذه المسؤوليات، وكان صرف السلاح قبل وصولنا عبئاً ثقيلاً علينا، كوننا نريد تأسيس عمل سياسي وحزبي (جبهوي) بعيداً عن السلام وعن الفلوس (أي بعيداً عن الارتزاق) الذي يقضي على كل عمل سياسي ومدني وحضاري.

التقيت عبدالسلام حسب الوعد بيننا في خراب المراشي (مديرية من مديريات بَرَط)، وتوجهنا إلى “المُتُون”، عاصمة الجبهة الوطنية بلا منازع، عند الرجل الوطني الفريد من نوعه في الجوف محمد عرفج حليمان (من آل عبيد بن حمد ذو حسين)، ورتب لنا كل شيء بهدوء وبصورة سرية إلى حد ما.. وذهبنا أولاً إلى “بَرَاقِش”، ثم مدينة معين، ثم آثار مدينتي البيضاء والسوداء، وكان معنا الشيخ أحمد السنتيل، من كبار مشايخ “بني نوف”. وسبحنا في وادي الجوف، والذي يتغذى من مياه “الخَارِد” و”مَذَاب”، وغيرهما. وكنا حين ندخل في مياه وادي الجوف تسحبنا المياه معها لكثرتها. وتقديري أن حجم المياه في الجوف أكثر من حجم مياه “وادي بنا” و”وادي عَنَّة” في العدين، أيام الأمطار الغزيرة، أما اليوم فلم يبقَ شيء من هذا إلا النزر اليسير. وفي هذه اللحظات، ونحن نستمتع بالسباحة، إذا بزخات من إطلاق النار قريب منا، وأحياناً فوق رؤوسنا، فطمأننا “السنتيل” أن هذه الاشتباكات العسكرية تحدث دائماً بين “بني نوف” و”آل حمد” من “ذي حسين”، على أراضٍ في حدود القبيلتين، منذ عشرات السنين، أي بين مديرية المصلوب ومديرية المتون.

المهم الاشتباكات قطعت علينا الفسحة، والسياحة المائية، ونحن في الطريق للغداء في “بني نوف” عند الشيخ أحمد السنتيل (طبعاً الشيخ محمد عرفج بن حليمان لم يأتِ معنا بسبب وجود المشاكل بين القبيلتين).. المانع هو الحرب، بالرغم من التفاهم بين الرجلين، ولكن هناك آخرين غير منتمين للجبهة الوطنية لا يقبلون بهذا الوفاق. ومعلوم أن الجبهة الوطنية أول ما كنا نسعى إليه هو وقف النزاعات المسلحة، وعمل صلح مؤقت قد يمتد سنوات، ويتم هذا المسعى بسهولة لثقة الناس بالجبهة الوطنية الديمقراطية، وخاصة بعد الصلح الكبير الذي أبرمه عبدالفتاح إسماعيل، رئيس الشطر الجنوبي، مع قبائل بَكِيل وحَاشِد وخُولَان بن عامر، عند تواجدهم بكثرة في الجنوب عام 1979م، وكان لمجاهد القهالي دورٌ في هذه الحشود القبلية.

يتبع..

اظهر المزيد

مواد ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق