مقالات رأي

المناضل عامر بن قريد الذي قُتِلَ دفاعاً عن الأرض اليمنية

40 عاماً على رحيل عبدالسلام الدميني وأخويه (6)

يحيى منصور أبو أُصبع

جاءنا، ونحن في الجوف، خبر مفاده أن المناضل عامر بن قريد أصيب بجروح، أثناء اشتباكاته مع السعودية على حدود البلدين، وهذا عامر بن قريد من قبيلة “ذو حسين”، مقاوم عتيد لا تلين له قناة للمساعي السعودية في الاستيلاء على الأرضي اليمنية، من قبل وجود الجبهة الوطنية الديمقراطية. وكنت مسؤولاً عنه بصورة استثنائية، وله شعبية ومعرفة وتقدير واسع لدى قبائل “دَهَمْ” المناوئين للتوسع السعودي، وكان يرصد باستمرار دخول السعوديين بالمعدات والإسمنت لوضع علامات في مناطق الجوف (الربع الخالي اليمني).

وكانت تقديرات عامر بن قريد أن السعوديين قد توغلوا عشرات الكيلومترات، بل وأحياناً مئات الكيلومترات داخل الأراضي اليمنية، وأن العلامات والآبار والمدارس التي تمت أيام عهد الرئيس إبراهيم الحمدي قد طمستها السعودية، وردمت الآبار لإدخال هذه الأراضي اليمنية ضمن أراضي المملكة السعودية. وقد أخذنا محمد عرفج بن حليمان، وعبدالله العصار، ومحمد الراعي، إلى منطقة بعيدة شرق “المهاشمة”، من بدري، بعد صلاة الفجر، على بعد أكثر من 150 كيلو متر من عاصمة الجوف (مدينة الحزم).

وعامر بن قريد لا يقيم في مكان واحد، ولا يمكن للسعوديين، من خلال استطلاعاتهم، من القضاء عليه، ولولا القرابة بين الأدلاء وبين عامر بن قريد، ما وصلنا إليه يومها، إلا إذا جاء هو إلى موقعنا، وخاصة تردده على “بَرَطْ”، عند تواجدي فيها. وحاولنا إقناعه بالتريث، وعدم الزج مع القوات السعودية في اشتباكات غير متكافئة. قال: “أنا أَغِيْر على الجرارات والحراثات التي تضع العلامات في الأرضي اليمنية، على امتداد الحدود؛ من “وَائِلة” في الغرب إلى حدود حضرموت غرب “الوديعة” و”الشرورة”..”، أي إلى حدود مديرية زمخ ومنوة الصحراوية الحضرمية.

وقد ارتاح جداً جداً من زيارتنا، ونصحنا بالحركة السرية حين  نكون على مقربة من الحدود السعودية، فحرس الحدود السعودي يطلقون النار على أي سيارة أو حركة تقترب من العلامات الحدودية الجديدة في أرضنا اليمنية. ولم نجد ما نمنحه من مساعدة له إلا رسالة موقعة مني، ومن الدكتور عبدالسلام، إلى “العَبْر” [إلى مسؤولي جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية في منطقة العبر]، لإعطائه بعض قطع الأسلحة الشخصية والذخائر، تعويضاً عن بعض ما فقده. ومن الضروري الإشارة إلى النهاية التراجيدية التي استشهد فيها هذا الوطني المدافع عن الأرضي اليمنية، حيث وضع له كمين من عدة أطقم، وأسلحة متوسطة، بعد مراقبته، ومتابعة تحركاته (لسنوات)، واشتبكوا معه في معركة حامية. ويقول من نجا من أصحابه إنه قاتل بشراسة، وألحق خسائر كبيرة بالسعودية، ودمر طقمين بالبوازيك، وقتل أكبر عدد منهم، وكادوا يفرون لولا استشهاده في أرضه. ويقول من نجا من أصحابه إنه كان يصرخ بكل صوته “النصر لليمن”، و”في القريب سينصرنا الله عليكم يا بني..”. هذا ما شهد به مرافقوه الذين نجوا من الكمين.

وحدثنا الناجون من أصحاب عامر بن قريد أنه طالبهم، قبل استشهاده، بمتابعة البطاقة الحزبية التي وعده بها يحيى منصور أبو أصبع، وهم في عدن، وكذلك وعد من عبدالواحد المرادي بإعطائه بطاقة العضوية في الحزب الاشتراكي، ليس حباً فيه وإنما كرهاً بالسعودية، التي تكره الحزب الاشتراكي. وكان يقول: “من تكرهه السعودية فهو وطني لا يفرط بالتراب اليمني”. وكانت آخر كلماته لأصحابه: “أرجوكم دافعوا عن أرض الآباء والأجداد ضد الغزو السعودي”.

هذا هو الشهيد عامر بن قريد. قال لي، ونحن في عدن، عند طلبه بطاقة الحزب، إن “أهم شرط لعضوية الحزب الاشتراكي هو الدفاع عن الأرض اليمنية، فمن أثبتت الأحدث أنه يقاتل ومستعد للشهادة دفاعاً عن بلده اليمن، فهو اشتراكي، أعطوه حتى  بطاقة عبدالفتاح، وإلا بطاقة برجنيف”.

بعد المعرفة بينه وبين علي شايع هادي، كان الأخير معجباً جداً بعامر بن قريد، لصدقه وصفاء سريرته، وحبه لبلده، ولهذا كان يستقبله على الدوام.

من الزيارات المهمة مع الدكتور الشهيد عبدالسلام الدميني هي زيارتنا للشيخ الكبير عزيز بن هضبان، والذي كنت أزوره في كل مرة آتي فيها من “العبر”. وحين سمع عبدالسلام عنه صَمَّم على زيارته، مع العلم أن عبدالسلام لا يتوقف عن التدوين وتسجيل كل ما يسمع؛ كراسة بعد كراسة، وفي نيته تأليف كتابين كل كتاب سينال به دكتوراه لأهمية المستجدات في المواضيع، التي لم يتطرق إليها أحد، أو يسبق لها دارس أو باحث بطريقة علمية وعملية حتى ذلك الوقت.

عرجنا على الشيخ بن هضبان، وسط عواصف ترابية لا ترحم، وفي شدة هذه العواصف الترابية التي تحجب الرؤية لمائة متر، وتحرمنا من رؤية الطريق، وبدون أن نشعر، من شدة تقلبات الرياح المثيرة لتحركات الرمال، اتجهنا شرقاً وجنوباً. ومن سوء الحظ أن البوصلة، التي كنتُ أحملها دائماً عند الدخول في الصحراء، لم تكن في حوزتي يومها، واضطررنا إلى التوقف عن المسير، والانتظار حتى تخف الموجة العاتية من الأتربة. كان كل واحد منا كأنه قطعة من الرمل، عيوننا وأفواهنا وآذاننا مليئة بالأتربة إلى درجة الإزعاج. تحرك أسنانك تقحط حصى. تمسح عينيك تضيف لها أتربة.

بعد أربع ساعات من الانتظار، بدأت العواصف تهدأ، والرؤية تتضح شيئاً فشيئاً، فقال الشيخ محمد صالح الراعي إننا قد تهنا وعلينا العودة باتجاه الغرب. ومشينا لأكثر من ساعة دون أن تتضح العلامات التي يعرفونها. وتشاء الصدف أن تعبر سيارة طقم (شاص) من بعيد، فأطلقوا النار في الهواء إشارة الاستغاثة، وإذا بالطقم يتجه نحونا، وإذا بالطرفين يعرفان بعض. قالوا: “إنكم متجهون صوب مأرب جنوباً”، ثم عرفنا الاتجاه، وواصلنا المسير، ونحن في حالة من الجوع الشديد، إلا أن الماء متوفر في السيارة. وصلنا، بعد غروب الشمس، إلى خيمة عزيز بن هضبان، فرَحَّب بِنَا “مَرْحَب الصوت” (يعني ضيافة وذبائح)، فترجاه محمد عرفج أن يكتفوا بذبح رأس واحد من “الجلب” (الأغنام). قال الشيخ إن العواصف الترابية كادت أن تفني الأغنام لمباغتتها فجأة، وأن عدداً من الأغنام قد طمرته الأتربة.

ودخلنا في أحاديث مع الشيخ بن هضبان حتى يجيء الأكل، وينضج اللحم. ومما قاله إنه، قبل سبعين أو ثمانين سنة، شارك في الهجوم على “الدرعية” في “نجد” (كانت عاصمة الدولة السعودية الأولى والثانية)، وعمره ستة عشر أو سبعة عشر سنة، بقيادة والده الشيخ حسن بن هضبان، وجمع من “قبائل دَهَمْ”، رداً على هجوم من أهالي “الدرعية” على مناطق “يَاْمْ” (“يَامْ” تشغل الآن محافظة نجران)، والذين استنجدوا بـ “قبيلة دَهَمْ”، وبالشيخ بن هضبان، وتمكنوا من أخذ أعداد كبيرة من الإبل والضأن والأبقار من “الدرعية”، وأن الملك عبدالعزيز جاء إلى الرياض من الكويت، وأقام إمارته بعد هذه الحادثة مباشرة، واتصل بمشايخ “دَهَمْ” و”يام” للصلح، وعدم الاعتداء من أي طرف.

وقال الشيخ بن هضبان، إنه يذكر أن والده قدم المساعدة أكثر من مرة للشيخ سلطان آل نهيان، الذي جاء إلى والده أكثر من مرة، وكذا لمشايخ عجمان والشارقة وقطر، وأنه قد زار هذه المناطق في عصر والده قبل وجود هذه الدول فقط الكويت والسعودية. أما اليوم فإن الشيخ زايد بن سلطان، وبعد تحسن ظروفهم وأصبحوا دولاً، قد قرر مخصصاً شهرياً (مال) له، ولآخرين من مشايخ “دَهَمْ”، الذين قدموا العون والمساعدة لوالده وله، أي لزايد ووالده سلطان، أيام الفقر والفاقة، وأنه ملزم بزيارة أبو ظبي سنوياً، وإلا يغضب الشيخ زايد، والمشايخ الآخرين.. وقد عرضوا عليه المال والدار والإقامة فرفض، لأن أرضه في الجوف برجالها وأوديتها وجبالها أجمل ما في الدنيا! وأضاف أن الشيخ زايد قدم له شهادات وأخبار أن آل نهيان من اليمن، وأنهم ينتمون لـ “قبائل دَهَمْ”. وسأل الدكتور عبدالسلام عن العلاقة مع السعودية، قال الشيخ هضبان: “مقطوعة وسيئة، بسبب أطماعهم بأرضنا، ودخولهم في حدودنا، وادعائهم أنها أرض سعودية”. وقال: “كيف هذا؟!.. قبيلة يام يمنية، هي جزء من قبيلة همدان بن زيد، والتي تضم يام وحاشد وبكيل، واستولى عليها السعوديون قبل ثلاثين أو أربعين سنة، في الحرب التي شنوها على الإمام يحيى، وأخذوا نجران وجيزان وعسير، وقد التقينا نحن وفد من أبناء الجوف ومن قبيلة ذو غيلان ودهم بالإمام يحيى حميد الدين، وعاتبناه على ترك الأرض اليمنية للملك عبدالعزيز بن سعود.. وعبّرنا عن رفضنا لترك الأرض اليمنية للملك عبدالعزيز بن سعود، وعبّرنا عن رفضنا لأي تنازل، والحرب سجال يوم لك ويوم عليك، وما ضاع حق وبعده مطالب.. اليوم نحن ضعاف من حيث العتاد والعدة، وغداً نحن الأقوياء، فقال الإمام يحيى: “إنما هي اتفاقية سلام على أن تبقى هذه الأراضي اليمنية (نجران وجيزان وعسير) بأيدي السعوديين لعشرين عاماً، ثم تعود لليمن، حسب نص الاتفاقية”. قُلتُ للإمام يحيى، باسم الحضور: “والله ما ترجع أرضنا من يد ابن سعود، فقد قام ملكه على السيطرة على أراضي الآخرين، وأكبر دليل أرض الحجاز، لأنه قد جعل علاقاته مع النصارى واليهود، وهم يشجعونه ويدعمونه، لأنه ينفذ مخططاتهم في السيطرة على بلاد الإسلام”.

عَلَّق الدكتور عبدالسلام الدميني قائلاً: “هؤلاء النصارى واليهود هم الاستعمار الذي فرَّق العرب، ومزَّقهم في اتفاقية سايكس بيكو”، وشرح للشيخ هذه الاتفاقية الاستعمارية بين فرنسا وبريطانيا.

قال الشيخ بن هضبان: “والله يا ولدي لو معنا دولة قادرة، وتدعمنا، نحن أبناء الجوف، بالسلاح فقط، ما يقدر السعودي يقف أمامنا شهراً واحداً، خاصة وإخواننا وأبناء عمومتنا يام الحلام معنا.. كل يوم يزورونا من يام، ويعودون”. ويواصل “بن هضبان” حديثه: “الملك عبدالعزيز لا يخاف أحداً إلا اليمنيين، أنا عرفته مرات ومرات، وهو طَمَّاع حتى بأراضي المشايخ في الإمارات وعمان وقطر والبحرين والكويت، وغيرها وغيرها، والآن أولاده، من بعده، على مسيرة أبيهم! أنهم اليوم منهمكون لنهب الربع الخالي، وهو من اليمن”.

وتابع: “قبيلة يام، ويام من قبيلة همدان بن زيد (يام وحاشد وبكيل). السعوديون يتقدمون اليوم ثم لا يجدون من يقف في وجههم، ينقلون العلامات إلى قدَّام باتجاه اليمن، وهكذا كل يوم يزحفون، وليس على الربع الخالي فقط، بل الآن يتوغلون في أراضي الجوف، وقد توغلوا كثيراً، ومن يعترض يقتلوه، ويحاولون شراء العقال والكبار بفلوسهم وبالتجارة، وبمحاولة التجنيس، ليغضوا الطرف، وهناك اليوم مشايخ حاشد وبكيل، والكبار منهم يأخذون ميزانيات ورواتب من اللجنة الخاصة، من سلطان بن عبدالعزيز لشراء سكوتهم وتنازلهم عن أي شيء، وعملاً بوصية الملك عبدالعزيز لأولاده كيف يتعاملون مع أبناء اليمن، وخاصة القبائل”. سأله د. عبد السلام الدميني: “ما هي هذه الوصية؟”، في تلك اللحظة دخل علينا الأكل، وشم وريحة اللحم يسبق الطعم، والجوع قد أخذ منا كل مأخذ. قال الشيخ بعد الأكل سنواصل الكلام.

يتبع..

اظهر المزيد

مواد ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق