لقاءات

مدير مستشفى الأمراض النفسية والعصبية في تعز لـ “الشارع”: 80% من اليمنيين بحاجة إلى دعم نفسي

  • مستشفى بـ 3 أطباء و2 ممرضين يستقبل ما بين 10 إلى 30 مريضاً نفسياً في اليوم
  •  مشكلة المرضى النفسانيين ستتفاقم في اليمن، بسبب الحرب، وتدهور الوضع الاقتصادي والإنساني لليمنيين
  • هناك 115 مريضاً رقود في المستشفى، ولا يوجد لدينا سوى طبيب وطبيبة وأنا، واثنين ممرضين ثابتين
  • لدينا، منذ سنوات، مريض مجهول الهوية، ونحن بحاجة إلى 7 أطباء، و 22 ممرضاً على الأقل، و7 باحثين نفسيين
  • الموازنة التشغيلية المخصصة لنا غير كافية، والأدوية غير كافية. نحن نمارس عملنا في ظل شحة في الإمكانيات
  • الحرب من أهم العوامل التي تتسبب في انتشار وتفاقم الأمراض النفسية، وهي تؤدي إلى مشاكل نفسية آنية ومستقبلية
  • لا توجد إحصائيات دقيقة، ولكن يمكن القول إن أعداد المصابين بالأمراض النفسية زادوا في اليمن بنسبة قد تصل إلى 25%
  • بعد حين سنكتشف حالات جديدة من الأمراض النفسية في اليمن، وقد يأتي وقت يتم فيه الحديث عن “متلازمة حرب اليمن”
  • هناك حالة الرهاب الليلي والهلع لدى الأطفال، ومتلازمة ما بعد الصدمة عند الكبار، وحالات الصرع عند مرضى التشنجات تفاقمت
  • هناك حالات من الاكتئاب والانطواء، وهناك ظاهرة الإدمان الجديدة نتيجة الفراغ والعجز، وغياب الرقابة الأمنية
  • مشاكل الجرحى والإعاقة قد تؤدي إلى ظهور مجموعة من الشباب الذين يكسبون أرزاقهم بواسطة العنف والاعتداء على الآخرين
  • تأتي إلينا حالات مرضية نفسية حرجة وحادة، لأن الأهل لا يستطيعون تحمل عنف المريض، ويعتقدون أن المستشفى سيتحمل ذلك بدلاً عنهم!
  • تحوّل المستشفى إلى مكان لإيواء المرضى وإعطاء العلاج، وبالإمكان أن يحصل هذا خارج المستشفى
  • البعض يترك المريض في المستشفى ولا يتابعه، ما يضطرنا لتسليم المريض إلى أقرب قسم شرطة، أو إلى عاقل حارة لإيصاله إلى أسرته

كثيرة هي المشاكل التي يواجهها مستشفى الأمراض النفسية والعصبية في مدينة تعز، وهو من بين ثلاثة مستشفيات حكومية تعمل في هذا التخصص في عموم الجمهورية، والوحيد الذي لا يزال يعمل تقريباً، بحسب حديث مديره. أهم تلك المشاكل تتمثل في غياب الإمكانيات، ومحدودية الكادر الطبي، وغياب الأدوية، وشحة الموازنة التشغيلية، وعدم القدرة على توفير غذاء صحي جيد للمرضى. إضافة إلى تخلي عدد من الأهالي عن ذويهم المرضى الموجودين في المستشفى.

مراسل “الشارع” التقى بالطبيب عادل مُلهي، مدير عام المستشفى، وأجرى معه هذا الحوار حول واقع المرضى، وأبرز المشاكل التي يعاني منها المستشفى.

تتحدث المعلومات عن زيادة أعداد المصابين بأمراض نفسية في تعز، واليمن بشكل عام، بسبب الحرب. عندما نتحدث عن الحرب، فإننا نتحدث عن عوامل كثيرة تقع تحت هذا المصطلح؛ فقدان للأهل والأحبة، وضع اقتصادي سيئ، انتهاكات يومية مروعة.. وما إلى ذلك. ما تعليقك على ذلك؛ أنت كطبيب، وكمدير لمستشفى الأمراض النفسية والعصبية في تعز؟
الحرب هي من أهم أساب الأمراض النفسية الشائعة، ليس لدينا فحسب بل على مستوى العالم. ما يسمى بـ stress، أي “الضغط”، أو التراكمات الضاغطة، أو الأحداث المؤلمة التي يقابلها الشخص في حياته. أهم حدث يقابلنا هذه الأيام نتيجة الحرب، هو العنف والقصف والفقر والحصار، وعوز ذات اليد، لأن من فقد راتبه ومنزله يصبح شريداً. وفي ظل عدم وجود من يقوم بتوفير البدائل يبدأ المسلسل؛ مسلسل الشعور بالدونية واحتقار الذات، والاكتئاب، ومن ثم قد يؤدي ذلك إلى نوع من فقدان القدرة على التمييز أو الانتحار. هناك مرضى نفسيون كانت حالاتهم مستقرة ثم تفاقمت بسبب الحرب، نتيجة للأحداث الضاغطة. المريض بحاجة إلى جو مريح، يحتاج إلى عدم تغلظ الجو، فعندما يغفو الطفل ويسمع أصوات الانفجارات إما أنه لن ينام حتى الصباح، أو أنه سيبقى يتفزع ويصرخ ويبكي حتى الصباح، وهكذا المريض، لن يستطيع أن ينام حتى لو شرب حبوب المنوم المتوفرة معه. الحرب من أهم العوامل التي تسبب الأمراض النفسية، ومن أهم عوامل تفاقم الأمراض النفسية.. وبعد حين سنأتي إلى حالات جديدة من الأمراض النفسية لم نكتشفها الآن، لأن المقاومة لدى الشخص جعلته مستقراً، ولكن بعد فترة، إذا تفاقمت عليه الضغوط، سينهار، فالحرب تؤدي إلى مشاكل آنية ومشاكل مستقبلية.

المحاربون الأمريكان في فيتنام إلى الآن تظهر نتائج الأمراض النفسية لديهم، ومن شاركوا في حرب الخليج إلى الآن تتحدث الكتب عن ما يسمى “متلازمة حرب الخليج”، وسيأتي يوم عندما تتفاقم الحالة ويتحدثون فيه عن “متلازمة حرب اليمن”، لأن الحالات المرضية الموجودة عندنا هي عبارة عن رأس جبل الثلج، إذ تكون قمته بارزة، ولكن قاعدته عريضة، وتحت الماء، فتأتي السفينة وتصطدم به، لأنها رأت رأس الجبل فقط. وما نراه اليوم هو رأس المشكلة، وسوف نجد مشاكل أخرى كثيرة.

بالنسبة للأرقام حول تزايد أعداد المصابين بالأمراض النفسية، لا نستطيع تحديد أرقام لذلك، ولكن هناك نسبة من الازدياد قد تصل إلى 25% في حالة الرهاب الليلي والهلع لدى الأطفال، ومتلازمة ما بعد الصدمة عند الكبار، وتفاقم

مريضان نفسانيان يتناولان وجبة الغداء داخل مصحة تعز

حالات الصرع عند مرضى التشنجات، والانطواء الاجتماعي. كما أن هناك ظاهرة الإدمان الجديدة نتيجة الفراغ، والعجز وعدم القدرة، وعدم توفر الرقابة الأمنية وغياب الدولة.. ونتيجة ذلك، ظهرت مشاكل الإدمان. مشاكل الجرحى والإعاقة تؤدي إلى مشاكل قد تفضي إلى حالات عنف، وإلى ظهور مجموعة من الشباب الذين يكسبون أرزاقهم بواسطة الاعتداء على الآخرين، فالمشكلة ذات عدة جوانب، تتطلب تظافر جهات متعددة، منها الجهات الرسمية والمنظمات، لمواجهتها.. وإذا لم يتم الانتباه لهذا سوف نواجه مشاكل نفسية لا نستطيع التصرف معها.
أسباب الأمراض النفسية موجودة في كل المجتمعات بنسب متفاوتة، لكن ما فاقم الحالة الجديدة في اليمن هو الحرب والفقر، والحصار المفروض على تعز، وأدى ذلك إلى تفاقم أعداد المرضى، وظهور أمراض نفسية جديدة. القات يعتبر سبباً جوهرياً من أسباب تفاقم الحالات النفسية ليس بسبب مباشر، ولكنه يكون سبباً في تفاقمها وعدم استقرارها.

كم عدد حالات المرضى التي استقبلها المستشفى خلال فترة الحرب، وكيف كان عمل المستشفى عندما كان واقعاً ضمن خطوط وجبهات القتال؟

المستشفى لم يتوقف عن العمل عندما كانت الحرب تدور في المنطقة التي يقع فيها، وحينها لم أكن أنا مسؤولاً عن المستشفى، بل كنت أعمل كطبيب فيه، وأحضر إلى المستشفى عبر “معبر الدَّحِيِّ”، تحت وابل الرصاص، وتحت تهديد عدم السماح لنا بالعودة إلى منازلنا. كان المستشفى يمارس دوره بشكل طبيعي، رغم الحرب والحصار، إلى أن تمت الغارات الجوية على مستشفى الحميات، وكان الانفجار كبيراً، وأدى إلى تكسير جميع نوافذ وأبواب مستشفى الأمراض النفسية والعصبية، فحصل هروب لمعظم المرضى، لكن نحن بقينا نواصل عملنا في المستشفى. حينها، لم يتم إغلاق المستشفى، ولكنه كان يعمل بأقل من قدرته؛ لأنه لا يوجد شخص عنده استعداد أن يواجه كل المخاطر كي يحضر إلى المستشفى للعمل. حينها، لم أكن أنا مديراً للمستشفى. أنا استلمت المستشفى عام 2019.

كم حالة يستقبل المستشفى يومياً، ومن أين تأتي هذه الحالات؟

المستشفى يستقبل الآن ما بين 10 إلى 30 حالة مرضية يومياً. عموماً، المستشفى هو المستشفى الحكومي الوحيد في الجمهورية الذي لايزال يمارس عمله في هذا الاختصاص. هناك مستشفى السلام للأمراض النفسية والعصبية في عدن، لكنه ليس بذلك الزخم، ولا يستقبل مرضى من المحافظات الشمالية، كما هو حال مستشفى الأمراض النفسية في تعز، الذي يستقبل مرضى من جميع المحافظات، دون النظر إلى انتماءاتهم الجغرافية. كان هناك مرضى يأتون إلينا، قبل الحرب، من صعدة وإب وذمار، لأن مستشفى صنعاء كان يتبع السجن المركزي، ومستشفى إب كذلك. الحديدة فيها مستشفى أمراض نفسية، لكنه شبه خاص. وفي صنعاء مستشفى الأمل لا يعتبر مستشفى حكومياً.. لهذا قلت لك إن المستشفى الحكومي الوحيد الذي يعمل في هذا المجال هو مستشفانا. عندما بدأت الحرب، قَلَّ عدد المرضى الذين يأتون إلينا قادمين من المحافظات الأخرى. ولا يزال لدينا مرضى من عمران وحجة وإب، مازالوا موجودين يتلقون العلاج لدينا في المستشفى، وأهلهم يتابعون حالاتهم بواسطة ناس موجودين هنا. ولكننا نحاول قدر الإمكان أن نجعل الدورة السريرية في المستشفى قصيرة، لكي يستوعب أكبر عدد من المرضى.

ماذا عن طبيعة الحالات المرضية التي تصلكم؟

لا أخفي بأن من يحضر، أو يتم إحضاره، إلى المستشفى إما شخص قام بعمل عنف في الأسرة، أو شخص لا يستجيب للعلاج، ولا تستطيع أسرته السيطرة عليه، أو منعه من تناول القات والمنبهات كي تستقر حالته. هذه هي معظم الحالات المرضية التي تأتي إلينا. وتأتي إلينا، أيضاً، حالات مرضية نفسية حرجة وحادة، لأن الأهل لا يستطيعون تحمل عنف المريض، ويعتقدون أن المستشفى سيتحمل ذلك بدلاً عنهم. نحن نحاول قدر الإمكان أن نناقشهم حول ذلك، ونُفَهِّمَهم أن المستشفى ليس مكاناً للإيداع، وليس مكان حجز، ولكنا نعجز عن ذلك، فنقبل المرضى من شهر إلى شهرين لهذا الغرض، وهذا عيب كبير في الأسرة اليمنية، أو أهالي المرضى عندنا، لأنهم يعتقدون أن المريض يجب أن يتم إيداعه في المصحة أو المستشفى للتخلص منه ومن العبء الذي يسببه لهم. ونادراً ما تجد شخصاً حريصاً على إيداع المريض في المستشفى لغرض علاجه فقط. يوجد لدينا مريض وحيد تم إيصاله إلينا قبل سنوات عديدة من مستشفى الثورة على حادث لا نعلم عنه أي شيء، وهو الوحيد المريض المزمن لدينا، وما سوى ذلك فلدينا مرضى مترددون نستقبلهم، من وقت لآخر، تحت إلحاح الأهل، وجهات أخرى، وبحجة أنه لا يوجد من يرعاهم في خارج المستشفى. هكذا، تحول المستشفى إلى مكان للإيواء ولإعطاء العلاج، وبالإمكان أن يحصل هذا خارج المستشفى، ولكن نحن لا نستطيع رفض استقبال المرضى. هناك مشكلة أخرى نواجهها؛ البعض يترك المريض في المستشفى، ولا يتابعه، ما يضطرنا لتسليم المريض إلى أقرب قسم شرطة، أو إلى عاقل حارة لإيصاله إلى أسرته؛ لأننا لا نستطيع أن نخرج المريض إلى الشارع بحكم أنه مريض عقلي، ونعمل محضر يوقع فيه رؤساء الأقسام داخل المستشفى، ونسلمه مع المريض إلى أقرب قسم شرطة أو عاقل حارة.

حدثنا عن الإمكانيات المتوفرة في المستشفى، وما الغائب منها؟

الدولة توفر ميزانية تشغيلية والأدوية للمستشفى؛ لكنها غير كافية، فنحن نمارس عملنا في ظل شح في الإمكانيات، ولكن بالمستوى الذي نستطيع عليه. الغائب هو، نتيجة للحرب، الموظفون والأطباء والممرضون.. كلهم نازحون. ولتعويض غيابهم، تم التعاقد مع موظفين جدد بالأجر اليومي، وهذا يثقل كاهلنا ويثقل كاهل المريض. المستشفى مركز

مستشفى الأمراض النفسية في تعز

خدمي حكومي مجاني، لكننا نضطر أن نأخذ رسوماً رمزية ألف ريال للقسم الخاص مجازياً، لأنه لا يوجد فيه شيء خاص.. كل ما فيه أنه صغير وعدد المرضى فيه قليل، والمريض يدفع فيه ألف ريال. وفي القسم العام مجازاً تُقَدَّم نفس الخدمة والعلاج والتغذية، بنفس النسبة والكمية التي يحصل عليها المريض هنا أو هناك، لكن في القسم الخاص عدد المرضى أقل. البعض يبتعد عن الوصمة يقول لك ما أشتي أطرح مريضي بجانب المرضى، وتقول له: هنا تمام، وكل الخدمات متوفرة تقريباً. هذا خطأ، وشيء غير سليم.. لا يصح أن تقوم مؤسسة خدمية حكومية بأخذ رسوم من المرضى، ولكننا نأخذ هذه الرسوم بطريقة رسمية، ويتم إيداعها في البنك المركزي، ولا يتم الصرف منها إلا بتوقيع مدير المالية. يعني الموضوع منظم، ونحن نأخذه نظراً للحاجة، ويتم توزيعه كمكافآت. نحن نحتاج إلى زيادة ميزانية التغذية وميزانية العلاج المخصصتين للمستشفى، ونحتاج إلى ملابس للمرضى، وتوفير المياه والكهرباء.. كل هذي الأمور نفتقد لها، ولكن نحن نقوم بالخدمة بالقدر الذي لا يعيب، ولكنه ليس المطلوب، وليس ما نطمح إليه.

نفهم من كلامك أن هناك قسمين في المستشفى؛ قسم عام وقسم خاص..

في القسم الخاص نأخذ ألف ريال عن كل مريض يومياً، ونأخذ 700 عن كل مريض يومياً في القسم العام. وموضوع الفرق بين القسمين لا يوجد شيء مميز، فالخدمة ذاتها تقدم للأمراض في كلا القسمين، اللهم أن عدد المرضى أقل في القسم الخاص، وفي العام عددهم كثير.

ماذا عن الآلية التي تستقبلون بها المرضى، وآلية علاجهم ومغادرتهم؟ ومن هو الذي يفترض أن يبقى ومن يغادر؟

أهل المرضى يريدون منك أن تستوعب المريض في المستشفى ليس بغرض علاجهم، بل لتحمل عبئهم وتخليص الأسرة منهم! فهناك مرضى نفسيون يضربون خواتهم، ويسرقون، ولا يرضون أن يستخدموا العلاجات، لهذا يريد أهلهم التخلص منهم! نحاول أن نفهم أسر المرضى أننا لا نستطيع استقبال المرضى لتحمل عبئهم، لكن لا فائدة. معي أخت أحد المرضى، عندما أقول لها ذلك تقوم تبكي أمامي وتطلب مني عدم إعادة المريض القريب لها؛ لأنه عنيف معهم في البيت، ويضربهم، ولا يرضى يستخدم العلاج، وإذا ما جابوا له، في يوم ما، حق القات، يجرجر أمه ويضربها، ويوم يأخذ تلفونات خواته ويكسرهم. هكذا، يصبح دورنا ليس لعلاج المرضى، ولكن لاستيعابهم حماية للآخرين منهم. لهذا، فقد تطول الفترة التي يبقون فيها عندنا، بحسب رغبة الأهل، بالرغم من إلحاحنا وإصرارنا على إخراجهم.. نتواصل معهم، يجوا يأخذوا أقرباءهم المرضى، لأنه مستحيل أن أخرج مريضاً إلى الشارع، وبقاء المرضى عندنا يسبب لنا كثيراً من المشاكل، لأننا لا نستطيع تلبية احتياجاتهم.. وهكذا يتم حرماني من الرسوم التي يفترض أني أحصلها.. ولما يجوا يشلوا المريض أعفيهم من دفع الرسوم المتبقية عندهم. لهذا، فالموضوع بحاجة إلى أن تتدخل معنا جهات أخرى، مثل الشؤون الاجتماعية والعمل، إدارة الأمن، لترتيب المرضى، بحيث يكون في أولويات.. يجب أن يكون العلاج بدلاً من البقاء عندي لمدة ٢٤ ساعة، يجي لي المريض الصباح يستخدم علاجه، ويحصل له الدعم النفسي ويعود إلى منزل أسرته، ويجي اليوم الثاني.. وهكذا. هذا سيحل كثيراً من المشاكل عندنا. لكن أهل المرضى لا يفهمون ذلك، ويقولون: “ليش عاد فعلوا مصحة؟!”. يعني المصحة عندهم عبارة عن سجن يجب أن يجلس فيه المريض! هذا غير صحيح، نحن نرفض ذلك. المريض كل يوم وهو يشتي يخرج من المستشفى، كل ما تجي له، يقول لك: “أي حين شتخرجنا يا دكتور؟!”، لكن الأهل يتركونك في خانة ضيقة أنت ما تختارها.. لا إنك قادر ترجم بالمريض إلى الشارع، ولا أنت قادر تسيطر عليه..

للأمانة الموضوع بحاجة إلى عمل آلية واستراتيجية مفهومة ملزمة.. يجب أن يأتي لي المريض وأنا مدعوم، أو أنا أكون مدعوم بتوفير الدعم من الجهة الرسمية التي أنا أقول لها: المريض لازم يخرج. تخرجه هي بطريقتها، وأنا في مسؤوليتي أننا ما رميت بالمريض إلى الشارع. نتمنى إذا كان هناك من يستطيع أن ينظم العلاقة ما بين الأهل والمستشفى بحيث تكون لصالح المريض، وليس لتلبية رغبة الأهل في التخلص من أعبائه ومشاكله.


كم عدد المرضى الموجودين لديكم في المستشفى؟

الموجودون حالياً 115 مريضاً.

كم مريض مجهول الهوية لديكم؟

مريض واحد مجهول الهوية، جابوه من مستشفى الثورة بعد حادث، لا أحد يعرفه. كان قبل فترة هناك مرضى مجهولون كثر في المستشفى، لكن تواصلنا مع أهاليهم، وأوصلناهم إليهم.

ما الذي تقدمونه للمرضى من علاجات، وهل هي متوفرة؟

مكتب الصحة يجيب لنا علاجات، صنعاء تجيب لنا علاجات، الآن قبل شهرين بدأت منظمة للدعم النفسي تجيب لنا علاجات.. المرضى المرقدون يحصلون على علاجاتهم الكافية، لكن نفتقر لعلاجات المرضى المترددين على المستشفى. يعني العلاج موجود، ولكنه ليس بالشكل الكافي الذي يؤهلنا لتأدية الخدمة بأكمل وجه، بحكم تنوع العلاجات.. هناك وجود علاجات جديدة وغالية جداً لا تستطيع الدولة توفيرها. نحن بحاجة إلى دعم بجانب العلاجات بالقدر الكافي الذي يستطيع أن يقدم خدمة. لكن للأمانة معظم المرضى المترددين على المستشفى يحصلون على علاجات.. معظمهم، وليس كلهم.. ولكن ليس بالكمية التي تكفي. مثلاً مريض الصرع يجي عندي يحتاج إلى علبتين، ثلاث، صوديو بلتريك، في الشهر، وأنا أعطيه علبة واحدة فقط بالشهر، لأن كل الذي جاء لي ١٤٠٠ علبة وقد له ستة أشهر، والذي با يجي لي بعد ذلك يعلم الله متى با يجي، فاضطر إلى أن أقلل الصرف، لكي يشمل أكبر عدد من المرضى. نناشد كل الجهات التي تستطيع دعمنا بالعلاج.. لا نريد مالاً، نريد علاجاً، ولن يتم صرف العلاجات إلا تحت رقابة الجهات التي ستقدمها لنا.

ما هي الاحتياجات الأخرى للمستشفى؟

نحتاج إلى دعم ميزانية التغذية، ميزانية العلاج.. توفير الملابس، الأغطية والأفرشة للمرضى.. المريض حقنا لا يراعي النظافة.. إذا كان المريض في أي مستشفى يلبس بدلة بالأسبوع، إحنا حقنا المريض يحتاج إلى ثلاث بدلات في اليوم. بند الملابس والتغذية والعلاج والمياه والنظافة العامة كل ما نحتاجه، مع دعم الكادر الطبي.. أكثر من طبيب يحصل على دقة من مريض، وخسر أسنانه التي فوق والتي تحت، ويرجع يعالج بنفسه.. كم يا ممرض انكسرت يده، كم من طبيب تعرض للضرب وتسحبب. لكن هذا طبيعي؛ نحن نتعامل مع ناس يجب أن نستحملهم. ونحن بحاجة إلى دعم الكادر بالطريقة الصحيحة عن طريق منظمات، عن طريق جهات أخرى، تدعمهم وتعطي لهم ما يكفي إلى جانب الراتب، والمتعاقدون يجب أن يدعموا بزيادة الراتب.. لكي نستطيع نقول لأي مريض ادخل بالمجان ونحن لسنا بحاجة إلى أن نجمع رسوماً كي ندعم الممرضين أو الموظفين. لأنه حتى الذي يستلم دعماً من الدولة راتبه لا يكفي حق المواصلات، يجب أن يكون في دعم ومكافآت وحوافز..

ماذا عن التغذية التي يقدمها المستشفى للمرضى، وهل هي كافية، ما هو مصدرها؟

لدينا متعهد تغذية يوفر وجبات بحسب عدد المرضى الموجودين.. يحصل نقص في الروتي.. وهناك جهات تدعم في هذا المجال. لا أعتقد أنه يوجد مريض لدينا لا يأكل، لكن المرضى النفسانيين تكون شهيتم، أحياناً، متوقفة، وطريقة أكلهم لا تؤدي إلى الإشباع.

لا يوجد مريض لا يأكل، مشكلة الغذاء أنه ليس بالقدر الراقي؛ لكنه مستساغ ومقبول ويؤدي الغرض. معنا متعهد

مريض نفسي يتناول وجبة الغداء في مصحة تعز

تغذية، معنا فاعلو خير بأيام العطل، في ناس يزودون المستشفى بالروتي يومياً.. هناك الحجة مريم تجيب، يوم أو يومين في الأسبوع، خمير للمرضى. الحجة مريم، “أم المساكين”، هذه تأتي إلى المستشفى من يوم تعينت أنا فيه، من أول يوم.. أتيت هنا في 2003، تجي توزع خمير للمرضى، وأحياناً كراث أو بصل أو موز، وأحياناً تمر.


ماذا عن الموازنة التي تقدمها الدولة للمستشفى، وهل تلتزم الجهات الرسمية بصرف هذه الموازنة؟

نحن نستلم الموازنة الخاصة بالمستشفى شهرياً، ولا يوجد مشكلة في هذا الأمر، لكن نحن نطالب بالزيادة ضعفين على الأقل.

ماذا عن المنظمات الإنسانية، هل هناك دعم تتلقونه من هذه المنظمات، ما حجم وطبيعة هذا الدعم، إن وجد..؟

منظمة الأمم المتحدة للسكان لديها مركز الرعاية النفسية بدأ العمل من قبل شهرين، وهو يزود المستشفى بعلاجات للمرضى الراقدين في المستشفى بحسب عددهم.

ماذا عن الكادر الطبي وفريق العمل العامل لديكم في المستشفى، وهل الأطباء متوفرون لديكم؟

لا يوجد لدى المستشفى سوى طبيب واحد، وطبيبة واحدة، وأنا. الممرضون الرسميون يوجد منهم اثنان في المستشفى، والبقية كلهم نازحون، وبقية الممرضين العاملين في المستشفى هم متعاقدون، لكن ليس هناك أطباء متعاقدين معنا. أنا بحاجة إلى 7 أطباء على الأقل، و 22 ممرضاً، وبحاجة إلى سبعة باحثين نفسيين على الأقل. المستشفى يحتاج ذلك، لكن لا يوجد توظيف جديد، فنضطر إلى أن نتعاقد مع أشخاص موجودين للعمل كممرضين، برواتب غير كافية. ليس لدينا القدرة على توظيف أطباء وباحثين وممرضين للعمل بشكل ثابت في المستشفى.

البعض يشكو من عدم حصول المرضى في المستشفى على علاج، ويشكون من ارتفاع سعر الرسوم في المستشفى.. ما ردك على ذلك؟ ولماذا لا تبحثون عن علاجات للمرضى من مكتب صحة تعز، أو من منظمات دولية؟

المنظمات الدولية موجودة، لكن المستشفى مغيَّب.. ما يقال عن عدم توفر العلاج المجاني هو يُقال من قبل مترددين على المستشفى، بل أشخاص كانوا مرتبطين بمنظمة عملت لهم استمارات وصرفت لها علاجات، وهذا لا يعتبر من مسؤولياتنا. المنظمة لا تتبع المستشفى، وليس للمستشفى دخل بها. نحن الآن نغطي عيوب المنظمة؛ نصرف للمرضى ما نستطيع من العلاجات الموجودة.. شفت الذي يأتون إلى المستشفى ومعهم الكرت الأخضر..؟ هؤلاء كانوا يستلمون علاجات مجانية لمرضاهم أيام ما كانت المنظمة تعمل في المستشفى.. الآن المنظمة تركت المستشفى، ولديها فرع خاص بها تحت المستشفى، وبإمكان هؤلاء الذهاب إليها. أنا لا أستطيع أن أحل هذه المسألة؛ أنا معي العلاجات التي هي موجودة، وهي علاجات تأتي لنا من مكتب الصحة.. لكن هناك ناس يكتبون علاجات تجارية ليست موجودة لدينا.. المنظمة جاية وماشية، ليست مستمرة، ولأن المريض مريضي أنا فقد تسبب ذلك بمشكلة لنا. مشكلة وصلت إلى جهات رسمية؛ بحيث أن المنظمة يجب أن تتبع المستشفى، لأنها تأتي للعمل لفترة بسيطة ثم تذهب، والمرضى يأتون، بعد ذلك، لنا نحن ويريدون أولوياتهم واحتياجاتهم، رغم أنه لا توجد أي حاجة تربطهم بالمستشفى إلا الكرت الأخضر التابع للمنظمة! أنا أصرف الأدوية الموجودة لدي، لكن ليست مهمتي أن أروح أبحث.. أنا مؤسسة حكومية ما يتاح أحصل عليه، وما أستطيع أن أحصل عليه أصرفه؛ لكن ما هو بالنسبة للمنظمة فهي لن تتبعنا ولسنا مسؤولين عنها أو عما يحصل من خلل في نقص العلاجات عندها.

يبدو المستشفى كما لو أنه سجن، والمرضى كما لو أنهم سجناء، ألا تعتقد أن المرضى النفسانيين بحاجة، في الأساس، إلى رعاية واهتمام نفسي خاص، وأماكن عيش جيدة ومناسبة فيها حدائق، وما إلى ذلك..؟

والله يقال “الجود من الموجود”، هذا الوضع الذي نحن موجودين عليه، ونحن نطمح أن يكون الوضع أفضل، ولكن ذلك ليس في يدنا. اعطني من سيوفر لي هذه الأشياء، وأنا سوف اشتغل معه. يعني هل أنا بيدي أن أعمل حدائق للمرضى، وأنا رافض؟! هذا مش بيدي. يعني، لما يقولوا: “تعال امسك هذا المستشفى”، أقول لهم: “لا، جيبوا لي مستشفى يكون فيه حديقة، ويكون على مواصفات دولية، أو ما با أشتغل؟!”. أنا أشتي مستشفى بمواصفات دولية، لكن لابد من دولة توفر لي هذه الإمكانيات. بالطبع، يعتبر التقصير من الدولة. المستشفى يعتبر أفضل من غيره، إذا جيت تقارنه بالمستشفيات الموجودة. المصحة النفسية في صنعاء موجودة داخل السجن المركزي، والمرضى فيها ما يشمون الهواء الجيد، ولا يخرجون منها. والمصحة النفسية في إب موجودة داخل السجن المركزي في إب، والمرضى فيها ما يشمون الهواء الجيد، ولا يخرجون إلى خارجها. نحن المستشفى الحكومي الوحيد في اليمن الذي يجد فيه المرضى النفسيون مجالاً، وتشوف المريض فيه يتمشى خارج المستشفى. هذا هو الوضع الموجود لدينا، ولكن إذا كان في إمكانيات لإصلاح أكثر بشكل أفضل فنحن نرحب بذلك، بل ونناشد أي شخص يمكنه مساعدتنا في تحسين الوضع أن يساعدنا.

كم تقدر عدد المصابين بالأمراض النفسية في اليمن، بشكل عام، وفي تعز على وجه الخصوص؟

لا تستطيع تحديد نسبتهم أو عددهم. يجب أن تقوم جهات وجمعيات ومؤسسات بعمل إحصاءات عن ذلك وتعلنها للناس. أنا لا أستطيع أن أقوم بذلك. أنا قلت لكم عدد المرضى الذين يصلون إلينا، وسأزودكم بمعلومات رسمية بذلك.

رسالتك الأخيرة.. لمن توجهها؟

نقول لكل المنظمات الإنسانية، وكل الجهات الرسمية، أن مشكلة المرضى النفسانيين ستتفاقم في اليمن، بسبب الحرب، وتدهور الوضع الاقتصادي والإنساني لليمنيين. أصبح 80% من أفراد المجتمع بحاجة إلى دعم نفسي، والدعم النفسي يجب أن يذهب هو للناس، ولا تنتظر منهم أن يأتوا إليك. يجب النزول إلى الأحياء والحارات، إلى القرى، لعمل مسح ودراسة اجتماعية نفسية لمعرفة حجم وطبيعة المشكلة لمعالجتها قبل أن تتفاقم.

اظهر المزيد

مواد ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق