رصيف

قاتل صامت يفتك بضحايا الحرب

  • أطباء نفسيون يؤكدون تزايد حالات الإصابة بالأمراض النفسية في اليمن بشكل عام، وفي تعز بشكل خاص

  • التداعيات الكارثية للحرب أصابت كثيراً من اليمنيين بأزمات وأمراض نفسية، وعدد غير قليل من المقاتلين لم ينجو من ذلك

  • طبيبة نفسية: كثير من اليمنيين يعيشون أوضاعاً نفسية صعبة، وحياة النزوح والتشرد أصابت كثيراً من الأطفال والشباب باضطرابات وأمراض نفسية

  • تفتقد مخيمات النازحين لمراكز الدعم النفسي، وهذا يزيد من المشكلة ويضاعفها

  • الحرب تصنع جيلاً غارقاً بالاكتئاب والاضطرابات النفسية، وليس فقط جيلاً غارقاً بالجوع والفقر والعذابات الجسدية.

تعز- “الشارع”- ملف خاص:

لا تتوقف تداعيات الحرب عند سقوط كثير من الضحايا قتلى وجرحى، أو إلحاق دمار مادي كبير في الممتلكات العامة والخاصة فحسب، بل تتجاوز ذلك إلى إصابة كثير من الناس باضطرابات وأمراض نفسية حادة وفادحة. وقوائم المرضى النفسيين بسبب الحرب، ربما تتجاوز قوائم القتلى والجرحى الذين يسقطون فيها؛ إن كان هناك إحصاء دقيق لذلك.

بالنسبة للوضع في اليمن، أكد عدد من الأطباء النفسيون، في أحاديث أجرتها معهم “الشارع”، تزايد حالات الإصابة بالأمراض النفسية بشكل كبير في اليمن بشكل عام، وفي تعز بشكل خاص.

ويبدو ذلك مفهوماً بالنظر إلى تدهور الوضع الإنساني والاقتصادي بشكل كبير في البلاد، بعد مرور قرابة ست سنوات على الحرب، ونزوح أكثر من ثلاثة ملايين شخص، وفقدان كثيرين لأعمالهم ومصادر دخلهم، واستمرار انقطاع الرواتب عن الموظفين الحكوميين. هذه التداعيات الكارثية للحرب ألقت بظلالها على أغلب اليمنيين، وأصابت كثير منهم بأزمات وأمراض نفسية. إضافة إلى ذلك، أصيب عدد غير قليل من المقاتلين في صفوف مليشيا الحوثي، أو في صفوف الجيش والمقاومة الوطنية، بما في ذلك جرحى ومعتقلين، باضطرابات وحالات نفسية.

في تعز، تظهر آثار الحرب واضحة في نفوس وعقول الناس. هناك قصص مأساوية كثيرة.

أطفال نازحون في مخيم جبل زيد بتعز، وملامحهم تفصح عن وضع نفسي صعب

طفلة في عامها الثامن تتمدد على سرير العلاج وقد بترت يدها، وطفل في سنته الخامسة يبكي لأنه فقد يده وقدمه، وثالث يدرس في الصف الخامس ابتدائي يعيش وضعا صعبا لأنه فقد عينه، ورابع لا يتحدث لأن وجهه تشوه، وخامس مذعوراً لأنه فقد أسرته بالكامل تحت نيران القصف.. هذه قصص أليمة ومتكررة تسببت بها الحرب التي تشنها مليشيا الحوثي، منذ أكثر من خمس سنوات، على مدينة تعز، وكارثة هذه المآسي، بحسب أخصائيين نفسيين، ليست إعاقات جسدية، بل إعاقات عقلية.

الشاب الذي فقد عضواً من أعضائه، وصار معاقاً بسبب الحرب، تحول، بسبب صعوبة وضعه المعيشي، إلى مريض نفسي. كثيرون حدث لهم ذلك. الآثار النفسية للحرب لم تتوقف عند المصابين بإعاقات وأمراض دائمة في الحرب، بل امتدت إلى أفراد من أسرهم، وهناك قصص لعدد من الأشخاص أصيبوا باضطرابات نفسية، جراء تعرض أقرباء لهم لإصابات أو إعاقات مزمنة.

الطبيبة النفسية افتخار محمد، تقول لـ “الشارع”: “حرمان الشباب والأطفال بشكل عام من التعليم، جعلهم ضحايا سهلة للأمراض النفسية، أوجد بينهم حالات نفسية معقدة وعنيفة. أصبح الكثير من الشباب مصابين بحالات نفسية صادمة ومتنوعة، لأسباب كثيرة، منها عدم تلقيهم تعليماً مناسباً وكافياً، هناك أطفال وشباب تسببت لهم حياة النزوح والتشرد اضطرابات وأمراض نفسية، وكثير من اليمنيين يعيشون أوضاعاً نفسية صعبة”.

تضيف الطبيبة النفسية افتخار: “النزوح من المنزل إلى حياة العراء، إلى مخيمات تفتقر لأبسط مقومات الحياة، يترك بصماته على الصحة النفسية للنازحين، لاسيما الأطفال

مخيم النقيع في معافر تعز

والشباب منهم، خاصة مع صعوبة تكيفهم السلوكي في سياق حياة جديدة صعبة وقاسية ومهينة كحياة النزوح. ومع مرور الأيام يتحول المشرد أو النازح، إلى محطة مؤلمة من محطات حياته يصعب على الذاكرة تجاوزها بسهولة، كما يصعب عليه في المستقبل أن يتناسى أثرها، لأنها، ولطول فترتها، ستصبح جزءاً من سيرة حياة مُرة”.

تتابع: “هناك آثار آنية يتعرض لها النازحون والمشردون، كالأذى والصدمة الناجمة عن مشاهدة حالات الموت ومشاهدة القصف والدمار، وتشرد الأقارب، والابتعاد عن المنازل والناس.. يتعرض النازحون لهذه الآثار، الأمر الذي قادهم، وسيظل يقودهم، إلى الإصابة بالمرض النفسي”.

المشكلة، أن مراكز الدعم النفسي غائبة عن مخيمات النازحين في مدينة تعز، وتقريباً هذا الواقع، هو ذاته في بقية المناطق والمدن اليمنية، وغياب الدعم النفسي يزيد من المشكلة ويضاعفها، وهكذا فالحرب تصنع جيلاً غارقاً بالاكتئاب والاضطرابات النفسية، وليس فقط جيلاً غارقاً بالجوع والفقر والعذابات الجسدية.

حيث تبدو الأمراض النفسية كما لو أنها وباء صامت يفتك بضحايا الحرب، بينهم النساء الأطفال.

اظهر المزيد

مواد ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى