تقارير

جولة داخل المصحة النفسية في تعز

  • 115 مريضاً يرتدون ثياباً ملونة، ويهيمون ذهاباً وإياباً في حوش وطواريد المستشفى، وأغلبهم صامتون وشاردون

  • تم وضع المرضى هنا دون وجود البنية والإمكانيات اللازمة والمطلوبة لعلاجهم فتحولت رحلتهم العلاجية إلى سجن وعذاب ذهني ونفسي مضاعف

  • يبدو المستشفى كما لو أنه سجن، وينام فيه المرضى على الأرض فوق فرش صغيرة

  • يعيش المرضى ظروفاً صعبة وحياة رتيبة ومملة، وينامون على فرش صغيرة على الأرض، وغالباً ما يكونون مقيدين، خصوصاً العنيفون منهم

  • أطباء وممرضون تعرضوا لاعتداءات عنيفة من قبل بعض المرضى

أحد المرضى:

  • أخي جاء وطرحنا هنا ومشى.. لي شهرين هنا، لا علاج ولا أدوية ولا مصروف.. هنا راجمين بي داخل سجن، ويقول لك مصحة!

  • نحن مساجين هنا، لهذا أشتي أقل شيء أشرب سجارة.. أخفف على نفسي هذه الكُرْبَة

  • مريض آخر: أشتي أخرج من المصحة، أنا ضائق وطفشان جداً

  • شاهد المحرر مريضاً يتناول الغداء بصعوبة، فسأله عن صحته. فأجاب: “يا أخي، ما فيش فَتَّة.. تجيبوا لنا دائماً هذا الأكل؛ رز وكدمة، وأنا حلقي يوجعني.. يا أخي ما فيش فَتَّة؟”.

تعز- “الشارع”- ملف خاص:

قبل نحو ثلاثة أسابيع، قام محرر صحيفة “الشارع” بجولة داخل مستشفى الأمراض النفسية والعصبية، الواقع في مدينة تعز، أو المصحة كما يسميها كثيرون. العديد من المرضى هنا يرتدون ثياباً ملونة، أقلها زرقاء اللون. يتجولون ذهاباً وإياباً في حوش وطواريد المستشفى؛ دون معرفة الوجهة أو الهدف.

أمام نافذة أحد أقسام إدارة المستشفى، وقف محرر الصحيفة ليلقي نظرة على المكان الذي بدا كما لو أنه سجن. ربما صار سجناً بالفعل لأسباب عدة، أهمها غياب الكادر الطبي والتمريضي اللازم، وعدم وجود الرعاية العلاجية الطبية الكافية.

كان أحد المرضى يتحدث بصوت عالٍ مع مريض آخر يقف جواره. مريض ثالث، انفجر

مرضى يمارسون الرياضة داخل المصحة

ضاحكاً دون سبب. مريض رابع يغني. أغلب المرضى صامتون وشاردون، كما لو أنهم ليسوا في المكان.

أحد المرضى اقترب إلى النافذة التي كان محرر الصحيفة يقف خلف الشبك الحديدي العازل فيها. رَحَّب المريض بالمحرر، دون أن يعرف هويته، وطلب منه “حبة سيجارة”. أخبره

المحرر أنه لا يدخن، فألحّ عليه بإعطائه مائة ريال، “قيمة دخان”؛ كي يشتري بها سجارة. أَلَحّ المريض على ذلك بإصرار عجيب، وعبارات ترجي متعددة وكثيرة. أدخل المحرر يده في جيبه، وأعطى الرجل ما يريد. ثم سأله:

  • “ليش أنت مُصِرّ هكذا على الدخان، وأنت مريض يتعبك التدخين؟!

رَدَّ المريض، بعد أن عَرَّف باسمه (محمد): “يا أخي، أنا مريض من جبل حبشي، وأخي جاء وطرحنا هنا.. لي شهرين هنا، ولا جاب لي مصروف، ولا لفتنا، وهنا راجمين بي داخل سجن، ويقول لك مصحة!”.

أضاف، مخاطباً المحرر، دون أن يعرف هويته: “هيَّا، بالله عليك، أين الطبيب، وأين الأكل، أين الاهتمام، وإلا العلاج؟! نحن مساجين هنا، ولهذا أشتي أقل شيء أشرب سجارة.. أخفف على نفسي هذه الكُرْبَة”.

لعله حديث عاقل، وليس مريض معقد! حديثه ربما يكشف أنه بحاجة إلى اهتمام فقط، وسينجو من المرض النفسي.. ولكن أين هذا الاهتمام؟ هذا هو السؤال.

يبدو، من حديث محمد، وكثير من المعطيات والمعلومات، أن هؤلاء المرضى لم يختاروا الدخول إلى المستشفى، وجيء بهم إليه دون رضى منهم. وتؤكد المعلومات إن أهلهم يأتون بهم إلى هنا قسرياً للتخلص من مشاكلهم والأعباء المترتبة عنهم.

والمؤلم أنه يتم وضع المرضى هنا دون وجود البنية والإمكانيات اللازمة والمطلوبة لعلاجهم. وهكذا، تحولت رحلتهم العلاجية إلى سجن وعذاب ذهني ونفسي مضاعف.

بعد دقائق، جاء إلى محرر الصحيفة مريض يدعى معتز، وطلب منه أن يسمح له الاتصال بأسرته. سأله المحرر: لماذا؟ أجاب: “أشتي أخرج من المصحة، أنا ضائق وطفشان جداً”.

قال معتز إنه يريد أن يتصل بشقيقه أحمد. أخذ المحرر رقم موبايل أحمد، واتصل به. رن الهاتف، ثم جاء صوت الرد منه.

  • أنت أحمد، شقيق معتز، المريض في مصحة تعز؟

  • أيوه نعم.

شَغَّل المحرر “اسبيكر” موبايله، وقَرَّبَه من معتز.

بنبرة حزينة، عاتب معتز شقيقه أحمد: “يا أخي، ليش طارحين لي شهر هنا بالمصحة، لا

معتز يملي، من خلف الشبك، على محرر الصحيفة رقم تلفون شقيقه

عالجونا، ولا شيء، ولا معي مصاريف! يا أخي، عيب عليك، أشتي مصاريف! تعال خَرِّجْنَا من المصحة، وإلا جبت لي مصاريف”.

رَدَّ عليه أحمد: خلاص تمام.. تمام.. حاضر، ولا يهمك.

انهى محرر الصحيفة الاتصال، وعاد للحديث مع مرضى آخرين، محاولاً رصد مشاكلهم وواقع الحياة داخل المستشفى/ المصحة. وكما قال مدير عام المستشفى، فعدد المرضى الرقود في المستشفى يبلغ 115 مريضاً، يتم، بين فترة وأخرى، إخراج بعضهم لاستقبال آخرين.

دخل المحرر إلى حوش المستشفى، حيث يجلس المرضى ويتجولون.

الساعة الـ 12 ظهراً، بدأ التحضير لوجبة الغداء، وبدأ المرضى يشكلون طابوراً طويلاً أمام المطبخ لاستلام وجبة الغداء الخاصة بهم.

عند بوابة المطبخ، التقطت عدسة “الشارع” صورة لرجل خمسيني يدعى محمد الشرجبي، سأله المحرر عن مشكلته، وتاريخ قدومه إلى المصحة.

قال الشرجبي إنه كان يعمل جندياً في القوات المسلحة، وكان يتقاضى راتباً قدره ثمانية

الخمسيني محمد الشرجبي أمام المطبخ لتسلم وجبة الغداء، وإلى جانبه الشاب معتز

آلاف ريال شهرياً (الآن 36 ألف ريال حسب قوله).

أوضح الشرجبي أن معاناته مع المرض النفسي بدأت منتصف تسعينيات القرن الماضي، مشيراً إلى أنه أحيل، مذاك، إلى التقاعد، وبدأ حياته كمريض نفسي. ومطلع عام 2000، بدأ حياته في مستشفى الأمراض النفسية والعصبية. لقد مضت عليه، كما قال، عشرون عاماً وهو داخل المصحة. 20 عاماً مضت على الشرجبي وهو في المصحة، لم تتحسن حالته الصحية، ولم تتغير حياته.

إلى جانب الشرجبي، كان يقف مريض آخر هو عبدالله مهيوب. قال عبدالله إن له فترة في المصحة، وأنه يمضي يومه فيها عبر الجلوس في طواريدها وحوشها، وانتظار وجبات الغداء والعشاء، أما الدواء والتطبيب فغير موجود، حسبما أفاد. ينتمي عبدالله إلى إحدى قرى منطقة العدين، التابعة لمحافظة إب.

كانت وجبة الغداء، التي قُدِّمت يومها للمرضى في المستشفى، عبارة عن صحن رز مع ربع حبة دجاج، وحبة كُدَم، وقليل من الطبيخ.

أخذ المرضى يتناولون وجبة الغداء بشكل منفرد، وبعضهم في مائدة مجتمعية. كان أحد

مريض نفسي يتناول وجبة الغداء في المصحة

المرضى يتناول وجبة الغداء بصعوبة، وبشكل منفرد. اقترب محرر الصحيفة منه، وسأله عن صحته، وما إذا كان يشعر بالمرض. أجاب: “يا أخي، ما فيش فَتَّة.. تجيبوا لنا دائماً هذا الأكل؛ رز وكدمة، وأنا حلقي يوجعني.. يا أخي ما فيش فَتَّة؟”.

أخذ الرجل يحادث المحرر كما لو أنه أحد المسؤولين عن المستشفى، أو أحد المشرفين عن وجبات الطعام المقدمة للمرضى. بشكل عفوي، قال له المحرر، بلغة تطمينيه: “إن شاء الله قريب با نكون نفعل لكم فَتَّة”. ابتسم الرجل، وقال: “إن شاء الله يكون صدق.. يا رب”.

يشعر المرضى أنهم حُبِسُوا هنا ضد إرادتهم، وإنهم يتعرضون للاختناق، والجلوس الانفرادي الهائم الطويل وغير المنتهي. أماكن إقامتهم هنا تشبه زنازين السجن، أكثر منها غرف المستشفى.

خلال جولته داخل المستشفى، وجد المحرر أحد المرضى يقبع منفرداً في غرفة تخلو من كل أدوات وأساسيات التطبيب.. غرفة مكونة من فرش وبلاط، وجدران مكسرة، يجلس

أحد المرضى في غرفة داخل المستشفى تبدو كما لو أنها سجن

المريض فيها لا يرى ضوء الشمس! هكذا يتم التعامل أحياناً مع المريض الذي تنتابه ظروف عصبية وتشنجات. يتم عزله في غرفة بهذا الشكل. قِيل إن هذا المريض دخل في مشاكل مع مرضى آخرين، فتم عزله في هذه الغرفة، حتى يتوقف عن إيذاء زملائه.

يعيش المرضى ظروفاً صعبة وحياة رتيبة ومملة في هذا المستشفى. ينامون على فرش صغيرة على الأرض، وغالباً ما يكونون مقيدين، خصوصاً أولئك العنيفون، والذين يعانون من تشنجات. مدير المستشفى، أكد أن عدد من الأطباء والممرضين تعرضوا لاعتداءات عنيفة من قبل بعض المرضى.

وهناك مساحة بسيطة في المستشفى يمكن للمرضى ممارسة الرياضة فيها، دون وجود أدوات رياضية تمكنهم من ذلك!

اظهر المزيد

مواد ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى