تقارير

اليمن.. غياب عيادات الطب النفسي وحضور لمراكز الشعوذة

 

  • لايزال النصابون من رجال الدين والمشعوذين يعملون بشكل مزدهر، في ظل غياب عيادات الطب النفسي وانعدام الأطباء النفسيين المؤهلين

  • في ظل غياب الإمكانيات، يستسلم البعض للمرض، في حين يلجأ آخرون إلى النصابين من رجال الدين والمشعوذين، على أمل العلاج بالقرآن والطب الشعبي

  • نَصَّابون باسم الدين يدّعون قدرتهم على علاج جميع الأمراض بالقرآن وطلاسم السحر

  • كل مريض يُقَال إن في داخله جني، أو تم عمل سحر له.. يتم استخدام القرآن لخداع الناس واستغلالهم وسرقة أموالهم

  • معتصم محمد: الفقيه قال إن أخي فيه سحر وأعطاه ورق طلاسم يعملها في ماء ويشربه، فجلس أخي يطرش لمدة أسبوع وزاد وضعه سوءاً

 
تعز- “الشارع”:

لم يعد الداخل إلى عيادات الطب النفسي مثاراً للغمز واللمز والسخرية، كما كان ذلك في السابق. جرت العادة الاجتماعية الشعور بالخجل من الأمراض النفسية، وإنكار إصابة الأقرباء بها. كان يتم النظر إلى المريض النفسي كمجنون. ولم يكن أحدٌ يريد أن يعترف بأن هناك مجنوناً في أُسرته! اليوم، تغير الوضع، وأصبح عدد غير قليل من الناس لا يشعرون بالخجل من وجود قريب لهم مصاباً بمرض نفسي. صار عدد من أهالي المرضى النفسيين يسألون عن عيادات الطب النفسي كي يأخذوا ذويهم المرضى إليها، لكنهم لا يجدونها.

قريب أحد المرضى قال لـ “الشارع”: “أين هي عيادات الطب النفسي التي يمكن أن نعالج بها أهلنا.. مافيش عيادات، ولا علاجات، ولا أطباء نفسيون في اليمن”.

“أم سمير”، أرملة لديها أربعة أولاد شبان، وتقطن معهم في حي عُصِيْفِرَة، في الجزء الشمالي من مدينة تعز. بحزن، قالت للصحيفة إنها تستعين بقراءة القرآن لتهدئة نفسها، ونفوس أبنائها الشبان الأربعة، مشيرة إلى أن الأكبر بينهم (سمير)، يعود إلى البيت يومياً “وهو في وضع غريب، يصرخ ويكسر ويضرب إخوانه، ويبكي”، ولا تعرف السبب، ولا تعرف كيف تتعامل معه.

توضح المرأة أن ابنها سمير كان يعمل في محل لبيع الأثاث في “جولة القصر”، وسط المدينة، لكنه فقد، منذ بداية الحرب، عمله، وتوقف عن دراسته الجامعية، “وأصبح تائهاً وبدون عمل ولا دراسة”.

تؤكد “أم سمير”: “وضعنا زاد سوءاً بعد موت زوجي بجلطة، مطلع العام 2018، ومنذ ذلك الوقت ونحن بدون مصدر دخل.. أولادي ما يشتغلوا، وما معنا شيء إلا ما نحصل عليه من مساعدات إغاثية ومساعدات من بعض الجيران والمعاريف والأقارب”.

تدرك المرأة أن ابنها سمير يعاني من مرض نفسي، لكنها لا تفكر بأخذه إلى عيادة نفسية لعلاجه، ولديها مبرر مقنع لذلك: “ما معنا حق أكل، كيف با نحصل حق العيادة والعلاج لسمير! نحن بالكاد نحصل على قوت يومنا.. ابني يحتاج إلى علاج نفسي، لكن ما فيش معنا إمكانيات لعلاجه، ولهذا نتحمله ونتحمل وجعه كل يوم”.
وتضيف، بنبرة حزينة: “ما أصعب هذا المرض، وما أقذره.. الموت أهون”. وتستدرك: “قد قال المثل الشعبي؛ لا تبكِ على من مات، ابكِ على من فقد عقله”.

 

في ظل غياب الإمكانيات، يستسلم البعض للواقع والمرض، في حين يلجأ آخرون إلى النصابين من رجال الدين والمشعوذين، على أمل العلاج بالطب الشعبي وبالقرآن، حيث يجري عادة استغلال الناس دون فائدة.

أماكن الشعوذة مزدهرة في تعز، وكثير من المدن والمناطق اليمنية. “مراكز العلاج بالقرآن الكريم” لاتزال تعمل، كـ “مراكز العلاج بالطب الشعبي والأعشاب”. يتم فتح هذه الأماكن بدعوى “العلاج بالقرآن” أو بدعوى “العلاج بالأعشاب”. والحقيقة أنه يتم، عبر ذلك، خداع الناس، واستغلالهم وسرقة أموالهم. يتم تقديم لهم جرعة من الوهم، وإخبارهم أن المريض النفسي في داخله جني، أو تم عمل سحر له، والقول إنه يحتاج إلى التداوي بالقرآن أو بالأعشاب! وعبر ذلك، يتم سرقة أموال الناس دون فائدة.

ولايزال المشعوذون يعملون اليوم بشكل مزدهر، في ظل غياب عيادات الطب النفسي، وانعدام الأطباء النفسيين المؤهلين.

الشاب معتصم محمد، قال للصحيفة إن والده اضطر لأخذ شقيقه المريض إلى رجال دين مشعوذين، أملاً في علاجه “بسبب عدم امتلاكه الإمكانيات والفلوس وقيمة العلاج”.

يضيف معتصم، وهو من أبناء مدينة التربة: “أبي أخذ أخي المريض إلى عيادة طبيب نفسي، فطلب منه الطبيب دفع 80 ألف ريال في جلسة العلاج الواحدة، وطلب منه أن يفعل لأخي أجهزة وفحوصات، وهي غالية الثمن.. ولأن أبي لا يمتلك هذه المبالغ، فَضَّل أن يأخذ أخي المريض إلى أحد الفقهاء (رجال دين) لعلاجه بالقرآن والأعشاب الطبيعية”.

ونفى معتصم أن تكون حالة أخيه المريض قد تحسنت، جراء علاجه عند رجل الدين: “لا تحسنت حالة أخي ولا شيء.. بالعكس زاد أخي مرضاً وتعباً أكثر، لأن الفقيه أعطاه ورق وطلاسم يشربها، على أساس أنها ستُخرج السحر الذي في داخله”.

تابع: “الفقيه، قال إن أخي مصاب بالسحر، وأعطاه ورق وطلاسم يشربها. بمجرد ما شرب أخي تلك الورق المكتوبة بالحبر السائل.. طرش.. جلس يطرش أسبوع تقريباً.. وكان أي أكل يأكله معدته ترجعه”.

هذه واحدة من عشرات القصص التي تجري في البلاد، من قبل رجال دين يستغلون جهل الناس، ويدعون أنهم يعالجون المرضى بالقرآن. هناك مراكز كثيرة تدعي معالجة جميع المرضى بالقرآن! إنهم مجرد نصابين، يجب إلقاء القبض عليهم، وإغلاق الأماكن التي يستخدمونها للنصب على الناس. نصابون آخرون يدَّعون قدرتهم على علاج الناس باستخدام الطب الشعبي!

لقد تحولت اليمن إلى ميدان واسع للمرض وممارسة أعمال النصب والاحتيال.

 

 

  • صندوق الأمم المتحدة للسكان: خدمات الصحة النفسية في اليمن مهددة بالخطر بسبب شُح التموي

 

مسؤولة الإعلام في صندوق الأمم المتحددة للسكان باليمن، فهمية الفتيح، إن خدمات الصحة النفسية في اليمن مهددة بالخطر، جراء شح التمويل.

وأضافت “الفتيح”، في تصريح صحفي أدلت به لوكالة الأناضول، في الـ 10 من أكتوبر الماضي، بمناسبة اليوم العالمي للصحة النفسية: “هناك طلب متزايد على خدمات الصحة النفسية في اليمن، بسبب الصراع المستمر، إضافة إلى جائحة كورونا؛ لكن هذه الخدمات الآن مهددة بالخطر في ظل شح الإمكانيات حتى نهاية 2020م.

وحذرت “الفتيح” من أنه في حال عدم تلقي التمويل بحلول نهاية أكتوبر المنصرم، سيتم إغلاق 21 مركزاً إما متخصصة بالدعم النفسي، أو تقدم خدمات تشمله في محافظات عدة، بينها إب وتعز وحضرموت.

وأوضحت: “هذا يعني أن 350 ألفاً لن يستطيعوا الحصول والوصول إلى الخدمات المتخصصة (طبية تشمل الدعم النفسي)، بينما لن يستطيع 40 ألفاً من الفئات الأشد ضعفاً الحصول على الرعاية النفسية”.

وأضافت: “في حال حدوث ذلك، سيؤدي، على الفور وبشكل كبير، إلى زيادة احتمالية تعرض الأشخاص الأكثر هشاشة لخطر شديد من الترهيب والعنف الذي يهدد حياتهم، كما أن الأشخاص الذين يتلقون الأدوية حالياً كجزء من رعايتهم النفسية سيكونون في خطر شديد من الممارسات السلبية والضارة”.

وأفادت “الفتيح”، أن هناك 6 مراكز دعم نفسي يدعمها صندوق الأمم المتحدة للسكان وتعمل في عدة محافظات يمنية، لافتة إلى أن صندوق الأمم المتحدة بدأ، عام 2018م، تقديم المشورة لليمنيين من خلال مراكز الدعم النفسي التي تقوم برعاية صحية نفسية متخصصة وسريرية بما في ذلك المساعدة الهاتفية.

وقالت: “قرابة 18ألفاً تلقوا دعماً نفسياً متخصصاً من خلال الخط السامر المجاني منذ عام 2018م، فيما تلقى أكثر من 25 ألفاً من الناجين من العنف الدعم النفسي عبر الاستشارة الشخصية”.

اظهر المزيد

مواد ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى