مقالات رأي

مزراحي الجاسوس.. مشاركة يمنية في حرب أكتوبر

لطالما شغلني الصديق والزميل العزيز فتحي القطاع، أن أكتب هذا المقال.

لقد ظل يكتب إليّ خلال فترة طويلة، حتى تملكه اليأس.

أرادني أن أكتب وأنشر قبل أن ينقضي أكتوبر، الشهر الذي قتل فيه الرئيس إبراهيم الحمدي، والذي شهد قبل ذلك بأربع سنوات حرب أكتوبر. كيف؟.

للرجل وللحرب علاقة بالموضوع الذي يدور حوله هذا الحديث، كما سنرى.

قال فتحي، إن مجلة “آخر ساعة” نشرت في ثلاثة أو أربعة أعداد متتابعة، حكاية مطاردة الجاسوس الإسرائيلي “باروخ مزراحي” الذي قُبض عليه في الحديدة، صيف 1972، بقلم الضابط الذي تولى التحقيق مع الجاسوس، ونقله من اليمن إلى مصر.

قال إن أعداد المجلة صدرت في 1974 أو 1975، وأنه اطلع عليها في المركز الثقافي العراقي في تعز، حيث كان يتردد عليه ذلك الوقت.

وما دمت مقيماً في القاهرة، فقد اقترح عليّ أن أزور المجلة، لكي أحصل على صورة ما كتبه الضابط، حتى أكتب وأستعيد طرفاً من الحكاية.

وأهم ما يعني فتحي فيها، تصميم إبراهيم الحمدي على تسليم الجاسوس للمصريين، أمام رفض وزير الداخلية، حينها، علي سيف الخولاني، خصوصاً أن مصر استفادت من المعلومات التي انتُزعت من المزراحي في حرب أكتوبر.

لم يغب عن ذهني اسم “باروخ”، منذ نشر خبر اعتقاله، وكنت طالباً في المدرسة الثانوية، وفي 2012 شاهدت المسلسل التلفزيوني “الصفعة” الذي روى الحكاية، ولاحظت خطأً في وصف الوظيفة التي كان يتقلدها إبراهيم الحمدي، ذلك الوقت، فقد قدمه كرئيس للأركان، ثم تنافر وجه الممثل الذي أدى دوره في لقطة قصيرة مع وجه الحمدي.

لا أخفي أن الموضوع أغراني، غير أن الحصول على أعداد “آخر ساعة” تعذر عليّ، حتى كنت في حديث مع أحد الأصدقاء، فجئت على هذا الموضوع، وقال لي إنه قرأ ذات مرة كتاباً عنوانه “جاسوس فوق البحر الأحمر”، ووجدت الكتاب في النت بتوقيع ماهر عبدالحميد”، وقرأته.

لست على يقين أن المسلسل التلفزيوني مأخوذ من هذا الكتاب، رغم أنه الآخر يقدم الحمدي في منصب رئيس الأركان، كما لا أرجح، بل لعلي أستبعد، أن المخابرات العامة المصرية زودت الكاتب بالمعلومات، أو وضعت ملف القضية في تصرفه، مثلما كان شأنها مع المرحوم صالح مرسي، صاحب الروائع “رأفت الهجان” و”الحفار” و”الصعود إلى الهاوية”.

ولو أن صالح مرسي كتب قصة مزراحي، لكان قدم لنا فاكهة لذيذة.

وأما هذا الكاتب، فأظنه انتثر بمعلومات متناثرة، وزاد إليها من خياله، فالصدفة وحدها – في ما قال – قادت إلى اعتقال مزراحي، حيث كان يلتقط صوراً في ميناء الحديدة عندما شاهده أحد الخفر، وأراد أن ينتزع منه الأفلام، فحاول رشوته بألفي دولار، وأثار من حوله الشك.

القصة على هذا النحو، تظهر الجاسوس الرجل بأنه شخص ساذج لا يصلح للعمل جاسوساً في جهاز عتيد كالموساد. والحقيقة كما وقعت، أن السلطات في صنعاء تلقت تحذيراً سابقاً من مصر، بعد أن حصلت المخابرات العامة المصرية معلومات من أحد مصادرها في إسرائيل، عن رحلة “باروخ مزراحي” التي بدأت في عدن، وكان مقرراً أن تنتهي في الإمارات العربية المتحدة.

وتضمنت مهمته تصوير مواقع حيوية في البلدان الثلاثة، إضافة إلى الاطلاع على تدريبات وأنشطة الفدائيين الفلسطينيين.

وقد قضى مزراحي في الحديدة أياماً هانئة يطوف الأسواق، ويتمشى في الساحل بكامل الطمأنينة.

ويوم كان مقرراً أن يسافر إلى أديس أبابا، ربما لموافاة عميل هناك بحصيلة أعماله، قبل استئناف الرحلة إلى الإمارات، زاره اثنان من ضباط الأمن في غرفته بفندق الإخوة، وطلبا منه الصور، فامتنع واحتج بأنها صور تذكارية، وأمام إلحاحهما تظاهر بالغضب، وهاج، وهدد بالاتصال بالسفارة المغربية، إذ كان التاجر أحمد الصباغ، يحمل جواز سفر مغربياً.

أسفر التفتيش عن صور ورسوم كروكية للميناء ولمواقع عسكرية، وجرى اعتقاله، وتم إبلاغ المخابرات العامة المصرية، بسقوط الجاسوس “باروخ زكي مزراحي”، فانتدبت المخابرات المصرية الضابط المكنى بالثعلب، وكلفته بالسفر إلى اليمن، للتحقيق مع الجاسوس.

ولم يكن الثعلب سوى ضابط المخابرات الداهية “محمد رفعت جبريل”، العضو السابق في تنظيم الضباط الأحرار، وأحد الضباط الذين زرعوا في إسرائيل “رفعت الجمال” الذي خلع عليه صالح مرسي اسم “رأفت الهجان” في الرواية المشهورة.

فيما بعد، سيتولى الفريق أول رفعت جبريل، رئاسة المخابرات العامة المصرية في الفترة 1983-1986.

غير أن أهمية المعلومات التي أدلى بها مزراحي، فقد تبين أنه ضابط خطير في غرفة العمليات الخاصة في جهاز الموساد الإسرائيلي، الأمر الذي دعا السلطات المصرية إلى طلب تسليمه حتى يُستكمل التحقيق في القاهرة.

وهكذا ذهب رئيس المخابرات العامة لوزير الخارجية الذي خاطب سفارتهم في صنعاء، وراح السفير لرئيس الوزراء اليمني، يطلب باسم الحكومة المصرية تسليم مزراحي، ووعد محسن العيني، بالنظر في الأمر.

ثم اتصل الرئيس أنور السادات بالرئيس عبدالرحمن الإرياني مرة ثانية، ولكن وزير الداخلية علي سيف الخولاني، عارض، بحجة أن واقعة التجسس جرت في اليمن، وفيها تم القبض على الجاسوس، ومن الواجب أن يحاكم في اليمن.

وتدخل إبراهيم الحمدي، وأقنع الإرياني أن محاكمة الجاسوس في اليمن ستكون عملية دعائية بحتة، لكن المصريين قد يجدون فيه ذخيرة مهمة.

وكان المحقق المصري حرص على أن يلزم الجاسوس بإجراء اتصالات مع رؤسائه في تل أبيب، حتى لا يخامرهم الشك في أنه وقع في المصيدة.

وحين كتب رسالته الأولى، أمره الثعلب أن يضع علامات الأمن، وهي لغة يفهمها ضباط الاستخبارات، لأنه من دونها سوف يفهم متلقي الرسالة أن مرسلها لم يعد طليقاً.

لكن وزير الداخلية علي سيف الخولاني، قطع حبل السرية حين عقد مؤتمراً صحفياً أعلن فيه القبض على جاسوس إسرائيلي.

وقد تسبب هذا في معركة صعبة بين جهازي المخابرات المصري والإسرائيلي. فقد سعت إسرائيل إلى تحرير باروخ أو قتله، إلى درجة أنها أرسلت فرقة كوماندوز أبحرت إلى اليمن من إثيوبيا (كانت إريتريا لاتزال جزءاً من إثيوبيا)، ولم تجد مصر طريقاً مؤمناً غير نقله بواسطة غواصة.

وأعود إلى موضوع الخلاف حول تسليمه، فإن فتحي القطاع، وهو يحكي بعض ما رسب في ذهنه من مقالات ضابط المخابرات العامة المصرية، يقول إن إبراهيم الحمدي، نائب رئيس الوزراء للشئون الداخلية، وكانت هذه وظيفته بالفعل، اقترح تسليم باروخ لمصر، وأن الرئيس الإرياني انحاز لرأي الحمدي، وقضي الأمر.

يقول أيضاً، إن الضابط محمد رفعت، أكد في ما كتب في “آخر ساعة”، أن مصر استفادت كثيراً في حرب أكتوبر، من المعلومات الثمينة التي حصلت عليها من ضابط الموساد الإسرائيلي.

أياً ما كان، فإن الواقعة توحي بين دلائل كثرة لمن كان يراقب الأحوال في اليمن، أن إبراهيم الحمدي هو القادم، وليس الدليل قوة تأثيره داخل النظام، وإنما فوق ذلك سعة أفقه، وانتماؤه العروبي، وإدراكه المعرفي للاستراتيجيا والحرب.

فما الذي تعنيه إسرائيل؟ وماذا تستفيد من صور ميناء الحديدة؟

بين كل الجثث التي كانت في الحكم، راحت عين الحمدي إلى باب المندب.

وبالقبض على مزراحي، وتسليمه لمصر، تكون اليمن قد أسهمت بدور غير مباشر في حرب أكتوبر.

دور سبق الدور الآخر، الذي اضطلعت به أثناء الحرب، عندما سمحت للبحرية المصرية بأن تغلق مضيق باب المندب.

* نقلاً عن “المشاهد نت”

اظهر المزيد

مواد ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق