مقالات رأي

تحول موقف الشيخ عبدالله 180 درجة من انتخاب علي عبدالله صالح

شهادتي عن عبد الوارث عبد الكريم والرئيس الغشمي (الأخيرة)

يحيى منصور أبو أُصبع

وتوجهنا، أنا والفسيل والرباعي، لطباعة البيان، كنّا قد اتفقنا، أنا والأستاذ الفسيل، أن نطرح على الشيخ عبدالله بن حسين الأحمر قضية إطلاق المعتقلين، عبد الوارث وسلطان ومن معهم. وصلنا حوش بيت الشيخ عبدالله، وفتح الرباعي محل المطبعة، وجاء الطبّاع، وأنجزنا تجهيز البيان من آلاف النسخ، ثم سأل الرباعي عن الشيخ لمقابلته. قِيْلَ له، وفي أذنه: “الشيخ في السعودية، من أمس الليل”، وإذا بالرباعي وقد أخذته المفاجأة، فأسودّ وجهه، وقَبَّع للسماء، وفَلَّت القلم ومفتاح السيارة من يده إلى الأرض. قُلتُ للفسيل: “اِمسك صاحبك لا يوقع في الأرض”، فصاح به الفسيل: “ألم أقل لكم تخوفاتي من الشيخ؟!”. وطلعنا السيارة، وإذا الرباعي يبحث عن المفاتيح.. أعطاه الفسيل المفاتيح، وقال له: “حتى المفاتيح استنكرت ذهاب صاحبك إلى السعودية، وطارت من يديك احتجاجاً على اللجنة الخاصة”.

وواصل محمد عبد الله الفسيل حديثه: “أتوقع أن يعود الشيخ عبدالله وقد تحول من جبل عالٍ كنا نستند عليه إلى كومة من القش تذرها الرياح في اتجاه الأمير سلطان واللجنة الخاصة المسؤولة عن الصرفيات والميزانيات المقررة لأصحابها في اليمن”. قُلتُ، مشاركاً في الحديث: “اتفق مع استخلاصات الفسيل، وإن جاءت تحت وطأة ذهاب الشيخ إلى السعودية، إلا أن هذا لا يعني أن الحياة توقفت، علينا أن نواصل بنفس القوة والحماس، وننتظر الحكم على الشيخ بعد عودته، وإذا فرضنا والشيخ عاد وفي جعبته رغبة السعودية وإصرارها على رئاسة علي عبدالله صالح (كان يطلق عليه الشاوش في جميع لقاءاتنا وفي الشارع) فهذا لا يعني توقفنا أو هروبنا من مسؤوليتنا، ونحن لسنا سذجاً من مواقف المشايخ المقربين دوماً من السعودية أنهم سيستمرون إلى نهاية المطاف، ونحن في الحزب كنا على ثقة أن السعودية قادرة على توجيه أصحابها وإلزامهم بمقترحاتها. المهم أن يواصل اللقاء الوطني جهوده ونهجه وخطه السياسي الذي اختاره في نظام مدني وضد عسكرة الدولة”.

وفي اليوم التالي، كان الحديث حول زيارة الشيخ، والجميع مقتنع أنه لن يعود إلا وقد تحول مائة وثمانين درجة هو وبقية المشايخ الكبار الذين لا يرغبون بمجتمع مدني، أو بدولة مدنية إلا إذا كانت مجرد شعارات فقط تخدم مصالحهم ورؤاهم التقليدية.

اقتراح آخر لزيارة الرئيس المؤقت، عبد الكريم العرشي، للاطلاع على ما جرى مع الوفد السعودي الذي زاره أمس العصر. وطلبنا أن نكرر طلب الإفراج عن المعتقلين السياسيين، عبدالوارث وسلطان وأصحابهما.

وصلنا منزل العرشي، وتحدث أحمد جابر عفيف عن زيارة الشيخ عبد الله للسعودية، وسأله: “هل تواصل معك، أو تشاورتم، قبل ذهابه؟”. نفى العرشي أي تواصل. وسأله أحمد جابر عن فحوى زيارة الوفد السعودي أمس. قال العرشي: “أهم ما قاله [الوفد السعودي] هو التلويح بترتيب القيادة القادمة للدولة على وجه السرعة على أن أكون نائباً للرئيس، أو رئيساً لمجلس الشعب”. وأضاف أنه رفض بحزم. شكرناه على موقفه القوي. طرحنا موضوع المعتقلين، والذي سبق وأن طرحناه عليه. قال إن الأمن لم يردوا عليه حتى اليوم.

وبعد خروجنا، اقترح أحمد جابر صياغة بيان يتناول التدخل الفج للسعودية، والإشارة إلى ضغوطهم على الرئيس المؤقت ليقبل بالنظام العسكري الذي ترتب له السعودية. ذهبنا بعد ظهر ذلك اليوم، وقبل التَّخْزِيْنَة (المِقيل)، إلى منزل الشيخ لنطبع البيان، ودخلنا الحوش، وأخذ الرباعي يفتح مكان المطبعة، وإذا المفتاح غير المفتاح، والقفل غير القفل. حاول، واستمر في المحاولة. تَلَفَّت على المفاتيح، يُقَلِّب ويُدَوِّر.. قال له الفسيل: “قد الباب ثاني”. صَاح الرباعي يطلب المسؤول عن المخازن، يطلب الطَّبَّاع، ولا حياة لمن تنادي، ثم سأل بعض معاريفه: “هل عاد الشيخ؟”. قالوا له: “نعم، هو نائم”. “ومتى عاد؟”. قالوا له: “صباح اليوم”.. والفسيل يدندن: “أصبحت الأسية سود وعاشت اللجنة الخاصة”، ثم يرقص ويغني في الحوش.

استأذنت أنا لأذهب، وأطلع قيادة الحزب على آخر التطورات، وقد قالوا لي: “نحن كنا نتوقع هذه النتيجة دائماً، وإنما كان تشدد الشيخ في البداية هو من أجل مصالح وترتيبات ما كان ليحصل عليها لو سلم من البداية”.

في اليوم الثاني، وفي اللقاء الوطني، نقص عدد المشايخ في هذا الحضور، وتم ترتيب الأوليات في نشاطنا على هذا النحو، ذهب الرباعي بمفرده للشيخ عبدالله، وذهبنا نحن إلى الرئيس المؤقت، لمعرفة لقائه بالشيخ عبدالله، وعلى أي مرسى وقف مركب كل منهما. وصلنا بيت العرشي، دخلنا الصالة.. دخلنا مكان الجلوس، والعرشي غير مستقبل حسب العادة. قال محمد عبد الملك المتوكل: “في كل مرة يستقبلنا في الصالة، واليوم يظهر أن لقائه بالشيخ قد نَسَّمَهُ ونزع منه التَّعْشِيْقَة”. وبعد دقائق، جاء الرئيس العرشي ملثماً، مغطي رأسه وجسمه بلحاف أغبر أو رمادي، وقال: “السلام تحية”. قال له عبد الرحمن مهيوب: “سِكِهْتَ الأذِيِّة”. وبعد جلوسه، فتح الحديث بنفسه، وبنصيحة للقاء الوطني أن يُقَدِّر ظروف البلد، هو قد تَوَصَّل مع الشيخ عبدالله أن النظام العسكري هو في مصلحة البلد، التي تواجه مخاطر كبيرة، ويدعو إلى تبني موقفه، وموقف الشيخ عبدالله، وأن رئيس الأركان (علي عبدالله صالح) عسكري فاهم، ومجرب وخبرته تؤهله لمسك زمام الدولة! وأضاف أن صحته متعبة، وقد نصحه أطباؤه بالهدوء والراحة، وتعاطي العلاج. خرجنا دون نقاش، وقلنا جميعاً إن ما تعرّض له العرشي من ضغوط سعودية، ومن الشيخ، ومن تهديدات متواصلة من علي عبدالله صالح على العرشي وتفجيره مع منزله إذا لم يَعْقُل (وهذا ما سمعناه من أكثر من مصدر)، والعرشي لا يقوى على تحمل هكذا تهديد، ولهذا فَضَّل السلامة، ورحَّب بما جاء به الشيخ من السعودية.

من بعد عودة الشيخ عبدالله من السعودية، تغيب بعذر عن الاجتماعات مجاهد أبو شوارب، ومحمد عبد الله أبو لحوم، وأحمد علي المطري، وحمود عاطف، وآخرون من المشايخ، وقال الرباعي إن اللقاء الوطني يتقوى بتطهير صفوفه من أنصاف الحلول، ومن البائسين، وهذا القول بعد لقائه بالشيخ عبدالله، صديقه وخدنه الحميم.

حتى ذلك الوقت، والأخبار تتوالى أن المجاميع العسكرية التابعة لعلي عبد الله صالح تواصل اتصالاتها وزياراتها لمختلف الشخصيات وأخذ توقيعاتها وتعهداتها على المصحف بالنسبة لأعضاء مجلس الشعب التأسيسي على اختيار علي عبدالله صالح سلامة للرأس ومصلحة للجيب.

وفي لقاء آخر، غاب علي حمود عفيف، وعلي صغير شامي، وأخبرنا أحمد جابر عفيف أن وفداً عسكرياً زاره وطلب منه العمل مع علي عبد الله صالح، وأنه اعتذر عن التوقيع، إلا أنه من الواضح أن شكل الرجل (أحمد جابر) ومضمونه وحركته لا تدل على الصحة والعافية والاستمرارية. قال يوسف الشحاري: “هيا يا رباعي ما عاد با يبقى إلا أنتم وعددكم خمسة، ولم يعد هناك جدول أعمال ولا مسؤوليات يومية، كما كان يعدها المقرر أحمد جابر عفيف”. فاقترحت على الرباعي والآخرين تغيير مكان اجتماعات اللقاء الوطني إلى بيوت آخرين، وعندما سمع أحمد جابر عفيف مقترحي لم يعترض، وظل صامتاً، وخرجنا نسحب أذيال الخيبة والعلوم السوداء.

وجاء يوم الفصل في مجلس الشعب التأسيسي، وجرى انتخاب علي عبدالله صالح بالإجماع إلا صوتاً واحداً ومعارضاً ورافضاً وهو في الميزان يساوي 99 صوتاً عدد أعضاء مجلس الشعب.. إنه صوت محمد عبد الرحمن الرباعي، الذي قال للغشمي: لا، وقال لعلي عبد الله صالح: لا، في انتخابات المجلس التأسيسي، في غضون أربعة أشهر تقريباً. لك المجد يا محمد عبد الرحمن الرباعي. وظل الرباعي حتى وفاته لم يتزحزح قيد أنملة عن قناعاته السياسية والفكرية بدولة مدنية قانونية حديثة وديمقراطية، وضد حكم العسكر، ومع الحريات العامة والتعددية السياسية والحزبية، والتداول السلمي للسلطة وحقوق الإنسان، ومع وحدة اتحادية متكافئة وبالتوافق بين الشمال والجنوب، ولم يتردد في تبني وجهة نظر الحزب الاشتراكي اليمني حول حل القضية الجنوبية على أساس توافقي وشراكة منصفة في إطار دولة اتحادية ديمقراطية من إقليمين.

وذهبت محاولاتنا أدراج الرياح، بهدف إطلاق المعتقلين السياسيين، عبد الوارث عبد الكريم، وسلطان أمين القرشي، وحسن الخولاني، وعلي خان، وعلي مثنى جبران، وعبد العزيز عون، وغيرهم، وتشظت وتطايرت مع الانفجار العظيم، والرئيس أحمد حسين الغشمي، ومهدي قاسم أحمد، أو الحاج تفارش، المبعوث الرئاسي لسالم ربيع علي (سالمين). ويأتي انقلاب أكتوبر الناصري، 1978، وجرى تصفية هؤلاء المعتقلين مع تصفية الناصريين. ويقال إن مشورة عبد الله الأصنج، ومعه محمد خميس وصالح الهديان، بالادعاء أن تصفية المعتقلين قد جرت أيام الغشمي، والحقيقة أن المعلومات التي تسربت تقول إنهم في عنق علي عبد الله صالح بعد الانقلاب الناصري.

المجد والخلود لعبد الوارث وسلطان ورفاقهما، ولمحمد عبد الرحمن الرباعي.

اظهر المزيد

مواد ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق