مقالات رأي

في ذكرى الاستقلال وبناء الدولة الوطنية في الجنوب

لا يكتمل الحديث عن “ثورة ١٤ أكتوبر” إلا بثلاثين نوفمبر ١٩٦٧، يوم الاستقلال، الحدث الذي شكل حلقة توسط بين مرحلتين للثورة:

  1. النضال من أجل الاستقلال الوطني ومقاومة المشاريع الاستعمارية.
  2. العمل من أجل بناء الدولة الوطنية، بتوحيد أجزاء الجنوب، وتحقيق الأمن والاستقرار والتطور الاقتصادي والعدالة الاجتماعية، بناء الإنسان صحياً ومعرفياً وعلمياً وسياسياً، التمسك بالميراث النضالي للحركة الوطنية اليمنية، دعم نضال الشعوب العربية وغيرها، من أجل الحرية والعدل والمساواة.

عدن “سفر التكوين” ومهد بناء الدولة:

بعد أيام، سيحل ٣٠ نوفمبر، حاملاً معه أسئلة كثيرة من التاريخ، وعن الحاضر، والمستقبل. سيبقى بناء الدولة الوطنية على رأس الاهتمامات التي لا يمكن للمؤرخ أن يتجاهلها فيما يتعلق بما أنجزه نوفمبر، وما خسره في نفس الوقت.

وستحظى عدن بأكثر الأسئلة، وأشدها عاطفة وإثارة، باعتبارها مهد الدولة الوطنية، والمكان الجامع الذي تشكلت فيه أحلام المناضلين الأوائل، وباعتبارها “سفر التكوين” الذي تبلور في منتدياتها ومعاهدها ونواديها، وفي المجرى العام لكفاح عمالها وشغيلتها ومثقفيها وأبنائها الكادحين، وكل القادمين إليها من مختلف أنحاء اليمن، جنوبه وشماله، وبلاد الكومنولث وغيرها.

في عدن، حط هؤلاء رحالهم، ونصبوا خيامهم في توافق إنساني هزم كل المحاولات التي ظلت تروج للانقسام العرقي، والتمييز المكرس للاستبعاد الاجتماعي القادم في قوالب مهربة من وراء أعالي البحار في صور مختلفة من التجارب العنصرية والطائفية وغيرها من تفريعات الانتقال من الاستعمار المباشر القديم إلى الاستعمار غير المباشر الجديد.

وستمتد الأسئلة لتشمل أبين ولحج وشبوة والضالع وحضرموت والمهرة وسقطرى، باعتبارها مكونات الدولة الوطنية التي حملت في جوفها مقومات النجاحات وعوامل الانتكاسات، وكانت بتضحياتها وثقافتها وفنها واقتصادها ومجتمعاتها وتراكيبها الاجتماعية وميراثها وعلاقات ما قبل الدولة تحمل نقيضين: الحالة الثورية المجسدة لروح الدولة الوطنية وبواعث نشوئها وقواها الجديدة وأهدافها وأحلامها، والحالة اللاثورية المجسدة للثقافة الانقسامية العالقة في موروث سياسي واجتماعي لم يكن للدولة الوطنية الوليدة أن تتجاوزه بالرغبة، أو بالإرادوية، وإنما بتغيير قوى وعلاقات الإنتاج، وخلق مصالح مادية وروحية لجميع السكان من منطلق المواطنة التي أخذت تتشكل بأسس قانونية ودستورية.

تناقضات ذات منشئ موضوعي:

سيسجل التاريخ أن هذه الدولة حملت في جوفها تناقضات ذات منشئ موضوعي تاريخي، وهي تناقضات طبيعية، أخذت تستولد منظومة من التحديات، التي كان أهمها على الإطلاق “الاندماج الاجتماعي” باعتباره انعكاساً للتطور كعملية موضوعية لا تتم إلا بالتطور الاقتصادي والاجتماعي، وخلق مصالح مشتركة تدار بنظام المواطنة الذي يحمي الجميع.

لقد كان من الطبيعي أن يتعايش القديم والجديد في إطار بنى الدولة الجديدة ومؤسساتها، وهي في تلك المرحلة المبكرة من التشكل، على أن هذا التعايش لا يعني الاستمرارية، فالنقيضان، بطبيعتهما، يحمل كل منهما عوامل نفي الآخر. غير أن هذه العملية تغدو معقدة فيما لو تركت دون إسناد سياسي واع لحالة الجدل التي ترافق عمل القوانين الموضوعية، والمتمثلة في العمل بمثابرة على تحويل وتفكيك القديم وإحلال الجديد بدلاً عنه. ولا بد من الاعتراف بأن هذا القديم لم يكن ممكناً تحويله وتفكيكه، ومن ثم تجديد المجتمع، إلا بتطوير علاقات وقوى الإنتاج من اقتصاد، ونظم سياسية، وعلوم، وفنون، وبنى تحتية وخدمات اجتماعية شاملة، وقضاء، وقانون، والأخذ بيد المرأة لبناء مكانتها في المجتمع كأحد أعمدته الأساسية، وإنصاف ودعم القوى الاجتماعية المهمشة، وتصفية الأمية الأبجدية في المجتمع؛ أي بناء هياكل التطور العام. والتطور، يعني فيما يعنيه الانتقال التدريجي المنظم من القديم  إلى الجديد.

التدخل بأدوات غير اقتصادية:

في تلك الظرف، كان من الطبيعي أن تكون مقاومة القديم قوية، لأن قوى الإنتاج التي تم الاستعانة بها لإزاحته لم تكن بالقوة الكافية التي تسمح بتحقيق ذلك بدون مشاكل وصعوبات حقيقية. فالوضع الاقتصادي لم يكن مؤهلاً لتسريع هذه العملية بأدوات التطور المادية، ولذلك فقد كان التدخل بوسائل غير اقتصادية محاولة لإنضاج التحول على هذا الطريق، إلا أن التدخل بوسائل غير اقتصادية قد يكون مفيداً إلى مستوى معين، ولكنه يصبح بعد ذلك مضراً، بل وعلى درجة عالية من الخطورة.

كان التدخل بأدوات إدارية وسياسية “ثورية”، لتعويض ضعف البنى الاقتصادية يتجاوز الحاجة في بعض الأحيان، وكان لا يلبث أن يرتد في صورة توترات اجتماعية، تتكثف بدورها في خلافات سياسية، كما حدث في الانتفاضات الفلاحية التي كان يراد منها تغيير علاقات الإنتاج في الريف بأدوات غير اقتصادية، ولم يستقم هذا الأمر على نحو متوازن بعد ذلك، إلا بعد أن تحقق في المجال الزراعي قدر كبير من الميكنة الزراعية، وإعادة تنظيم هياكل الإنتاج الزراعي، وإصلاح نظام الحيازة والملكية، والتسويق، وتحسن نظام الري، وإدخال نظم إنتاج لتعويض تسرب اليد العاملة منه إلى القطاعات الاقتصادية الحديثة.

والحال، أنه في المفهوم العام للتطور الشامل، لا غنى عن الاقتصاد، وتطوير وسائل الإنتاج، ومن ثم تغيير العلاقات الاجتماعية نحو التقدم.

البنى الحديثة للدولة، ولادة الطبقة المتوسطة:

مع خطوات بناء الدولة، يمكن القول إن تناقضات القديم والجديد تعايشت وتصادمت.. ومن هذا التصادم والتعايش بني نموذج لنظام سياسي واجتماعي مقاوم للهزات العنيفة التي تكررت على نحو موضوعي للأسباب المتعلقة بمقاومة البنى القديمة وتباطؤ الاندماج الاجتماعي، وكان أن أخذت الدولة تستقر داخل بنى حديثة ومعاصرة، وأخذ الناتج المحلي، والدخل الوطني يتكونان بمعدلات أسرع في القطاعات الحديثة، حيث أخذت الطبقة المتوسطة في هذه القطاعات تنمو وتأخذ مكانتها في البنية الاجتماعية، غير أن هذه الطبقة الهامة لم تجد فرصتها الكاملة لتكون جزءاً من العملية السياسية، إلا من التحق بعضوية المؤسسة الحزبية الحاكمة، وكان هذا الوضع مصدراً جديداً لمشكلة الاندماج الاجتماعي التي أخذت تجر عملية بناء الدولة إلى مواجهات ليس مع الموروث من التحديات القديمة، وإنما مع ما خلقه التطور من مخرجات في صورة تحديات جديدة.

وهو ما شهده البلد منذ أن بدأ بناء الدولة وإقامة نظام الحكم  بنفس “الحجارة” الموروثة وبأدوات حديثة وبمنهج وطني أتاح تمييز الصلب من الهش وذلك بمقدار ما أتاحت تفاعلات النهوض الوطني من فرص لمزيد من الاختيارات الناجحة.

لم تكن عملية بناء الدولة سهلة، فقد تداخل بناؤها مع إقامة نظام للحكم يستوعب الطبيعة الخاصة للجنوب المجزأ والغارق في بحر من التخلف، فيما عدا عدن وبعض المناطق الحضرية الأخرى. غير أنه بمجرد أن دارت عجلة التغيير حتى نشأت مشكلة العلاقة بين الدولة والمؤسسة السياسية الحزبية، فالدولة  اتسعت قاعدتها الاجتماعية مع نمو الطبقة المتوسطة، بينما أخذت القاعدة الاجتماعية للمؤسسة الحزبية الحاكمة تتشكل بشروط حادة أبقت قطاعات واسعة من هذه القاعدة الاجتماعية خارج المؤسسة السياسية، على الرغم من أن مؤسسات المجتمع المدني كانت قد استوعبت جزءاً من هذه القاعدة الاجتماعية، لكن هذا الاستيعاب لم يشكل تعويضاً كاملاً لحاجة الكثيرين إلى الانخراط في العمل السياسي، وظلت هذه واحدة من الأسباب التي أخذت تضغط باتجاه التوترات السياسية والاجتماعية التي كانت تشتد على المؤسسة السياسية الحزبية، فتعمل على احتوائها بتوسيع قاعدة المشاركة في أبنية الدولة ومؤسساتها، وتوفير الخدمات الاجتماعية، وفرص العمل، والتعليم بمستوياته المختلفة ومجانية التطبيب، وتحقيق قدر كبير من العدالة الاجتماعية، عبر نظام عادل لإعادة توزع الدخل.

لكن التغيرات الكبيرة التي أخذت تصيب المجتمع الريفي والتقليدي كانت تدفع بآلاف الباحثين، ممن تأهلوا علمياً ومهنياً، عن فرص للعمل في القطاع المدني، وهو ما رفد الطبقة المتوسطة بقوى إضافية مع ما ولدته من ضغوط على الحياة السياسية.

كان تصنيف الطبقة الوسطى بالبورجوازية الصغيرة قد أفضى إلى التمسك بتعريفات تضمنت موقفاً أيديولوجياً أقرب إلى الخصومة الطبقية منه إلى إدراك ما تحمله هذه الطبقة من نزعة متقلبة تجعلها في مركز اهتمام الدولة، ومن ثم العمل على استيعابها أو السماح لها بخلق تعبيراتها السياسية. تجاهلت القيادة السياسية أن هذه الطبقة لم تكن سوى ما أسفر عنه بناء الدولة من مخرجات، ولم تكن موروثة حتى ينظر إليها بأنها غريبة المنشأ وبخصائص تتناقض مع الجوهر الاجتماعي للنظام السياسي، ولذلك كان من الطبيعي أن يتشكل قدر من التباعد الذي كانت له آثار سلبية على القاعدة الاجتماعية للنظام، باعتبار أن هذه الطبقة هي جزء أصيل من هذه القاعدة، لكنها لا ترتبط بها إلا بروابط يملؤها الشك من الطرفين.

الجميع أبناء بيئتهم:

في عملية التعايش والصراع تلك، لم يكن أي طرف من الأطراف مختلفاً عن الآخر، عندما يتعلق الأمر بعلاقته بالموروث الذي شكل تلك التناقضات، وبالثقافة الملتبسة في فهم التقدم والتخلف، ناهيك عما تولده عملية بناء الدولة من تبدلات على صعيد البنية الاجتماعية وما تنشئه من مصالح متعارضة. غير أن الموقف من إدارة هذه التناقضات كان هو الذي يميز هذا الطرف أو ذاك، ذلك أن اللجوء إلى العنف والقوة لطالما تسبب في أضرار ضخمة، وكان بمثابة المسبار الذي يكشف أكثر الأطراف تأثراً بهذا الموروث، مع أن الجميع كانوا أبناء بيئتهم التي تشكل جانباً من ثقافتهم ووعيهم الاجتماعي، والذي غالباً ما تسبب في نشوء وعي سياسي متراجع عما تعبر عنه المؤسسة الحزبية من موقف متقدم.

كان العنف غالباً ما يغطيه القرار المؤسسي الحزبي، عدا حالات معينة كان يتم فيها العنف ضد قرار المؤسسة السياسية الحزبية. وبينما كان العنف الذي يتم دفاعاً عن قرار المؤسسة السياسية (الحزب) لا تتجاوز آثاره المؤسسة الحزبية ومؤسسات السلطة، لأنه يحسم الأمور داخل المؤسسة الحاكمة، فإن العنف الموجه ضد قرارات المؤسسة السياسية يطال المجتمع برمته، لأن العنف هنا لا ينحصر داخل المؤسسة السياسية، وإنما يمتد إلى تعبئة المجتمع، وغالباً ما كانت التعبئة هنا تستنفر البعد القبلي أو المناطقي في البنى الاجتماعية الهشة، مما يتسبب في إبطاء عملية الاندماج الاجتماعي.

وبينما نجد أن العنف في صورته الأولى قد أوجد شروخاً داخل المؤسسة السياسية كان يجري تجاوزها سريعاً، إلا النوع الأخير من العنف، واستخدام القوة في مواجهة المؤسسة كان سبباً في خلق شروخ عميقة داخل المجتمع، تتسع وتعجز المعالجات السطحية من إنهائها.

لا يمكن النظر إلى هذه الصراعات بمعزل عن حقيقة هامة، وهي أن بناء الدولة قد أحيط بصعوبات وتناقضات موضوعية في الأساس كانت تتسرب أحياناً، وبصورة طبيعية، إلى ثقافة الفرد لتحوله من صانع للتحول والتغيير إلى ضحية للتاريخ بما يتفاعل فيه من ميراث. كم هم الرفاق الرائعين والمناضلين الذين راحوا ضحية هذه الظاهرة.

مقاومة الموروث لبناء الدولة:

كان بناء الدولة يسير جنباً إلى جنب مع جهود التغلب على هذا الموروث، والذي يعتقد أن هذه العملية كان ممكن أن تتم بدون مقاومة عنيدة من قبل هذا الميراث، إنما يتجاهل حقيقة أن هذا الميراث كان قد تجذر في بنى اجتماعية وسياسية مغلقة على ثقافة، وتاريخ سياسي، ونظم حكم وفرت لها مقومات العزلة أكثر من فرص الانفتاح، وبهذا الصدد لا ننسى الدور الرائد الذي لعبه المناضلون الأوائل ممن كسروا حاجز العزلة وبناء جسور التواصل وذلك في بواكير العمل السياسي الذي كانت عدن الحاضنة الأولى له. إن عملية البناء تلك سارت بخطا جسدت الفكر السياسي الذي حمل منذ ما قبل الاستقلال قضية بناء الدولة الوطنية بكل ما تعنيه من تحديات.

لقد أوضح ميثاق الجبهة القومية هذه المسألة بوضوح، وكان برنامجها الذي شكل رافعة سياسية للنضال الوطني قد تفاعل على نحو إيجابي مع نضال نقابات العمال التي كان لها دور مبكر في تكوين الوعي السياسي الوطني، والذي شكل بيئة مناسبة لكفاح مشترك لمناضلي الجبهة القومية ومناضلي جبهة التحرير، وقبلهما الاتحاد الشعبي الديمقراطي وحزب الشعب الاشتراكي ورابطة أبناء الجنوب، وغيرها من المكونات السياسية التي، وإن اختلفت مساراتها، إلا أنها شكلت الأرضية التي تحرك فيها الجنوب من حالة الجمود السياسي، ليفرغ شحناته الوطنية في مسار انتهى ببناء دولته من العام ١٩٦٧- ١٩٩٠.

التطور مفهوم إشكالي:

أمام نجاح بناء الدولة، كان من الممكن أن تبقى تلك الأحداث على هامش عملية البناء تلك، باعتبارها تحديات موضوعية، غير أن للحياة منطقها الذي كان يجب أخذه بعين الاعتبار، وهو أنه مع كل عملية مواجهة كانت القوة الحاملة للتطور تخسر جزءاً من دينامياتها، لأن الذي كان يخرج من المعادلة هو جزء من “المجموع الحي” لمعادلة التطور، وإن بدا أنه يحمل رأياً مغايراً، إلا “التطور” في حقيقته كان مفهوماً إشكالياً في بلد لم تتشكل عناصر بنائه على قاعدة مستقرة من المفاهيم.

على هذا النحو، سار بناء الدولة الوطنية في الجنوب وبأدوات ومفاهيم ومعايير كانت تتطور كلما استطاع “الجديد” أن يحتل المزيد من المساحة في رقعة الصراع، حتى أخذت المسارات السياسية والاجتماعية تقترن بتطور معقول لقوى الإنتاج، وأخذت القطاعات التقليدية، التي تضم الغالبية العظمى من السكان، تتحول عبر خلق أنماط حديثة من عناصر الإنتاج، والإدارة، وتطبيق القانون، والإشراف السياسي، والدعم الذي قدمته الفنون، وانتشار التعليم بشقيه الأكاديمي والمهني، وكان للأخير دور كبير في ربط التطور الاقتصادي بقاعدة واسعة من الفنيين المهرة، ممن غيروا تراكيب وبنى المجتمع وتأهيلها، من ثم، لتنمية شاملة.

كان الوضع الذي استقر عنده بناء الدولة يعكس حقيقة من حقائق نجاح هذه العملية، فالتراكيب التقليدية للمجتمع كانت قد تفككت وتراجعت، وأصبحت نسبة كبيرة من سكانها جزءاً من البنى الحديثة للدولة، وكانت التجارة الداخلية، وأنشطة النقل، والاتصالات، والتسويق، والبناء والإنشاءات والمقاولات، والصناعات الصغيرة والحرفية، والسياحة، والفن والموسيقى والتمثيل والرسم، والرياضة، قد فتحت أبواباً ومجالات لتعاون مشترك بين القطاع العام والتعاوني والخاص، وقدمت فرصاً هامة للاندماج الاجتماعي، الذي أخذ يتشكل بأدوات اقتصادية أكثر منها سياسية، كما أن النظام اللامركزي في إدارة الدولة كان قد حقق نجاحات كبيرة في تفويض صلاحيات المركز لمجالس الشعب المحلية، وهو الأمر الذي أخذ يعالج جوهر مشكلة الاندماج الاجتماعي، التي ظلت دالة في الميراث السياسي والاجتماعي والثقافي للمكونات والكيانات السياسية التي تشكلت منها الدولة.

الدولة عند قيام الوحدة:

وعند قيام الوحدة، كانت الدولة في الجنوب قد غطت المساحة الشاسعة من المهرة حتى باب المندب بنظام للحكم جمع بين المركزية واللامركزية الإدارية والمالية، على نحو أخذت فيه الحاجة لتعزيز اللامركزية تضغط بشدة وتنتج ديناميات اتجهت بالمسار كله نحو التعددية، باعتبارها المعادل الموضوعي للتنوع السياسي والاجتماعي، الذي راح يعكس التغيرات الهامة والكبيرة في البنى الاجتماعية والاقتصادية والحاجة إلى التعددية السياسية المرافقة لذلك.

وثيقة الاصلاحات السياسية والإدارية الهامة لخصت الحاجة إلى صياغة مشروع انتقال إلى التعددية السياسية، خاصة أن الدولة قد اكتمل بناؤها، ولا يمكن حماية هذا البناء وتطويره إلا بالاعتراف بالتنوع والتعدد الديمقراطي.

أخذت النقاشات في الأطر السياسية والحزبية والشعبية تتفاعل مع الحاجة إلى إحداث تغيرات جوهرية في البناء السياسي لنظام الحكم يستوعب التطورات الاجتماعية الكبيرة التي رافقت بناء الدولة، وعبرت عن توسع القاعدة الاجتماعية وتنوعها وحاجتها إلى إصلاحات سياسية معادلة.

في خضم هذه النقاشات، برزت قضية “الوحدة” وتصدرت المشهد كله، واشترط الجنوب ربط الوحدة بالديمقراطية، وكان ما كان من أمر الوحدة والديمقراطية معاً، فقد دفنتا بالحرب.. ومنها تناسلت المأساة.

وكل عام وأنتم بخير.

*عن صفحة الكاتب في “فيسبوك”.

اظهر المزيد

مواد ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق