تقارير

“كورونا” و”كوليرا” و”ضنك” و”طفح جلدي” غريب.. أوبئة تفتك بنزلاء مركزي تعز

  • حوالي ألف سجين يعالجهم صيدلي واحد، وسجناء ماتوا جراء المرض داخل السجن بسبب رفض إسعافهم

  • عضو في الجيش يدعى محمد علي متهم بنهب أرضية قيمتها 88 مليون ريال عينوه رئيس قسم داخل السجن ومسؤول عن صرف حبوب المهدئات للسجناء

  • السجناء لـ “الشارع”: محمد علي يتعامل معنا بعنجهية ويرفض إعطاءنا أي علاج

  • مات الزير بفيروس كورونا بعد 4 أيام من الإهمال المتعمد ورفض مسؤولي السجن إسعافه

  • أحد السجناء: نطلب منهم إسعاف السجين، فيطلبون مننا مبالغ مالية وإيجار الطقم الذي سيسعفه وصرفة للعساكر الذين سيرافقونه، وباليوم الواحد 15 ألف ريال

تعز- “الشارع”- تقرير خاص:

مطلع فبراير الماضي، مات محمد عبدالله الملقب بـ “الزير” داخل السجن المركزي، بعد أربعة أيام من إصابته بفيروس كورونا. كان “الزير” متهماً بقتل سبعة أشخاص حاولوا سرقة المتحف الوطني في تعز، حيث كان يعمل حارساً له. وبحسب سجناء رووا قصته لـ “الشارع”، فقد تمكن الرجل من حماية المتحف بسلاحه الشخصي ضد من حاولوا سرقته، وعلى إثر ذلك قتل سبعة أشخاص منهم. كان هذا قبل أكثر من ست سنوات؛ أي قبل الحرب، أما القبض عليه فكان بعد اندلاع الحرب.

كان الوباء حينها في بداية انتشاره في تعز، يقول أحد السجناء لـ “الشارع”: “كان الزير مصاباً بكورونا، ولأنه كبير في السن، وعمره تقريباً 80 سنة، قضى عليه الفيروس بعد 4 أيام من الإصابة به.. القائمون على السجن لم يعالجوه، ورفضوا إسعافه فمات بداخل قسم المتهمين (أ)”.

انتشر الفيروس بين النزلاء فمن أهم طرق انتقاله هو التواصل المباشر مع المصاب، ولذا

السجين سيف محسن الورافي، على فراش المرض داخل قسم المعمل

فإن ضيق المساحات في السجن يعتبر بيئة خصبة لانتقال الأمراض المعدية بين السجناء. وتتفاقم الأوضاع الصحية للسجناء في ظل انتشار الأمراض المعدية، نتيجة غياب التطبيب أولاً، وضعف المناعة ثانياً عند كثير من النزلاء، نتيجة نقص الطعام وسوء التغذية، وسوء أحوال مياه الشرب، وغياب النظافة بشكل كلي.

وفي ظل الإجراءات المحدودة التي حاولت اليمن اتخاذها في سبيل مواجهة الفيروس، وجه الرئيس عبد ربه منصور هادي، بنقل سجناء تعز إلى أماكن آمنة، واتخاذ تدابير احترازية خوفاً من تفشي المرض بينهم، ومن ثم حدوث كارثة صحية كبيرة؛ لكن مع ذلك ترك السجناء لمواجهة المرض والفيروس وحيدين وبلا مبالاة.

ولم تنتهِ المعاناة خصوصاً في ظل التأكيدات على عودة الفيروس في موجته الثانية، الأمر الذي يضع السجناء تحت الخطر وتحت أكثر من احتمال.

والحقيقة أنه ومع تكدس السجناء في أماكن ضيقة تفتقر لأدنى المتطلبات الصحية، من نظافة وتهوية وتدفئة، يصبح السجناء أكثر عرضة للإصابة بالأمراض الجسدية والنفسية وغيرها من الأمراض المختلفة.. هذا قبل اجتياح فيروس كورونا المستجد العالم. إذ تزدحم أقسام السجن بالنزلاء، وبحسب تأكيدات بعض السجناء، يضم القسم الواحد ما بين (100  (200- سجين، وأحياناً أكثر من هذا العدد، كما هو الحال في قسم المتهمين (أ) الذي يضم 280 سجيناً، بحسب تأكيدات سجناء للصحيفة.

هذا التكدس الكبير يسهل انتقال العديد من الأمراض المعدية مثل الدرن والسل والأمراض الجلدية، وهذا ما حدث ويحدث، ويتفاقم الأمر في ظل غياب الرعاية الصحية بشكل تام.

“السجن المركزي أصبح بهذلة لا بعدها بهذلة.. ما فيش حقوق للسجين، فلا عناية بالمرضى، ولا المسنين، ولا حتى المجانين”. قال عبدالقادر، أحد السجناء، لـ “الشارع”، وأضاف: “ما فيش عيادة واحدة بداخل السجن، ولا طبيب يصلك إذا مرضت، ولا حتى حبة علاج تصرف للسجين.. تموت دون أن يلتفت إليك أحد”.

يقول السجين (ع. ي. م) لـ “الشارع”: “الجانب الصحي للسجناء يزداد سوءاً يوماً بعد

سجناء في قسم المعمل حيث لا رعاية ولا اهتمام

يوم، وأغلبهم يمرون بظروف صحية سيئة للغاية.. تصور أنت سجناً يتواجد بداخله ما لا يقل عن 1000 سجين وهم بدون عيادة صحية.. ما فيش حتى طبيب واحد للسجناء، ما فيش كل ما في الأمر وكل ما هو موجود هو صيدلي واحد يدعى عرفات الصوفي”.

من جانبه، يقول السجين (س. ع. ه): “في السجن، لا وحدات صحية، ولا علاجات متوفرة. في مكان يقولون إنه عيادة؛ لكن ما فيش فيه إلا مهدئات، وأي مريض يمرض يجيبوا له إبر مهدئة أو مغذية بالكثير، وأحياناً كثيرة يقولوا ما فيش”. ويقاطعه سجين آخر كان بالجوار: “إحنا بلا اهتمام، سجناء رجموا بنا داخل هذه الزنزانات، دون رعاية.. نشتري العلاجات من خارج السجن، ونزيد نجيب ألفين للعسكري حق المشوار”.

وأضاف، وهو يتلفت يميناً ويساراً، وبنبرة خافتة، وبعد معرفته بأن وراء استفساراتنا هذه مهمة صحفية ستسلط الضوء على واقع السجن وحال السجناء: “تخيل إذا مرض سجين وقد حالته تبين أنه في أشد المرض والخطورة وهو بحاجة إلى إسعاف طارئ، نذهب للعساكر ونقول لهم عالجوا السجين بيموت، يردوا علينا يموت ما علينا منه!”.

ويواصل حديثه: “نطلب منهم إسعاف المريض إلى أي مستشفى خارج السجن للعلاج، ويطلبوا مبالغ مالية وإيجار الطقم الذي سيسعف المريض، وصرفة للعساكر الذين سيرافقونه”. سألناه: كم يأخذون؟ رد: “على حسب الأيام التي سيجلس فيها السجين المريض في المستشفى، أحياناً يجيب لهم باليوم 10 ألف، وأحياناً 15 ألف، يستغلونا”.

وتأتي خطورة هذا الإهمال وغياب الرعاية الصحية، والابتزاز الذي يتعرض له السجناء، في انتشار العديد من الأمراض في السجن، وبحسب السجناء، فهناك كورونا والكوليرا وحمى الضنك وأشكال من الإسهال غير معروف طبيعتها، وما إلى ذلك من أمراض وأوبئة أخرى كالطفح الجلدي المنتشر بين السجناء. ويفيدون بأنه منتشر بشكل كبير ومستمر والحالات بالعشرات، والسبب في ذلك، بحسب حديثهم لـ “الشارع”، يعود إلى خزانات المياه الخاصة بالسجن؛ لأنها غير معقمة، والمياه نفسها ملوثة.

وعلاج الفطريات غير متوفر في السجن بشكل نهائي. “قبل سنة تقريباً جابوا علاج لخمسة أشخاص فقط في قسم المتهمين (أ) أما الآن زاد عدد المرضى، ولا علاج لهم”. قال أحدهم، مضيفاً: “أكثر الفطريات تتركز في الأعضاء التناسلية”. متوقعاً “احتمال أن يكون مرض جرب أو جذام”.

قصص مرضى السجن المركزي في تعز تبدو مؤلمة للغاية، إحدى القصص المؤثرة التي تمكنت “الشارع” من رصدها هي قصة شقيقين يمران بظروف صحية سيئة، بحكم كبرهما

سعيد محسن الورافي، على فراش المرض، جوار شقيقه في قسم المعمل

في السن. أحدهما سيف ويبلغ من العمر 85 عاماً، والثاني سعيد ويبلغ من العمر 76 عاماً، تم إيداعهما السجن المركزي قبل سبعة أشهر، بأوامر من نيابة المعافر، على ذمة خلاف على أرض.

رغم الصعوبات، حرصت “الشارع” أن تتوصل إلى صورة للشقيقين وهما على فراش المرض بداخل قسم المعمل. إذ يعاني سيف من مرض الضغط والباسور، في حين يعاني سعيد من مرض السعال والربو. والمؤلم أنه لم يلتفت لهم أحد أو يقدر كبر سنهما.

ملامحهما تقول إنهما في حالة إنهاك وتعب واضح، من خلال الشحوب الواضح في وجهيهما، التي تقول بكل وضوح إن المرض والسجن قد هدهما ونال من صحتهما.

لا علاجات متوفرة ولا أي تطبيب صحي. كل ما في الأمر، سجين يسلم له قليل من الحبوب والإبر المهدئة، يقوم بصرفها للسجناء بمزاجية. يقول أحد السجناء لـ “الشارع”: “أحياناً يكون معانا مريض، نروح لرئيس القسم، محمد علي القاضي، نشتي إبرة مهدئ، يقول لك ما فيش علاج، خليه يموت، يصرف إبر المهدئ أو حبوب البرمول، بمزاجية”.

ويضيف: “يقدم نفسه أكبر من المساجين ووالي عليهم وهو متهم أصلاً بـ 88 مليون، معترف بها، والقضية بالمحكمة، ولأنه فرد في الجيش عينوه رئيس قسم داخل السجن، ومسؤول عن صرف حبوب البارامول والمهدئات، ولكنه يتعامل معنا بعنجهية وتكبر”.

يمضي السجناء حياتهم وسط واقع مر وصعب، وغياب للخدمات الأساسية وأبرزها الخدمات الصحية، في زمن تعج به اليمن، وتعز تحديداً، بسلسة طويلة من الأمراض والفيروسات المنتشرة والحميات، من كورونا إلى حمى الضنك إلى الكوليرا إلى غيره. في غياب تام للسلطة المحلية المعنية، وفي ظل غياب الدولة وتجاهل المنظمات الإنسانية مثل هذه الكوارث الحقيقية.

وبحسب معلومات الصحيفة، فإن وكيل أول محافظ تعز، عبد القوي المخلافي، يقوم بزيارات إلى السجن، ولكن دون فائدة من هذه الزيارات. يقول أحد السجناء: “لم تُحدث زيارات هذا الوكيل أي فرق، ولم يتغير حال السجناء على مستوى الجانب الصحي أو غيره من الجوانب”. ويتابع ساخراً: “يستغلون الزيارة لصالحهم والهدف هو أن ينشروا أخبار في الصحافة بذلك”.

يعيش السجناء وضعاً مُزرياً، وتسلب منهم كافة حقوقهم ووسائل العيش. والسجين يضيق ذرعاً بسجن يبدو بمثابة قفص صغير لا يوجد فيه سوى أوكسجين متعفن والمكان بأكمله مليء بالنفايات والقذارات التي تتوزع في محيط السجن، دون أي اهتمام يذكر أو التفاتة تحترم.

اظهر المزيد

مواد ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى