مقالات رأي

تماهي البعض مع سياسات الصراعات البينية لأنظمة ما قبل الدولة

خبر زلج

حين لا يكون للحاكم رؤيته, وحين لا يمتلك مشروعاً لبناء الدولة الوطنية التي يحلم الجميع بالعيش في رحابها وتحت سقفها, تجده يتحول، بل ويعمل جاهداً للبحث عن بدائل، يرى فيها ضمانات كافية لبقائه في السلطة واستمرار حكمه.

الصراعات البينية لأفراد المجتمع، عادة ما تكون في مقدمة حساباته، وتشغل حيزاً كبيراً من مساحة تفكيره.

التباين المذهبي والبنية القبلية، عادة ما تشكل وجهة الحاكم في مجتمع مثل المجتمع اليمني والعربي عموماً, غير أن الصراع المناطقي يشكل أولوية بالنسبة له على هذا الصعيد, ويكون أكثر حدة، حين تتوفر له الأرضية المذهبية.

من هنا ينطلق الحاكم في تسيير حكمه مع توظيف أجهزته الأمنية وبنكه المركزي، بما يعزز هكذا حال, دون أدنى اعتبار لمترتباته السيئة والخطيرة، في وضع حاضر ومستقبل البلد على المستوى الوطني.

علي صالح, أكثر من اتبع هكذا سياسة وأوفاهم لها, بل وعمل على تغذيتها بما استطاع من أساليب القبح, مدفوعاً بعقد ثقافته المتواضعة ونقص المعرفة التي عرف بها وانعكست على سنوات حكمه, وبالتالي تجرع المجتمع مراراتها وعانى من مترتباتها، ومازال حتى اليوم.

من هذا المنطلق, فقد تمكن من  اخترق الحراك الجنوبي بعدد من القيادات المرتبطة به, كما وإنه عمل على تغذية صفوفه بكثير من عناصره الأمنية والموالين لبنكه المركزي من أبناء المحافظات الجنوبية, وبما ساعده في النهاية من توظيف الحراك وتوجيه خطابه الشعبي ضد أبناء تعز تحديداً, لثقته المسبقة ودرايته بأن التقاء أبناء المحافظات الجنوبية مع تعز عند العمل والنضال من أجل إقامة الدولة الوطنية, يشكل على نظامه خطراً كبيراً ومباشراً لاعتبارات كثيرة، وعلى جميع المستويات التي ندركها جميعاً، ولا داعي لذكرها.

نفس التوجه طبقه على محافظة الحديدة, حين عمل على تشكيل ما عرف بالحراك التهامي وتوظيفه بذات الطريقة التي تعاطى بها مع الحراك الجنوبي, وأظن الجميع مازال يتذكر الخطاب المعادي لأبناء تعز. أيضاً, ضمن  سياسة ممنهجة ومدعومة بإمكانات السلطة الأمنية والمالية.

أتذكر في هذا الجانب أحد أعضاء المجلس المحلي لمحافظة حضرموت، وفي مقيل جمعني به وآخرين في مدينة المكلا, حين أكد لي قيام عناصر من الأمن السياسي بالمحافظة بالتوزع على الأماكن العامة, والترويج لخطاب معادي لأبناء تعز، بتحميلهم كامل المسؤولية عما جرى ويجري في المحافظات الجنوبية، منذ الاستقلال وحتى حرب 94, وما ترتب عليها من نهب وفيد وتسريح للقوات المسلحة والأمنية الجنوبية, بل وكل ما طال الجنوب من مساوئ.

لقد نجح عفاش باتباعه لهذه السياسة إلى حد كبير, فبها استطاع تمزيق وحدة المجتمع وتشتيت مواقف الناس وانحراف بوصلة نضالاتهم من العمل والتوحد ضد السلطة الفاسدة, إلى الصراعات البينية التي تغذى عليها ما تبقى من سنوات حكمه الـ 35.

للأسف الشديد، إنه وبدلاً من استيعاب المواطن لمجمل ومضمون هذه السياسات الخبيثة والخارجة عن وظيفة الدولة, إلا أننا مازلنا نصادف هنا وهناك من لازال وفياً لها بطريقة غريبة ولافتة للنظر, وإلى درجة يظن معها أن انتماءه لقضيته والتعبير عن مظالمه وجغرافيته المحلية لا يتم سوى بـ ” العرعرة” للآخر, في وقت كان يفترض من الجميع الابتعاد عن تسطيح الأمور والوقوف بمسؤولية وفهم, أمام جملة السياسات الرسمية التي طالت وتأذى منها الجميع, ومن ثم الالتقاء عند حاجة بناء الدولة، والتوحد في العمل من أجل بلوغها وأمل العيش تحت سقفها الوطني, بدلاً عن النيل من بعضهم، وهو ما هدف له نظام الحكم الفاسد ونجح في تعميمه.

غير أن ما يحدث اليوم منذ أكثر من ست سنوات, هو الأخطر ولا شك على وحدة البلد وسكينته الاجتماعية الهشة أصلاً, حين أخذ الصراع لونه المذهبي المباشر واتسم بعمقه السلالي, واستعداد القائمين عليه على خوضه مع الجميع، دون

أدنى اعتبار لمترتباته وانعكاساته الخطيرة, على نحو ما نشهده ونعيشه من الحروب والدماء والانقسام، بدوافع الحق الإلهي في الحكم والهيمنة وجمع الثروة.

اظهر المزيد

مواد ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق