مقالات رأي

“صراع قضائي” بسبب عدنان الحمادي!

رئيس المحكمة الجزائية المتخصصة، القاضي وهيب فضل علي، فجّر مفاجأة بإصداره قراراً بإلزام الرئيس تشكيل مجلس أعلى للقضاء يقوم بواجباته في حماية القضاء، وعدم التدخل في شئونه، وهي رسالة واضحة، بأن المحكمة تتعرض لضغوط وتدخلات في عملية التقاضي من المجلس الأعلى للقضاء، الذي رفض توفير الحماية للمحكمة.

بعد القرار، تم إشعار القاضي بضرورة التسليم لقاضٍ آخر، عُين كبديل عنه، استناداً إلى قرار نقل بتاريخ سابق، وكانت النيابة التي تمثل الادعاء العام في القضية، قد امتنعت عن الحضور لأربع جلسات متتالية، ما تسبب بتعطيل عملية التقاضي، فالنيابة ركن أساس في المحاكمة، ولهذا توقف سير القضية، وعند سؤال ممثل النيابة قال، أن مجلس القضاء كلف النائب العام السابق بمنع النيابة من الحضور، لاعتزام المجلس تغيير رئيس المحكمة، وهو القرار الذي لم يشعر به رئيس المحكمة إلا قبل يومين!.

إذن، تعالوا نتابع بعض الخروقات التي شابت قضية الحمادي:

فمن إخفاء أكثر من 300 وثيقة من ملف القضية، إلى رفض النيابة استدعاء عدد من الشهود والمتهمين، الذين طالب محامو أولياء دم الشهيد الحمادي مثولهم أمام النيابة للتحقيق معهم، ثم رفض النيابة السماح لمحاميي أولياء الدم بحضور التحقيقات، وعدم إعطائهم نسخة من ملف القضية للاطلاع عليه، وعدم استكمال إجراءات التحقيق في القضية، ومن ثم تسليم ملف القضية ناقصاً للمحكمة، بل وفوق ذلك، تم إخفاء الثلاثمائة وثيقة التي أشرنا إليها.

في المحكمة، رفضت النيابة الجزائية (التي يفترض أنها تمثل الادعاء) إحضار المتهمين إلى قفص الاتهام في المحكمة، للمثول أمام القضاة وسماع أقوالهم، ليس مرة، بل مرات عديدة (انعقدت حتى الآن عشر جلسات في القضية)، أصدر رئيس المحكمة الجزائية، القاضي وهيب فضل علي، عدة قرارات بإلزام النيابة الجزائية بإحضار المتهمين في القضية إلى المحكمة، ثم أصدر قرارات بمطالبة النائب العام ورئيس الجمهورية، بإلزام النيابة بإحضار المتهمين.

في شهر نوفمبر 2020 حجز رئيس المحكمة الجزائية القاضي وهيب فضل علي، القضية للبت في طلبات أولياء الدم، التي عبر عنها محاموهم ومنها: إعادة ملف القضية إلى النيابة لاستكمال الإجراءات، ومنها استكمال التحقيقات في القضية، واستخراج الوثائق المتعلقة بالمراسلات الهاتفية بين القتلة وأشخاص آخرين يشتبه في تورطهم في التخطيط للاغتيال، إضافة إلى استخراج المستندات المتعلقة بالتحويلات المالية بين منفذي الاغتيال، وبين آخرين يشتبه بتورطهم في تمويل عملية الاغتيال والإشراف على تنفيذها، إضافة إلى الطلبات الأخرى، مثل استدعاء عدد من الشهود والأشخاص لسماع أقوالهم حول القضية، والسماح لمحاميي أولياء الدم بحضور التحقيقات…إلخ.

وبحسب ما سمعته من بعض المحامين والمعنيين بالقضية، فإن قرار القاضي حجز القضية في 12 نوفمبر 2020، بهدف البت في طلبات أولياء الدم، هو ما تسبب بمنع النيابة من حضور جلسات المحاكمة، وبالتالي عرقلة عمل المحكمة لحين صدور قرار بتغيير القاضي وهيب فضل علي، واستبداله بقاضٍ آخر، إذ إنه كان من المتوقع أن يأمر القاضي بإعادة ملف القضية للنيابة لاستكمال الإجراءات والتحقيقات وجلب الوثائق الناقصة… إلخ، وهو ما يعيد القضية إلى المسار الصحيح الذي يطالب به أولياء الدم.

سيناريو إبعاد القاضي وهيب فضل، رئيس المحكمة الجزائية، وفقاً للملابسات المذكورة أعلاه، يذكرني وغيري بسيناريوهات أخرى تعرض لها بعض القضاة، فعلى سبيل المثال تم عزل وكيل النيابة الجزائية المتخصصة، القاضي ماجد الحكيمي، بعد شهر ونصف فقط من تعيينه واستلامه لملف قضية الشهيد عدنان الحمادي، دون مبرر واضح، وقبل ذلك، توفي وكيل النيابة الأسبق وعضو نيابة آخر، في ظروف غامضة، وهما ممن تولى عملية التحقيق في قضية الشهيد عدنان الحمادي!.

كما توفي اثنان من الشهود في قضية اغتيال الشهيد عدنان الحمادي، وهما من مرافقيه، في ظروف غامضة، حيث أحدهما تم قتله من قبل صديقه!، وإضافة لذلك، توفي أحد المتهمين المشتبه بتورطهم في القضية في حادث سير!، وكل هذه الحوادث والإعاقات والعراقيل والإجراءات التعسفية والمخالفة بنظر المحامين، أمور تثير الشك حول الاستهداف الذي تتعرض له قضية الشهيد عدنان الحمادي في أروقة المحاكم!.

ضف إلى ما سبق، فإن أسرة الشهيد تتحمل كافة التكاليف المالية للترافع في القضية، ونفقات المحامين… إلخ، ولم تقم الحكومة بمساعدة أسرة الشهيد بأي مبالغ أو نفقات أو تسويات لوضعها، وإذا كان الشهيد الحمادي رحمه الله فقيراً، فإن السلطة الشرعية قد سعت بكل ما تستطيع لإفقار أسرته وتعجيزها، وهو ما أضر كثيراً في تحمل أعباء التقاضي، وأضاف أحمالاً ثقيلة على أسرة الشهيد الحمادي، الذي استهدف بالاغتيال، وهو يؤدي دوره كقائد عسكري يتصدى لمليشيا الانقلاب الحوثية، مدافعاً عن النظام الجمهوري وعن الشرعية وعن المرجعيات والدستور.. وهذه جميعها الأسس التي وضعت عبد ربه منصور هادي، رئيساً على البلاد.

لعل الشهيد الحمادي الذي أوفى مع الرئيس هادي في حماية شرعيته وسلطته حتى آخر قطرة من دمه، كان يتوقع من الرئيس هادي الوفاء؟! لعله توقع أن ينتصر هادي لمظلوميته وقضيته، وأن يسعى لحماية نزاهة التقاضي، فهل أوفى الرئيس مع الحمادي كما أوفى الأخير معه؟!.

إن واجب هادي كرئيس للجمهورية ورمز معبر عن الشرعية، التي قاتل الشهيد الحمادي دفاعاً عنها، أن ينتصف اليوم لعدنان الحمادي، كما أن واجب الرئيس ورئيس الوزراء والحكومة أن يقوموا بواجبهم في رعاية أسرة الشهيد الحمادي وتوفير النفقات اللازمة لمتابعة قضيته، التي تستنزف نفقات كبيرة، وكفاحاً مريراً.

إن جريمة اغتيال الشهيد عدنان الحمادي، التي تم الترتيب لها بدقة فائقة، اصطدمت بحاجز الإجماع الشعبي، على أنها جريمة اغتيال سياسي، وما لحقها من شواهد كثيرة يعزز هذا الحدس الشعبي لدى أنصار الشهيد ومحبيه وعائلته، غير أن ما يصفه المحامون والقضاة بـ “المخالفات” في إجراءات التقاضي، هو أخطر ما يحدث في مسلسل تصفية قضية الشهيد عدنان الحمادي.

لا مجال لحسن النوايا هنا، فما يبدو أن هناك نزوعاً لتصفية قضية الشهيد عدنان الحمادي، والمنعطف الخطير الذي وصلت إليه القضية في دهاليز القضاء أوشك على أن يفجر صراعاً قضائياً يجري إخماده بدأب، إذ لا يمكن أن نعتبر كل هذا التناغم في الخروقات و”الاختلالات” و”عدم سلامة الإجراءات” حد تعبير رجال القانون، مجرد صدف عابرة متسلسلة ومتصاعدة درامياً!! خصوصاً أنه لم يتم حتى الآن التراجع عن هذه الاختلالات و”الأخطاء” كما يقال..!

وما يؤكد ما ذهبنا إليه، هو وقوع هذا الصدام القضائي، بين المحكمة الجزائية من جهة، والنيابة الجزائية ومجلس القضاء والنائب العام السابق من جهة أخرى، خصوصاً أن المحامين المضطلعين بالقضية يقولون أن وكيل النيابة الجزائية السابق، القاضي ماجد الحكيمي، تم تغييره “بموظف إداري”- ضع تحتها خط – تم ترقيته بصورة مخالفة إلى درجة قاضٍ، بعد تلقيه دورة تدريبية!، فضلاً عن أن القاضي السعيدي الذي عين خلفاً للقاضي وهيب رئيس المحكمة الجزائية المنقول، هو أيضاً عضو نيابة، ويفتقر للتأهيل والكفاءة والشروط اللازمة لتولي هذا المنصب، وفوق ذلك، تعيين نائب عام جديد من خارج المؤسسة القضائية، أهم مؤهلاته أنه لواء في الشرطة، في مخالفة قانونية فاضحة، أدانتها مواقف نوادي القضاة ونقابة المحامين، وغيرها من المؤسسات القانونية والقضائية علانية، دون أن يؤبه لها أو يلقى لها بالاً.

بعد كل هذا.. ألا يحق لنا القول أنه يجري تصفية قضية الحمادي بخطى حثيثة..!.

اظهر المزيد

مواد ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى