لقاءات

في حوار خاص مع “الشارع”.. الفنانة فائزة عبدالله: سجلت أول أسطوانة بعد الثورة باسم بنتي هدى خوفاً من عودة الإمامة

  • أعطاني الله هذا الصوت نعمة لأنتصر به على واقعي الصعب وما فيه من الجهل والاضطهاد
  • في تعز كان الفنان الآنسي وكان جمهورياً ومعه أغانٍ ثورية قوية وكان أخوه عبد الرحمن في تعز أيضاً عقيد جمهوري
  • سجلتْ أول أسطوانة بعد الثورة من أغاني الآنسي باسم بنتي هدى خوفاً من عودة الإمامة لأن الغناء كان محرماً ويجلب مخاطر
  • الآنسي استنفر الناس اللي حوله لمن سمع الأسطوانة كان يسألهم من هذه الفنانة اللي غنت حقي الأغاني وهم مش عارفين
  • بعد بحث وجدوا أن الأسطوانات من أستوديو العماري ونزلوا إلى الأستوديو وطلبوا منه يوصلهم للفنانة وعندما رفض أغلقوا محله
  • منحني الآنسي الإذن بتأدية أي أغنية من أغانيه وكذلك الفنان علي عبدالله السمة
  • غادرت تعز إلى عدن للمشاركة في مهرجان ومن حينها لم أفارقها وكان الفضل في اكتشاف موهبتي الفنية للفنان فرسان خليفة
  • حضينا في عدن باستقبال كبير كفنانين قادمين من الشمال وغنيت لتلفزيون وإذاعة عدن كثيراً جداً ومن هنا وصلت للناس بشكل أكبر
  • دخلت معهد جميل غانم، وكان يديره بن غودل، لكن ما حدث أن بن غودل أهملني كثيراً، وأبعدني بحجة أنني أمية لا أجيد القراءة والكتابة
  • سافرت إلى لندن برفقة أيوب طارش في عام 73م تقريباً، بدعوى رسمية من السفارة اليمنية، وعندما وصلنا المطار تأخرت الشناط وقلت لأيوب: أنت تعرف انجليزي كلمهم
  • بعد المذيعين الأولين وتلفزيون عدن والإذاعة صرنا منسيين، وفي ناس يظنون أن فائزة عبدالله قد ماتت
  • تعبنا مناشدات ورسائل، كم يا حكومات وكم يا رؤساء، ولا التفاتة حقيقية، راتبي التقاعدي 28000 ألف ريال لا يكفي لشراء أبسط الأشياء
  • لا ندري لماذا يتم إهمالنا.. قتلوا أشياء كثيرة بداخلي خليها على الله

في لقاء من غير موعد، وعلى سبيل الصدفة، التقيت بصوت من الزمن الجميل، في الحاضنة الأولى للفن والفنانين مدينة عدن، وبينما كنت عائداً من زيارة أحد أهم معالمها، قلعة صيرة وبحرها الجميل.. استوقفني مشهد عابر في أحد أحياء كريتر لامرأة مسنة، ورجل أربعيني تقريباً، وكان لقاؤهما به ترحيب بإجلال، يحمل الكثير من الدهشة، بدأ صوت غنائي شجي يشق ضجيج الشارع ويحوله إلى سكون.. ألا تعز تعز … تعز تعز … خضراء والغيل سراحْ.

عندها ازداد فضولي أكثر فاقتربت منهما، كان الرجل يقدمها لأصدقائه ومن حولهم بلهجته العدنية: “دي فائزة عبدالله، دي من الزمن الجميل، دي تعز تعز وأيوب طارش”، وهي ترد بروح مليئة بالبساطة والحب: “وأني فدا أهلي وناسي”، من كانوا بالجوار بدا عليهم جميعاً أنهم عرفوها، فيما بعضهم ربما تصنع ذلك، وكنتُ أحدهم، حاولت الخروج من المأزق فاستأذنتها بالتقاط صورة لها فوافقت بإحراج، وهي تقول: “خلاص يا ولدي مضى زمن التصوير، صار الوجه كله تجاعيد، الصوت ممكن الناس يعرفوه”، توقف صوتها الجميل الذي كانت تنتقل به من مطلع أغنية لأخرى وبدأ الحديث يطغى عليه ألم وغصة الإهمال، حيث راتبها التقاعدي المتدني جداً لا يكفيها لشراء أبسط احتياجاتها، ومن ثم ودعت فنانتنا المكان وهي تشدو بأغنية خطر غصن القنا.. أمان يا نازل الوادي أمان…

غادرتْ متوجهة نحو فرزة الباصات لتعود إلى منزلها البعيد الواقع في المنصورة، حي “كابوتا” تحديداً، اقتربت منها وهي تسير على الرصيف طالباً مرافقتها.. قبلتْ بكل ترحاب ونشأت بيننا مودة سريعة، قلت لها سأكون فضولياً جداً فما زلت أجهل عنك الكثير، وبدأنا حوارنا هذا من الرصيف ثم المقهى وأكملناه بعد أيام بزيارة إلى منزلها البسيط.

فائزة عبدالله من أوائل الأصوات الفنية النسائية اليمنية، صوت شجي انتصر على واقع الجهل والتخلف الذي أحاط بالإنسان اليمني والمرأة تحديداً، والذي فرضه حكم الأئمة، فأطربتْ المسامع، وكان لها حضور في ذاكرة وقلوب الأجيال بمشوار فني غني، ابتدأته من الأسطوانة حتى الإذاعة والتلفزيون، وأدتْ فيه الأغنية على طابعها التراثي والدويتو مع كثير من الفنانين، وفي الحوار الكثير من تفاصيل حياتها الفنية.

عدن- “الشارع”- حاورها: تامر الزكري:

  • من هي فائزة عبدالله ؟

فائزة عبدالله، من مواليد العدين تربيت فيها، ثم انتقلنا إلى مدينة إب، التي توفتْ والدتي فيها، ثم انتقلت مع والدي إلى تعز، لكنه لحق بوالدتي، وغادر الحياة، وبقيت لا أب، ولا أم،

صورة قديمة للفنانة فائزة عبدالله

ولا إخوة “كأني مقطوعة من شجرة”، لقد قام بتربيتي الناس وعشت حياة صعبة، وتزوجت وعمري12عاماً كهروب من ذلك الواقع، وعشنا وكافحنا أني والشيبة زوجي، وصار لدينا ثلاثة أبناء: محمد، وهدى، وعبده، وطفلة توفيت وهي صغيرة.

  • متى بدأت فائزة عبدالله حياتها الفنية؟

أعطاني الله هذا الصوت نعمة، لأنتصر به على واقعي الصعب، وما فيه من اليتم، والجهل والتخلف والاضطهاد، وبالكفاح من مواجهة الحياة الصعبة، كنتُ أغني منذ صغري في القرية، مع رعي الأغنام وغيرها من الأعمال، وكنت أحب الغناء كثيراً، لكن كان بشكل عادي، وفي أول الثورة سبتمبر، التي قامت ضد الإمامة، كنت في تعز، وأنتَ عارف كان الغناء قبل الثورة ممنوعاً، ما فيش إلا تواشيح دينية، وأسطوانات بالسر أيضاً.

  • هل كانت هناك أصوات نسائية فنية في تلك الفترة؟

نعم كانت هناك نبات أحمد، وتقية الطويلية، وروضة أحمد، لكن في صنعاء، وكان الفن يؤدى بالأعراس لبعض الأسر، وغالباً بالسر، وكان هناك فنانون أيضاً.

  • ماذا عن تعز هل كانت تتواجد فيها أي أصوات نسائية؟

لا يوجد أي أصوات نسائية فنية في عهد الإمامة… فائزة عبدالله، ومنى علي ظهرت فيما بعد.

  • حديثنا عن أبرز الفنانين الذين كانوا في الشمال في تلك اللحظة؟

علي بن علي الآنسي، وعلي عبدالله السمة، وأحمد السنيدار، ومحمد الحارثي، وكثيرين.. أقول لك قبل الثورة، كانت أسطوانات يتبادلها الناس بالسر، وفي تعز كان الفنان الآنسي، وكان جمهورياً، ومعه أغانٍ ثورية قوية، وكان أخوه عبدالرحمن في تعز أيضاً كان عقيد جمهوري.

  • كيف كانت بدايتك مع الغناء في تعز، ومتى سجلت أول أسطوانة لك؟

بعد الثورة مباشرة، وفي تلك اللحظة أتذكر أن الآنسي فعل تسجيل على الأسطوانات لمجموعة من أغانيه، وأني سمعتهن وأعجبت كثيراً بتلك الأغاني، وكنت أغنيها، حتى أنني سجلتهن عند صالح العماري الحضرمي، وكان صاحب أستوديو بشارع العواضي.

  • هل تتذكرين الأغاني التي سجلتيها على هذه الأسطوانة؟

نعم.. أغنية خطر غصن القنا، وأيضاً يا ذي الجبال الشامخات الأنكاب، وغيرها، ونزلت الأسطوانة للسوق باسم هدى عبده.

  • لماذا باسم هدى عبده وليس فائزة عبد الله؟

سجلت الأسطوانة باسم ابنتي هدى عبده، خوفاً من عودة الإمامة، لأن الغناء كان محرماً، ويجلب مخاطر، وأتذكر أن الأسطوانات حقي جاءت من تركيا، بينما حق الآنسي كانت من أثينا.

  • وهل حقق تسجيلك الأسطوانة نجاحاً وقبولاً عند الجماهير؟

نعم حققت نجاحاً، وتداولها الناس، حتى وصلت للفنان علي بن علي الآنسي.. والآنسي استنفر الناس اللي حوله، من فنانين وشعراء، كان يسألهم من هذه الفنانة اللي غنت حقي الأغاني، وهم مش عارفين، لا الاسم ولا الصوت لمن، وبحثوا، حتى وجدوا أن الأسطوانات من أستوديو العماري، ونزلوا إلى الأستوديو، وطلبوا منه يوصلهم للفنانة أو بيغلقوا محله، وغلقوه فعلاً، وكيف ما بيغلقوا محله، وهم كانوا عقداء وفنانين وشعراء.

  • ما الذي حدث بعد ذلك؟

العماري أخذهم إلى منزلنا في شارع 26، وسألوا عن هدى عبده، فوجدوها صغيرة.. استغربوا، سمعتهم فجأة وخرجت قالوا أنت هدى عبده، قلت لهم أيش في، قالوا لماذا غنيتي حق علي الآنسي الأغاني ونزلتيهم السوق الآن بنأخذك السجن، قلت لهم: لحظة لا تخوفوني بـ “الداهوفه” (السجن).

  • وكيف تخلصت من هذه المشكلة التي واجهتك؟

خرج زوجي عبده خشافة، وكان يعرف الآنسي من مكان عمله، حيث كان يعمل في سينما بلقيس يقطع تذاكر، وكان الآنسي يأتي إلى السينما، مع أصدقائه الفنانين والشعراء، وكان يمنحهم التذاكر دون أي مقابل تقديراً لهم، وإعجاباً بما يقدمه الآنسي، فقال نتوجه جميعاً إلى منزل الآنسي، وصلنا ودخل إلى المجلس، ورحب به الآنسي لكنه رد عليه معاتباً، “حكمت بأُدبي يا علي” أي أنك حكمت عليّ حكماً تأديبياً، استغرب الآنسي، وقال بماذا؟!! فأخبره بأن هدى عبده التي يبحث عنها هي زوجته.. وقال له أين هي، وكنت عند زوجته فاطمة، فطلبني الآنسي، وأتذكر وهو يقول: “هيا ما يا هدى عبده ادخلي أو رجعي على وجهك المنخل، دخلت وأني مستحية، قال ليش غنيتي حقي.. وقلت له: أني معجبة بأغانيك وأداءك الكبير، وأسمعهن وعاده ملكية، فتناول العود وشد أوتاره، وقال لي أي أغنية تريدين تغنيها قلت يا ذي الجبال، وغنيتها فأعجب بها هو والحاضرون.

  • من كان في مجلس الآنسي في ذلك اليوم؟

كانوا فنانين، وشعراء لا يفارقوه، ومنهم علي بن علي صبرة، والسمة، والمطاع، وكثير من المهتمين.. فطلبت منه أن يفتح أستوديو العماري، فقال لعبد الرحمن أخوه افتحوا المحل حالاً.

  • كيف بدأ الاسم الفني لفائزة عبدالله؟

بعدها بأيام، طلب مني أحمد شايف عبدالله مقبل، وكان من تجار تعز، أن أسجل أسطوانات، فوافقت، ولكنه اشترط عليَّ تغيير اسم هدى عبده، وهنالك بدأ الاسم الفني فائزة عبدالله، وبدأ يصل للناس، وينتشر. وكان لي الكثير من الأغاني “من اليمن نازلين”، وفيها عيالي كورس محمد وهدى، و”رأس الصفا تركت لك أمارة” وغيرها…

  • هل اكتفيتِ بالتسجيل على الأسطوانات، في تلك الفترة فقط؟

لا لم أكتف، بعدها زار تعز مجموعة من الفنانين الكبار من الجنوب، تلبية لدعوة وجهت لهم، لإحياء الحفل الجماهيري في سينما بلقيس وحضروا وكانوا نخبة، فرقة أحمد تكرير وفرسان خليفة ومحمد سعد، وعطروش والمرشدي، ومن الفنانات صباح منصر، ورجاء باسودان وأم الخير عجمي، فأخبروهم عني وزاروني، والتقيت بهم حتى أن بعضهم طلبوا مني السفر إلى عدن، وكان الفضل باكتشافي للفنان فرسان خليفة.

  • هل شاركت بالمهرجان معهم بصفتك الصوت النسائي الوحيد من الشمال؟

نعم شاركت معهم.. وقفت لأول مرة أمام الجمهور، وكنت مرتبكة، حتى أنني غنيت آخر المشاركين، بدأت بأغنية تعز تعز، وبعدها آنست يا حالي، لقد منحني الآنسي الإذن بتأدية أي أغنية من أغانيه، وكذلك الفنان علي عبدالله السمة، وغنيت خطر غصن القنا وغيرها.. ولم تكن هناك موسيقى، بل عزف على العود، وكنت قد فعلت بروفة مع العازف عبد الله.

  • غنيتي” تعز تعز” في بداياتك وصارت تذكر معك دائماً، وتأديتك لها حتى اليوم يشعر السامع كأنه في قلعة القاهرة والمدينة كلها أمامه، وصبر يطل على كل شيء.. ما السر وراء ذلك؟

غنيته بحب وعشق لتعز، وكانت تعز، من صدق، لحظات العيش فيها، والقاهرة وصبر جنة الله، والناس عائشين، وهذه الأغنية أحبها كثيراً ولحنها تراثي قريب من قلوب الناس كلهم.

  • هذه بداية فائزة عبدالله في تعز، ماذا عن عدن، وكيف انتقلت إليها؟

وجهتْ للفنانين في الشمال دعوة للمشاركة في مهرجان بعدن، وكنت من ضمن المدعوين للمشاركة، وكان المهرجان الأول على ما أتذكر في شمسان.

  • كيف وجدتي عدن أول مرة؟

عدن كانت بندر، وهي بندر بحق، حتى أنني لم أعد منها إلى تعز، في البداية مرض أبنائي، عندما كان الفنانون في عدن، ولم أستطع العودة معهم، ولا أخفي عليك أعجبتني عدن كثيراً، من أول ما وصلنا إليها.. حبيته وحبيت أهله كثيراً، وأصبحت المدينة التي لا أقدر على فراقها، وكانت متطورة، وفيها مالم يكن بأي بلاد.

  • ماذا عن المهرجان وعن الجمهور؟

كان الحضور كبيراً وكان للغناء مذاق عال، غنيت أغنية تعز تعز، وأغنية خطر غصن القنا، وأغنية من اليمن نازلين، وكان الجمهور متفاعلاً.

  • كيف كانت معيشتك في عدن؟

عشت أول أيامي في منزل عبد الحميد مكاوي، وكان المُكلف باستقبالنا، وبعدها استقريت ببيت، وعندما توقف الفن أيام الاضطرابات السياسية، زرت علي ناصر، وقال لي ارتاحي بمنزلك، وأعطاني راتب شهرين، وتوجيه للعمل في مصنع السجائر.

  • كم عملت فيه وإلى أين اتجهت بعده؟

عملت فيه لأكثر من سنتين، إلى أن زار علي ناصر المصنع، فسأل أين فائزة عبدالله، والتقيت به، وقلت له قدني للحلق، ومن ثم فعل لي توجيه للانتقال إلى معهد الفنون التابع للثقافة.

  • في معهد جميل غانم بدأت حياة جديدة قريبة منك كفنانة حدثينا عنها؟

دخلت إلى معهد جميل غانم، وكان يديره في تلك الفترة بن غودل، لكن ما حدث أن بن غودل أهملني كثيراً، وأبعدني بحجة أنني أمية لا أجيد القراءة والكتابة، ضمني في البداية لفرقة الإنشاد، وكنت أعارض ذلك لأن فرقة الإنشاد كان أغلب من فيها أصواتهم عدنية، تربوا في عدن ولهجتهم موحدة، ونشأتهم كانت على هذا اللون، وأيضاً كان كل توجهي الفني الأغنية التراثية، والألحان القريبة منها، كما أن بن غودل استغل ألحاني التي كنت أقدمها لهم، وبعضها كانت مقدمة له بكاسيت، وطورها لنفسه.

  • كان للإذاعة والتلفزيون في عدن دور كبير في حياة الفنانين في تلك المرحلة، حدثينا عن تجربتك مع تلفزيون وإذاعة عدن؟

أول ما وصلنا عدن توجهنا للتلفزيون مع الآنسي والسمة، لإجراء أول لقاء لنا،.. (تبتسم)… أتذكر أنني رأيت المخرجين، والمهندسين، والطاقم يشتغل للتحضير، وقلت لهم أين الجمهور، الآن لِمَنْ نجلس نغني للكراسي، وقالوا لي الشعب كله بيشوفك، ولما روحت البيت، وجدت فعلاً الجيران والاستقبال وصوري وما أجمل تلك الأيام.. واستقبال كبير لنا كفنانين قادمين من الشمال، وأقول لك أنني غنيت للتلفزيون والإذاعة كثيراً جداً، ومن هنا وصلت للناس بشكل أكبر.

  • من أبرز المذيعين الذين أجروا لقاءات معك؟

كثيرون.. منهم شكيب عوض، وأمل بلجون، ونبيلة حمود، وكثير ما عاد أذكرهم… الله يرحم كل من غادر، كنت ألبي كل دعوة توجه إليّ، وحضرت مع كثير من الفنانين، لكنني لم أجد كل التسجيلات اليوم ولا أدري ما السبب.

  • ماذا عن الإعلام اليوم هل لا يزال يتذكر فائزة عبدالله؟

بعد المذيعين الأوليين وتلفزيون عدن والإذاعة صرنا منسيين إلا من بعض ظهور. في ناس يظنون أن فائزة عبدالله قد ماتت، وفي 2014 تم تكريمي بشهادة من إذاعة عدن اللي أحبه كثير، وقبل أشهر عملت مقابلة مع قناة محلية، لكن الإعلام نسي الكثير من الفنانين السابقين و”عاد الدنيا دنيا”.

  • هناك تقارب بين توجهك، وتوجه الفنانة منى علي.. حدثينا عنها؟

أني ومنى علي، الله يرحمها، من بلاد واحدة من العدين، تربينا ونشأنا مع بعض، ولما انتقلنا إلى تعز عشنا قريبين، ووجدنا أنفسنا من جديد بنفس التوجه، وكانت تغني وسمح لها زوجها بذلك، وسافرت بعد ذلك مع زوجها إلى السعودية، وغابت فترة، ومن ثم عادت بعد وفات زوجها، إلى تعز، وكنت قد استقريت في مدينة عدن.

منى مشهورة بالزفة وصوتها مليح ومميز، وغنت كثيراً مع أيوب طارش، وعندما علمت بأنها مريضة قبل وفاتها، سافرت إلى تعز لزيارتها، فوجدتها قد تعبت كثيراً، وكانت آخر زيارة لي لمدينة تعز ولمنى.

  • ماذا عن الفنان أيوب طارش عبسي؟

أيوب كان في عدن عند انطلاقته، وغنى أغنية بالله عليك وامسافر، من أشعار أخوه محمد طارش رحمة الله عليه، وتعرفت عليه وغنيت معه رحلك بعيد، وأغنية طل القمر وغيرها، وشاركت معه خارج البلاد.

  • لديك أعمال غنائية من ألحان الفنان عبد الكريم توفيق ماهي هذه الأعمال؟

عبد الكريم توفيق أعطاني كلمات وألحان، ومن أكثر الناس اللي تعاونت معهم، أغنية كم من كتاب، طرحت لك الصفاء أمارة كتاب. وغيرها وهل سمعت أنت أغانيّ من اليمن نازلين الذي كانوا فيها عيالي محمد وهدى كورس ودويتو مع الفنان باجنيد.

  • تحدثتِ عن مواقف مع الفنان أحمد قاسم ونحن نسير في الرصيف، هل بالإمكان الحديث عنها بتفصيل أكثر؟

رحمة الله تغشاه أحمد فنان كبير وعازف عود ما فيش مثله.. عندما غنيت في المهرجان الذي أقيم على ملعب الحبيشي، غنى الفنانون كلهم، وأحمد قاسم لا يزال يؤخرني، وكنت أقول له وأني متى يا أحمد، وقال لي اسكتي يا جبلية، ولما شفت منه هذا، قمت أخذت شنطتي ومشيت أمام الجمهور، والجمهور صاح فائزة.. فائزة.. إيزو إيزو.. قال أحمد “أمة بلا ملح عاده… وقدكم فائزة…” وغنيت، وكنت كلما انتهي من أغنية يطلب الجمهور أغنية ثاني… ومرة أخرى، دخلت أشارك بمهرجان آخر، أخذني أحمد قاسم على جنب وقال لي رجاء خاص تأخري، وأنا بقدمك بنفسي، قلت له بالاحترام مش تقول جبلية وكلام من حقك يا أحمد، تأخرت وفعلاً قدمني قائلاً الفنانة الكبيرة فائزة عبدالله، ورحب بي الجمهور.

  • سمعتك ترددين أغنية للفنان عبد الباسط عبسي (أمانه يا أمه اسمعي) بشكل جميل، وشعور كأنه البدايات، هل هناك أي تعاون فني معه؟

لا، لكن أغانيه التراثية تعجبني جداً، وكنت أتمنى أغني معه، غنى وأجاد وكان في بيننا موعد إنه نلتقي لكن لم تسمح الفرصة.

  • وترددين أغاني لمحمد سعد عبدالله؟

محمد سعد فنان كبير وإنسان وشاعر و ملحن، والأغاني حقه يعيشين بالقلب.

  • هناك فنانون عاصرتهم فائزة عبدالله رحلوا وتركوا أثراً في نفسها وبعضهم لا يزال موجوداً؟

كثير من الفنانين الله يرحمهم قد غادروا ومن كثرهم قد الناس يحسبوا فائزة بينهم، وكانت علاقتنا احترام وتقدير وتعاون، المرشدي ومحمد سعد عبدالله وفيصل علوي وابنه وأبوبكر سالم، وقبلهم الآنسي والسمة و… وكم باعد لك الله يرحمهم كلهم.

  • وفرسان خليفة؟

حتى هذا توفي وتبع الأولين!! الله يرحمه.. كم فقدنا!.

  • من لا يزال موجوداً من فناني تلك الفترة هل تعرفين أم أن العزلة جعلتك بعيدة عنهم؟

العطروش وأيوب والشلن في لحج، واللي بالخارج أحمد فتحي، وعبود خواجة، ومن الفنانات أمل كعدل، وهي من اللاتي تركن الغناء بوقت مبكر.

  • هل هناك أي مشاركات خارجية لك وأين كانت؟

سافرت مع أيوب طارش إلى لندن بعد دعوة رسمية وجهت لنا من السفارة، قطعنا جوازات ووصلت الفيز، ولما وصلنا كانت الشنط حقنا ما وصلين، وبعدين كلمت أيوب قلت له أنت تفهم إنجليزي كلمهم، وجاءت لعندنا وحتى أخذنا معنا القات، وأول حفل لنا في برمنجهام، وبعدها وكان لنا جمهور غنينا لهم وأسعدناهم، لا أتذكر في أي عام تحديداً لكن تقريباً عام 1973 توجهنا عبر عدن، كانت في تلك الأيام سفارة اليمن الشمالي تفعل فعاليات لوحدها وسفارة الجنوب لوحده، لكن أتذكر الجمهور كسر هذا الأمر، وأبرز ما غنينا رحلك بعيد، وطل القمر، وبكر غبش، وفي ذلك الوقت أني ممتنة لسفارة الجنوب اللي قدمت لي الكثير والكثير وللسفير عبدالله بن سلمان، وفعلوا لي توصيات وشهائد، ورجعت باتجاه عدن ومررت عند عودتي بمطار الكويت، وكان لا يزال بدائي وخدماته بسيطة، وفي فرق كبير بين عدن والكويت، واليوم أين بلادنا من الكويت، وصلت عدن فجراً وكان عيالي وزوجي باستقبالي، وأتذكر أنهم حجزوني للمساءلة، وقلت لهم إنه الدعوة من سفارتكم وأني ساكنة عندكم ليش بالمساءلة والتوصيات ما قدرت أوصلهن إلا أيام علي ناصر، وكان الفن يعيش أزمة، وقال لي علي ناصر بافعل لك توجيه إلى مصنع السجائر، وهذا راتب شهرين اجلسي ببيتك والمهرجان الثاني في جيبوتي مع أيوب طارش وفنانين آخرين، وكانت مشاركة ناجحة أيضاً.

  • هل هناك أي مشاركات أخرى؟

لا توجد…جلسنا بالداخل ودخلوا فنانين جدد.

  • لماذا ظل اللون التعزي هو السائد في تجربتك؟

لكل فنان لونه واختياره وهذا أني اللي تربيت ونشأت على هذا اللون، واحترم الألوان الأخرى، ولما حاول بن غودل يضمني إلى فرقة الإنشاد كنت أقول له هذا.

  • حدثينا عن وضعك الصحي ؟

حالتي تشوفها أمامك فقدت عين بالكامل غطت عليها المياه البيضاء والثاني قد بدأت والحمد لله على كل حال، والبخاخ بيدي. وحالتي الصحية بتدهور بعد المرض الشديد الذي مرضته برمضان.

  • هل هناك رسالة توجهينها للقائمين على الثقافة اليوم؟

أيش من مناشدة يا ولدي تعبنا مناشدات ورسائل كم يا حكومات وكم يا رؤساء.. لكن ولا التفاتة حقيقية، راتبي التقاعدي 28000 ألف ريال يمني فقط لا غير، وهذا لا يكفي اليوم حتى لشراء أبسط الأشياء، ولا ندري لماذا يتم إهمالنا، قتلوا أشياء كثيرة بداخلي خليها على الله.. وكم يا فنانين رحلوا وهم ما فعلوا لهم أي شيء، ويذكرونهم بعدما يغادروا (بالطبال) بالتطبيل، لكن الله كريم…

وينتهي الحوار مع فنانتنا الجميلة، بمعاناتها التي عملت حاجز صد أمام استكمال حوارنا معها، لتختمه بجملة كل المقهورين “الله كريم”، ونحن بدورنا نناشد رئيس الوزراء، معين عبدالملك، والقائمين على وزارة الثقافة، ومحافظ عدن،  الالتفات إلى حال هذه الفنانة فائزة عبد الله، التي انتصرت على الواقع الذي أحاط بالمرأة اليمنية في سنواتها الأصعب، متجاوزة الجهل والتخلف نحو الفن والموسيقى، وقدمت الكثير وعانقت هامة البلاد بصوتها الذي كان يصل المسامع في كل صباح ومساء، واليوم تعاني من ويلات الإهمال وتدهور حالتها الصحية، حتى أنها على وشك أن تفقد بصرها بالكامل.

اظهر المزيد

مواد ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق