في الواجهة

في الطريق من عدن إلى المكلا

  • مشاهد ومواقف صادمة تصادفك في نقاط تفتيش تنتشر على طول الطريق، التسول هو القاسم المشترك بينها

  • صادفنا في وادي حسان المئات من قاطرات النفط وشاحنات النقل قال سائقوها إن جنوداً من قوات الانتقالي منعوها من العبور للضغط والمطالبة بصرف رواتبهم

  • على مدخل الطرية وشقرة شرق أبين، اختفت مظاهر التصعيد العسكري والعربات والدبابات الخاصة بتواجد أطراف الحرب هناك

  • باتت أطقم “العمالقة” ونقاطهم الأمنية هي الوحيد المتواجدة في مناطق التوتر وتنتشر من الطرية إلى شقرة رافعة أعلامها البيضاء بشعارها وتسميتها

  • في شبوة التي تنتشر فيها قوات “الشرعية” تلفت انتباهك مواقف عديدة وتناقضات غريبة تبدأ بسفينة نفط لم تحصل على أي ترخيص حكومي رسمي

  • اصطفاف عشرات القاطرات أمام ميناء قنا حتى اليوم استعداداً لملئها بالنفط يُهرَّب أغلبه إلى مناطق الحوثيين

عدن- “الشارع”- تقرير ماجد الداعري:

في الطريق من عدن إلى المكلا، تستوقفك عشرات المشاهد الصادمة ومئات المواقف الغريبة والمثيرة للشفقة والخجل في آن، إذ ما تكاد تقطع بضعة كيلو مترات إلا وتستوقفك نقطة عسكرية، بشعارات وعلم ومطالب جديدة؛ بيد أن التسول المخزي يكاد يكون القاسم المشترك، الذي يجمع كل الجنود المستنفرين جوعاً على جنبات وأرصفة الطريق الدولي من عدن إلى المكلا.

تتنوع مطالب جنود نقاط التفتيش بين التسول المباشر من أول لحظة وبأي شيء يجود به المسافرون من فلوس أو قات أو حتى حبة دخان أو قنينة ماء، المهم عليك أن تدفع أي

قاطرات نفط موقوفة في الطريق الدولي الرابط بين عدن والمكلا

مقابل كتأمين طريق، بينما يثير استغرابك البعض ممن يجهدون أنفسهم بأسئلة مكررة غبية: من أين جئتم؟ والي أين تذهبون؟ وهل لديكم سلاح أو مهربات؟ ومن ثم يختتمها بطريقة مكسوفة لتسول قيمة العشاء أو الصبوح أو الغداء، حسب توقيت مرورك.

كما تصادف وأنت على هذا الطريق نوعية أخرى في نقاط التفتيش الرسمية التابعة للقوات الانتقالية الجنوبية، حيث يُطلب منك وحتى أسرتك التي معك وأطفالك النزول من على متن السيارة خضوعاً لتفتيش أمني دقيق، يجعلك تحترم الجنود وتشعر أنهم مخلصون وحريصون على عدم دخول أي ممنوعات إلى عدن، وخاصة المخدرات والحشيش، التي تؤخذ الحيز الأهم من اهتمامهم؛ لكنك سرعان ما تصدمك في ختام كل جولة تفتيش، تسول الجنود أي شيء مقابل المرور كونهم بلا مرتبات منذ عدة أشهر، كما هي النغمة ذاتها التي ستلاحقك إلى آخر نقطة سير تعبر فيها ولو بلغة الإشارة والتعبيرات والإيحاءات المختلفة.

وعند وصولنا، جمعة الأسبوع قبل الماضي، إلى وادي حسان في محافظة أبين، صادفنا المئات من قاطرات النفط وشاحنات نقل البضائع المختلفة، تصطف بأسراب طويلة على جنبات الطريق، حيث يقول سائقوها، إن القوات التابعة للمجلس الانتقالي المتواجدة هناك منعتهم من المرور للضغط والمطالبة بصرف مرتباتهم. وأثناء العودة من المكلا، كانت تلك القاطرات وشاحنات النقل قد غادرت المكان، دون أن نسمع حتى اليوم بوجود حلول لمرتبات العسكر المنقطعة.

قوات العمالقة في الشيخ سالم والطرية

على مدخل الطرية وشقرة، شرق أبين، اختفت مظاهر التصعيد العسكري والعربات والدبابات الخاصة بتواجد أطراف الحرب هناك (الشرعية والانتقالي)، بالمقابل تمددت قوات ألوية العمالقة المكلفة بالفصل بين الطرفين كقوات محايدة، حتى أصبحت تسيطر على أغلب مناطق الشيخ سالم والطرية، وصولاً إلى أطراف شقرة، وسط اختفاء نقاط تمركز قوات الانتقالي والشرعية من مناطق التماس والمواجهات سابقاً.

وباتت أطقم (عربات عسكرية) العمالقة ونقاطهم الأمنية، هي الوحيد المتواجدة في مناطق التوتر، وتنتشر من الطرية إلى شقرة رافعة أعلامها البيضاء بشعارها وتسميتها المطبوعة

نقطة فاصلة لقوات العمالقة في خطوط التماس بين الطرفين في الطرية

على وسطها، في تأكيد على تطبيعها للوضع وتوليها زمام المبادرة بشكل إحكامي جيد.

وغياب عن المنطقة مظاهر أي توتر جديد أو تسابق لنشر الدبابات والعربات على جانبي الطريق كما كانت الأوضاع سابقا في مناطق سيطرة الجانبين. وهو ما يعطي إشارة بإمكانية صمود وقف إطلاق النار واستكمال تنفيذ اتفاق الرياض خصوصاً في شقه العسكري والأمني إذا ما وجدت النوايا لوقف الحرب وحقن الدماء وإنهاء الصراع المدمر جنوباً، على حساب مواجهة العدو المشترك المتربص بالجميع.

بطاقتك وأين تعمل!

في مناطق الشرعية المنتشرة في شبوة، تلفت انتباهك مواقف عديدة وتناقضات غريبة، تبدأ بسفينة محملة بالنفط لم تحصل على أي ترخيص حكومي رسمي ووصلت بتواطؤ التحالف؛ لصالح نفوذ شخصيات بارزة بقيادة الشرعية، وهي تقف أمام خزاني وقود على جانب ساحل بشبوة، يقال له ميناء قنا، لم يحصل هو أيضا على أي موافقة حكومية من وزارة النقل حتى اليوم، بينما تصطف عشرات القاطرات أمامه استعداداً للتعبئة، مع العلم أن حاجة شبوة للمشتقات النفطية لا يزيد على عشر قاطرات؛ لينبري السؤال الأهم عن مصير بقية تلك القاطرات وإلي أين تذهب؟ إذا لم تكن تُهرِّب النفط للحوثيين باسم البيع والتجارة من قبل من شغلوا الميناء لمهمة تهريب المشتقات النفطية لا أكثر.

وفي النقطة الواقعة بين شبوة وميفع حجر، تصادف “أقبح” نقطة عسكرية مناطقية، بإفادة كل من سألناهم، حيث يستوقفك جندي مستفز، بين ثلاثة آخرين بلباس أمني جديد، وأول ما

سفينة النفط في ميناء قنا

يطلب منك إغلاق صوت المسجل وبأسلوب لا يليق برجل أمن ولا عسكري مستجد.

وتنهال بعد ذلك جملة من الطلبات الأخرى، وبمجرد ما تفحص بطاقة هويتي، ووجد أني من جحاف الضالع، ترك الآخرين، وبدأ بالتحقيق الاستفزازي معي على اعتبار أنني “ضالعي”، “انتقالي”، وبكل تأكيد ومع الإمارات التي كان يسبها ويتهمها بالوقوف وراء كل ما يجري في اليمن.

وأخذ الجندي يتهجم على التحالف، قبل أن يبدأ بأسئلته المعتادة من أين؟ وإلي أين؟ وماذا تعمل؟ وأين كنت تعمل قبل الحرب؟، وحاولت الرد على كل استفساراته بأسلوب مرن وهادئ حتى لا أحقق له رغبته في استفزازي وتسجيل أي سبب لاحتجازنا؛ وهو الأمر الذي استفز أحد من كانوا معي في الرحلة إلى درجة اعتزامه الاشتباك اللفظي معه، لولا تداركي للأمر وإقناعه بتركه يستكمل مهمته براحته فليس لدينا ما يقلق أو يستدعي الاستفزاز مهما كان أسلوبه.

ومع تعاملي الهادئ وأسلوب الجندي المستفز، وجدت نفسي، على درجة عالية من الانتماء المناطقي للانتقالي، أكثر مما هو موقف عنادي، رغم مواقفي الانتقادية المعلنة للانتقالي وتحفظي على كثير من أساليبه وتعامل جنوده، لكن هكذا وجدت نفسي أمام ذلك الموقف الذي حكم فيه الجندي قطعاً أن كل من ينتمون للضالع من مؤيدي وأتباع الانتقالي الجنوبي. ومن حينها أعتقد جازماً أنه بهكذا تصرف سيجعل الناس فعلاً هكذا دون شك، طالما وهذا تعامل جنود دولة الشرعية في نقاط تفتيش ربما يتوجب أن تكون الأكثر انضباطاً بين كل النقاط الأخرى.

مضينا في طريقنا، وما هي إلا لحظات قليلة حتى وصلنا أول نقطة للنخبة الحضرمية، لنجد كل الاحترام والتقدير من جندي دفعتني طيبته إلى الشكوى له مما تعرضنا له بالنقطة السابقة، ليرد علينا متأسفا: إن شكوانا ليست الأولى وإنما يشكو الكثير من تلك النقطة المسيئة للدولة المزعومة من جهة، ولشبوة ورجالها الأحرار من جهة أخرى.

اظهر المزيد

مواد ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى