مقالات رأي

بعض من مظاهر (القرية) بين الأمس واليوم!

قرابة سبعة أشهر مضت منذ عودتي إلى وطني (الجريح) الذي بات مصاباً بجهل وغباء بعض أبنائه، وطمع وعدم إخلاص البعض الآخر! بجانب مصابه دوماً بكيد وطمع أعدائه.. وهذا قدرنا؟!

وكانت العودة تحديداً إلى تعز العز – كونها إحدى المدن اليمنية القليلة المتاحة لأمثالي اليوم- ولقربها من مسقط رأسي. وهي أكبر فترة زمنية أقضيها بتعز (المدينة) ولهدف متابعة التبادل الفردي أو (الجماعي) بين الأسرى من أجل الإفراج على الولد حمزة، الذي بات له بسجن الأمن الحوثي (القومي) ثم (المركزي) أكثر من أربع سنوات ونصف.. ولازلت أتابع والمحاولة مستمرة وستظل حتى يأذن الله بالفرج له ولكل رفاقي ورفاقه.. وبسبب استمرار سجن حمزة (كرهينة) رأيت الكتابة عن جانب من الجوانب شبه الناعمة (مؤقتاً) إن كان القلم يطاوعني أحياناً! وأحسب أن القارئ يقدر ويتفهم بعض محاذيري.. فخلال هذه الأشهر السبعة أتردد على (القرية) لزيارة بعض الأقارب، ولحضور مناسبات البعض الآخر بين آن وآخر.. والكل في القرية هم أقارب دون استثناء وهي فرادة شبه استثنائية تنفرد بها قريتي أو (عزلتي) عن غيرها حسب علمي، ثم أزور القرية أحيانا لهدف التنعم بالعزلة مؤقتاً! ففي العزلة غالباً استثمار للعقل وقطف لجني الأفكار وسعادة للنفس، وراحة للقلب، واغتنام للأنفاس، وقضاء بضع ساعات للتأمل والتفكر والتدبر.. أو هكذا يفهم فوائد العزلة أمثالي؟!!

وها أنا أكتب هذه الأحرف وأنا في القرية، حيث الجو الاستثنائي والمناظر الطبيعية الخلابة، وتلك هي الباقية عما عداها منذ أيام الطفولة، وإن لم تعد كما كانت بنفس الكثافة والمحيط حواليها!.. وكلما أتواجد بالقرية أعود بالوجدان والشعور والإحساس والاشتياق إلى ماضي الطفولة الجميل.. حينما كان العيش بين جدران منزل اندثر، ليبنى منزل شبه حديث مكانه، ولتذهب باندثاره سعادة استثنائية وراحة قلب، وانشراح صدر، واطمئنان ضمير، رغم صعوبة الحياة وعيش الأمس النكد، واللبس الخشن، وبعض مناظر البؤس والشقاء، ودون الشعور حينها بنكد ولا بتبرم ولا بسخط.. وما ذلك إلا لتواجد القناعة والبساطة والإيمان بقضاء الله وبمقدار رزقه، وهو عكس حياة وعيشة اليوم رغم توافر الضروريات، والتحسينات وبعض الكماليات.. وبالعودة إلى ماضي القرية الجميل تتزاحم الذكريات الجميلة غالباً، والمتنوعة عرضاً وجوهراً وأداء، ولازلت وسأظل أتذكر ولو بعضاً منها.. فها أنا اليوم أتواجد بمكان (الغيل) غيل المياه، الذي كانت تترقرق فيه دموع السحائب، حينما كان ماؤه كصفاء الدمعة، ولونه أرزق كعين (السنور)، وغديره كعين الشمس، وذوق مائه العذب كلسان الشموع!! متذكراً أيضاً تجمع أنفاس الحسان بهذا (الغيل) وهن يملأن جرارهن بالماء، فيضعنها فوق رؤوسهن ثم يسرن كطوق الحمام، وبعضهن كن صبايا، لازلن كورود لم تتفتح، وخدودهن كانت كالشفق في الصباح -جمال طبيعي- دون استخدام أدوات التجميل، والموجودة وإن بمواد وطرق مختلفة منذ القدم، ولو لم تكن كذلك لما أوضح “المتنبي” قبل أكثر من ألف عام الفارق بين جمال الحضرية والبدوية حينما قال:

حسن الحضارة مجلوب بتطرية    وفي البداوة حسن غير مجلوب

ورغم عدم (حجاب) امرأة الأمس، وبالصورة التي أشرت إليها آنفاً، إلا أن الآباء والأجداد ظلت معايشتهم لتلك الظواهر الجميلة تحكمها قيم وأخلاق باتت شبه نادره اليوم!.. ومن مفهوم (خيارهم في الجاهلية.. خيارهم في الإسلام ما فقهوا) كما جاء في الحديث النبوي الشريف، أحسب أن حالهم معهن آنذاك يتوافق مع قول الشاعر الجاهلي (عنترة):

وأغض طرفي إن بدت لي جارتي    حتى تواري جارتي مأواها

بينما ماء اليوم بات داخل المنازل كحال المدن ومن نفس (الغيل) الذي رغم كثرة الاستهلاك وكثافة المنازل والبشر لايزال يفيض دون نقص.

فيا لرحمة الله، ثم لحسن تدبير الأجداد والآباء -رحمهم الله- ورغم أن غيل أو ماء الأمس هو نفسه اليوم، مع بعض التباين كما أوضحت آنفاً، إلا أن الذوق غير الذوق، واللون غير اللون، والأداء غير الأداء، والأخلاق غير الأخلاق إلا ما ندر. تباعاً لتغيير الطباع والنفوس والزمن؟!! كذلك لازلت وسأظل أتذكر من أيام الطفولة عظمة المودة التي سادت بين أهالي القرية، وكيف كانت بمثابة دين وخليقة، حيث كانوا كالجسد الواحد لا يتجزأ  ولا ينقسم.. ودون وجود تميز أو انفصام ولا تنابز بالألقاب!! وما ذلك إلا لأن المودة بينهم كانت تنطلق من خالص النفس وتودع في القلوب، وتجمع في نواحي الصدور، فيالرجولة ورجاحة ومثالية وإيمان ومصداقية الآباء والأجداد.. بينما رجال اليوم لم تعد تجمعهم إلا المصالح وبعض الضروريات أو الحاجة إلا ما ندر!!.. وأصبحت عوامل الفرقة أكثر من عوامل الألفة، كما بات من ولي المظالم اليوم لا يعرف أسرارها، ومن يحمل أمانة الإصلاح بين الخصوم لا يعرف مقدراها، وأصبح كل منزل (ريفي) جديد يبنى عليه سور دون استثناء تقريباً، حتى بات الجار لم يعد قبل الدار، ولا الصديق وقت الضيق، ولا الأقربون أولى بالمعروف إلا ما ندر!.. تتزاحم ذكريات (القرية) الجميلة وهي كثيرة ومتنوعة، وبعضها تعم بقدر ما تخص.. وهي تحتاج لسرد وتفاصيل خاصة بها!! وما قد ذكرته بهذه (الدردشة) إنما هي بمثابة نماذج وغيض من فيض وجزء من كل.. ورغم حجم التباين في (القرية) بين الأمس واليوم إلا أن هناك جوانب ذات صلة (بالطبيعة) لم تتغير إلا قليلاً بسبب دخول بعض تكنولوجيا (الحداثة) وبسبب بعض عوامل (التعرية)، ثم، وهو الأهم، تغيرت بقدر تغيير الإحساس والذوق والشعور كماً وكيفاً من إنسان إلى آخر.. فها أنا رغم بعض ضجيج (الحداثة) أتنعم اليوم كالأمس مع الفارق، بقطرات المطر، وهفيف النسيم، ورقرقة المياة، وسماع زمجرة الرعود، وخرير المياة، وحفيف الأغصان، وتغريد الطيور، ومشاهدة النجوم وشعاع القمر، ومعايشة الليل ببعض هدوئه، والتنعم بالشمس الدافئة.. وغير ذلك من الجوانب الطبيعية التي لازلت أتنعم بها رغم مزاحمة بعضها من بعض عوامل تكنلوجيا اليوم؟! ولكنه تنعم بقدر إحساس وذوق وشعور اليوم؟! فالنفوس بوجه عام غير النفوس، والقلوب غير القلوب، والعيون غير العيون، والآذان غير الآذان، والأهل غير الأهل، والأصدقاء غير الأصدقاء.. فشتان بين تنعم وحياة الأمس واليوم ومن كل الجوانب، وفي نفس الوقت فإن التفاوت والتباين بين حياة (القرية) بين الماضي والحاضر واستمرار الحنين إلى الماضي لا يقتصر على قرية أو بلاد دون أخرى؛ فذلك يعم كل القرى والمناطق والمدن سواء (بيمننا) الشقي اليوم ببعض أبنائه، أو في غيره من الدول والشعوب العربية الأخرى، بل ومعظم دول وشعوب العالم دون استثناء، مع الفارق أن الحنين إلى الماضي قد يطغى عما عداه على بعض وربما على معظم (العرب)، لأن حاضرهم اليوم أسوأ من ماضيهم مع بعض التفاوت، وما ذلك إلا لأنهم لايزالون يقدرون (الحمية) وانتصار الصراعات وبعض الاتكالية وعدم تقدير بعض أهم الإنجازات التنموية الشاملة رغم ما حبا الله بعضهم من قدرات مادية متنوعة وهائلة، بينما غير (العرب)، وربما معظمهم، بات حاضرهم أفضل من ماضيهم، مما قد ينسيهم الحنين إلى ماضيهم إلا ما ندر!! وذلك لعصاميتهم وقدراتهم على أخذ الدروس والعبر وتلافي السلبيات، والتعلم الجاد من ماضيهم بخيره وشره، ثم -وهو الأهم- إجادتهم في توظيف الثروات واستخدام العقل في صناعة (التكنولوجيا)، ثم حسن استخدامها بما ينفع العامة ودون إفراط ولا تفريط، بجانب الاهتمام بالجوهر دون العرض بوجه عام؛ وهو عكس عرب اليوم الذين باتوا بمثابة غثاء كغثاء السيل.. فلله في خلقه لنا كعرب شؤون وشجون.. فإلى كل قارئ لهذه الأحرف خاصة من لايزال يحن إلى بعض ماضي طفولته وقريته، أو يتطلع إلى حياة (العزلة) مؤقتاً كشأني.. أهدي بعضها من مظاهر (القرية) بين الأمس واليوم ومن خلال هذه (الدردشة)!!

عزلة (بني بكاري) مديرية جبل حبشي محافظة تعز.

الخميس 25/2/2021م

اظهر المزيد

مواد ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى