مقالات رأي

اليمن كملعب عالمي

النظر إلى الصراع في اليمن دون الأخذ في الاعتبار مواقف اللاعبين الدوليين، يخلق فهماً ناقصاً للمشكلة والحل.

يدرك المتابع المحايد أن جميع أطراف الصراع ليس لديها الاستقلالية في اتخاذ القرار أو الموقف، ولا يستطيع أي طرف السير باتجاه الحرب أو السلام، ما لم تكن هناك موافقة مسبقة من اللاعبين الدوليين.

وعندما يتحدثون عن السيادة أو يقدمون أنفسهم مدافعين عنها بالغالب، فإنهم يمارسون الابتزاز السياسي لتبرير قتلهم لبعض فقط.

يختلف اليمنيون في قضايا ومواقف كثيرة، ويتفقون بالغالب حول ضعف شخصية الرئيس هادي، الذي يملك قضية عادلة لكنه محامٍ فاشل أو لئيم في الدفاع عنها.

ربما كان ضعف الرئيس سبباً في غياب القائد وتعثر إيصال حق اليمنيين العادل باستعادة دولته، لكن هذا الفشل جزئي، واكتمال الصورة يحتاج لفهم المواقف الأوربية والدولية والمنظمات الأممية، ومنها الأمم المتحدة التي تعتبر مواقفها انعكاس لمواقف بلدان خارجية وتحديداً ألمانيا.

هل يمكن إقناع ألمانيا مثلاً عن إيقاف دعمها السياسي لطهران التي ترتبط معها في علاقة وثيقة منذ عقود، وهي من تدير مواقف الأمم المتحدة وتصنع مواقفها باليمن؟

تعد ألمانيا اللاعب الأبرز في أوروبا، وتملك إمكانيات ليس فقط التأثير على القرار الأوربي والأمم المتحدة، ولكن أيضاً قدرة كبيرة في التأثير في القرار الأمريكي، خصوصاً بعد فوز جو بايدن.

مارس دونالد ترامب أقصى درجات الضغط من أجل إضعاف دور ألمانيا “المؤسسة الشرقية”، حسب توصيف الصحفي الراحل محمد حسنين هيكل.

نجح ترامب جزئياً في فترته الرئاسية في تحجيم دور “برلين”، لكنها ظلت تستخدم نفوذها بالأمم المتحدة، ثم دفعت بكل قوتها من أجل التحالف مع الدولة العميقة في “وول ستريت” لمنع وصوله إلى البيت الأبيض لفترة ثانية.

ومع فوز جو بايدن بالرئاسة عين مبعوثاً له وأراد الإمساك بملف اليمن، وتوظيف الصراع بما يخدم أجندته، فهو من ناحية أراد استخدامها كورقة سياسية للتفاوض مع طهران حول البرنامج النووي، ومن ناحية ثانية أرادها أداة للضغط السياسي ضد السعودية تحديداً.

أصبحت برلين وواشنطن تكملان بعضهما في صناعة المواقف بشأن اليمن، تصف الأمم المتحدة الأزمة الإنسانية باليمن بأنها أسوأ كارثة في العالم، ثم تقدم واشنطن رؤيتها السياسية بعد هذا التمهيد الأممي.

إن الصراع بين اللاعبين الدوليين ليس ثابتاً في تكتلاته، بل قابلاً للتغيير، ويتشكل ويتغير طبقاً لتغيرات وتبدلات الحاكم في البيت الأبيض.

لقد تغيرت المواقف الأمريكية البريطانية والروسية والصينية والألمانية والفرنسية تجاه طهران، طبقاً لتبدل علاقاتها ومصالحها.

سيكون من الإجحاف تحميل شرعية ضعيفة مسؤولية عدم استغلال الصراع بين اللاعبين لما يخدم اليمن ويعيد له دولته ويكشف فداحة المشروع الحوثي ضد الإنسانية والدولة والحياة.

وسيكون من المبالغة القول إن الحوثي نجح في تقديم نفسه للعالم، أو أن عدداً من نشطائه أقنعوا أوروبا وواشنطن بتقاريرهم الحقوقية.

الأطراف اليمنية بنظر الخارج مجرد أدوات، والجغرافيا ليست سوى ملعب لتحقيق أهدافهم، والمبادئ الإنسانية ومواثيق حقوق الإنسان والأمم المتحدة ليست سوى أدوات وظيفية. العالم لا ينظر للحكومة الشرعية أو الحوثيين، بل يوجه نظره صوب الرياض وطهران، ومعهما يقرر ما يجب عمله في اليمن.

وللإنصاف فإن ما يمارس ضد المملكة من واشنطن وبرلين بشأن اليمن ابتزاز فادح، تقف خلفه توجهات عدائية مقابل تدليل واضح في التعامل مع طهران.

تُمارَس على السعودية ضغوط وتعنت من الأمم المتحدة، رغم أنها أكبر الممولين لأنشطتها فيما تكتفي مع طهران بالفقاعات الإعلامية.

تدرك واشنطن والمنظمات الأممية وأوروبا أن مشكلة الشرق الأوسط سببه نظام الملالي في طهران، وأن الحل يبدأ بتغييره، لكنها بدلاً من إيجاد الحل تسعى لتوظيف العبث الإيراني في اليمن والعراق ولبنان وسوريا لابتزاز البلدان المستقرة بالمنطقة، وتحديداً دول الخليج.

في الجغرافيا السياسية، البلدان الضعيفة التي تقع في موقع استراتيجي ولا تستطيع حمايته، تصبح ضحية للعنة الجغرافيا (اليمن – الصومال، مثالاً).

هؤلاء اللاعبون الدوليون لا ينظرون للأطراف اليمنية باهتمام بالعادة، ويبنون مواقفهم طبقاً لمصالحهم مع اللاعبين الإقليميين.

اظهر المزيد

مواد ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى