مقالات رأي

اشتاق لذاك الشارع

بين القيادة وجسر السايلة شارع على غير الشوارع في صنعاء؛ فهو أول امتداد يشذ عن شكل صنعاء القديمة في نوع العمارات مثله مثل امتداد الشارع من بعد الجسر وحتى باب شعوب مع أنه متسق في الشكل خصوصاً الجانب الموازي للسور، وهي سلسلة عمارات مصمتة تحتها متاجر متباعدة رديئة الإضاءة لمضخات مياه باسم السنيدار وغيره. بينما السور شامخ وأسفله رصيف حجري أصفر مهجور إلا من بعض المشردين “المجانيين” الذين يتبولون عليه.

لا توجد محلات كثيرة في هذا الشارع ولا ينبض بالحياة. فهو برزخ كئيب بين شارع القيادة وما بعد الجسر نحو شعوب.

ليس هذا الشارع ما يهمني الآن. يهمني الشارع الموازي له الذي يسبقه من جهة التحرير. ويصل هو الآخر من القيادة إلى جسر السايلة. يمتد بنفس طول الشارع الرسمي إلا أنه من شاكلة معمار صنعاء القديمة ذي الأسس الحجرية والطوابق الطوبية الحمراء الباهتة حيث روائح الجبس الأبيض وتراب الطمي تختلط بأشجار السقوف وروث الأبقار المستخدم في صناعة الطوب. شارع أضيق وحميمي جداً.

وهو من الضيق الذي لا تسوطه شمس النهار طويلاً عرفته وهو ترابي وشهدت مراحل سفلتته، ولعبت في المساحة الإسفلتية التي في رأسه، والتي كانت مربض سيارات أحيانا يتبع القيادة. نعم القيادة العامة للأركان.

كنت ألعب كرة القدم بعض دقائق هناك في الوقت المسروق بعد الخروج من المدرسة والرواح.

هذا الشارع الضيق كان مليئاً بالحياة وعلى جنباته بقالات صغيرة فقيرة من السلع. الأطفال يلعبون فيه وتسمع فيه نداء الأمهات للأطفال وصراخ الشباب وهم متحلقون حول صديق لهم معه دراجة نارية. بين الصراخ والمرح ستسمع حتماً وعيد الأطفال وهم يركضون وراء أحدهم خطف منهم ماء ملوناً مثلجاً: أوريّك يا ابن اللّ… آتجي افدطرك!

غادرت تلك المنطقة وبعد أن سكنت فترة في مقابل الشارع الصغير بعد الجسر تماماً وعدت إليه لأن صديقي هاني كان يسكن في أول عمارة في الشارع من القيادة أعلى مخبازة هناك.

وقبل أن يصبغ الشارع بالإسفلت ويتحول إلى شارع مسطح كنت أعبره وهو ترابي بجنبات مرتفعة ووسط منخفض كالخندق يسمح بمرور الماء نحو السايلة. كنت أذهب إلى صديق لنا اسمه ذخر، يعمل في محل إصلاح تلفزيونات في أول عمارة مقابل الشارع تقع على مدخل شارع العدل. كانت هناك بوفيه صغيرة جدا جوار محل إصلاح التلفزيونات يقدم صاحبها أطباقا شهية منها بيض بالطماطم في الصباح ورز بسمتي مع مشكّل خضار ودجاج بمرق وقت الظهر.

إما إني كنت صغيراً وأجد كل الطعام شهياً أو كان بالفعل شهياً حتى أني لم أتمكن من نسيانه.

واعتدت العبور في هذا الشارع الضيق أفضّله على الشارع الموازي الكبير الكئيب. سنوات كثيرة عبرته في رحلتي اليومية طول سنوات دراستي الإعدادية والثانوية في مدرسة عبد الناصر.

وكان اليوم الذي لا أعبر فيه هو يوم منازعة بيني وبين زميلي عبد القوي العديني، الذي كان يتردد من عبور الأزقة ويمضي في الشوارع الرئيسة حيث يشعر أكثر بالأمان ويتجنب صلف الصغار ونزقهم وتلذذهم بإزعاج الغريب عن الحي.

الآن اشتاق لذاك الشارع.

اظهر المزيد

مواد ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى