ترجمات

لقد غيّر الصراع الاقتصاد اليمني- ما الذي يعنيه ذلك بالنسبة للسلام؟

  • فهم الأسواق الوظيفية وأدوارها في اقتصادات الصراعات الحديثة هو مفتاح وضع سياسات أكثر فعالية من أجل السلام

  • تلعب الأسواق العاملة في اليمن دوراً حيوياً في توفير السلع الأساسية إلا أنها عرضة للاستغلال من قبل السلطات الحكومية وغير الحكومية التي تستفيد من الصراع

  • سياسات الحكومات والوكالات الدولية المرتبطة بالصراع في اليمن بحاجة إلى التكيف لدعم هذه الأسواق التي تعمل فيها بشكل جيد

كتب: جوزيف هدلستون، ديفيد وود، دانييلا ماكيرا ساردون، وجاريت دانغ
ترجمة: عبدالله قائد- خاصة بـ “الشارع”:

الصراع الذي طال أمده يغير حياة الناس العاديين العالقين في بؤرة التقاطعات. كما أنه يغير الاقتصادات. تتنافس جماعات المعارضة مع الحكومات المركزية على الإشراف على الأسواق، بما أدى إلى تقسيم القطاعات، وتعقيد خطوط الإمداد أو تعطيلها، وفرض حالة التكيف. وتتشكل الأسواق وتتغير لتلبية احتياجات المدنيين، في حين تظل القواعد والسلطات المعنية والتوقعات حول كيفية عمل الاقتصاد غير واضحة.

وهذه النظم الاقتصادية التكيفية، التي نسميها بـ “الأسواق الوظيفية” في دراستنا التي نشرت مؤخراً، تختلف عن غيرها من الاقتصادات غير المشروعة. وعلى عكس الأسواق “السوداء”، التي تشهد في المقام الأول تبادل السلع غير المشروعة مثل الأسلحة أو المخدرات، أو الأسواق “الرمادية”، التي تتميز بالافتقار إلى الرقابة، فإن الأسواق الوظيفية تتعامل مع السلع والخدمات الأساسية على مستوى الكفاف.

ويمكن أن تؤثر الأسواق الوظيفية أيضاً على مسار الصراع نفسه. فهي تلبي من جهة الاحتياجات الأساسية للمدنيين، حيث توفر الخدمات الأساسية وتخفف من المجاعة وغيرها من الكوارث الإنسانية. ومن ناحية أخرى، يمكن أن تستغلها الأطراف المتحاربة لتخلق حوافز لمواصلة الصراع. إن فهم هذه الأسواق وأدوارها في اقتصادات الصراعات الحديثة هو مفتاح وضع سياسات أكثر فعالية من أجل السلام.

دور الأسواق الوظيفية في النزاع اليمني

أنتجت الحرب في اليمن أزمة إنسانية، حيث أدى الجوع والقتال إلى حدوث مجاعة ونزوح جماعيين. ومن أجل استكشاف كيفية استخدام المدنيين والجهات الفاعلة اقتصادياً للأسواق الوظيفية لمواجهة الصراع، وكيف يمكن أن تؤثر على آفاق السلام، أجرينا مسحاً شمل 801 أسرة يمنية تعيش في مناطق تسيطر عليها الحكومة المعترف بها دولياً في عدن، وفي المناطق التي تسيطر عليها جماعة أنصار الله، المعروفة أيضاً باسم الحوثيين.

في محادثاتنا مع اليمنيين، وجدنا أن العديد من المواطنين، إن لم يكن معظمهم، يلجؤون إلى الأسواق الوظيفية لشراء السلع والخدمات الأساسية، بما في ذلك غاز الطهي والغذاء والدواء وصرف العملات. يقول الكثيرون إنهم يعتمدون على “السوق السوداء” لأنهم غير متأكدين من الوضع القانوني للأسواق التي يستخدمونها. وكما أوضح أحد المجيبين: “نحن… لا يمكن لنا التمييز بين ما هو قانوني وغير قانوني… نحن فقط نتطلع للبقاء على قيد الحياة”.

تظهر الأبحاث التي أجريت في مناطق الصراع الأخرى “اقتصادات ظل” مماثلة يحركها الربح و”اقتصادات المواجهة أو المواكبة” التي يحركها كسب العيش والبقاء. فعلى سبيل المثال، لعبت الأسواق المخصصة دوراً هاماً في تحقيق الاستقرار المحلي للتجار على الحدود بين السودان وجنوب السودان، وأدت شبكات التجارة العائلية إلى تحقيق رخاء ملحوظ في أجزاء من جمهورية الكونغو الديمقراطية، والتي عرقلها ذلك الصراع الذي طال أمده.

وفي حين تلعب الأسواق العاملة في اليمن دوراً حيوياً في توفير السلع الأساسية، إلا أنها عرضة للاستغلال من قبل السلطات الحكومية وغير الحكومية التي تستفيد من الصراع. وفي المناطق التي تسيطر عليها جماعة أنصار الله، أفاد المجيبون عن فرض غرامات والاستيلاء على الأعمال التجارية كنتيجة مُحتملة لانتهاك اللوائح. ومن الأمثلة الصارخة على ذلك الطبيعة المشروطة لأسعار غاز الطهي – ففي مناطق أنصار الله، تكلف أسطوانة غاز واحدة عشرة أضعاف تكلفتها بالنسبة للأسر التي لم ترسل أبناءها للانضمام إلى قوات الأمن، بحيث يرفع السعر إلى 14000 ريال (25 دولاراً)، بدلاً من 1200 ريال (2 دولار).

وعلى الرغم من هذه الدينامية، لا تزال العلاقات التجارية وعلاقات الأعمال الأساسية مستمرة عبر فجوات الصراعات. حافظ أصحاب الأعمال الذين تحدثنا إليهم على شبكات دعم ونفوذ مع الحكومات المحلية والميليشيات وغيرها من قوات الأمن، ومع أصحاب الأعمال على الجانب الآخر من الصراع. يعتقد بعض اليمنيين الذين قابلناهم أن هذه العلاقات التجارية يمكن أن تكون طريقاً نحو إبطاء العنف.

ولن تكون هذه المرة الأولى التي تلعب فيها دوائر الأعمال المحلية دوراً حيوياً في محادثات السلام. لعبت النخب التجارية المحلية أدواراً رئيسية أدت إلى اتفاقات سلام في عامي 1992 و1996، التي أنهت الحرب الأهلية في السلفادور وغواتيمالا، واعترف الباحثون بفرص مماثلة في أفغانستان وسوريا.

في كثير من الأحيان، لا تحظى اقتصادات الصراعات باهتمام الجهات الفاعلة الدولية بسبب طابعها اللامركزي وغير المنظم. وكثيراً ما تفضل الوكالات التي تحاول تقديم المعونة الغذائية أو التوسط في اتفاقات السلام أن تعمل حصراً مع الجهات الفاعلة المعترف بها دولياً. ولكن هذا الأمر يأتي بنتائج عكسية، كما يدلل على ذلك تصنيف الولايات المتحدة لجماعة أنصار الله كمنظمة إرهابية أجنبية. وفي اليمن، كما هو الحال في مناطق النزاع الأخرى، غالباً ما تكون السلطات المحلية أكثر ثقة من نظيراتها على المستوى الوطني، الذين قد لا تكون لهم مشاركة أو رؤية ثاقبة في الاقتصادات المحلية اليومية.

وتلبي الأسواق الوظيفية في اليمن الاحتياجات الأساسية للناس، على الرغم من تعرضها للاستغلال من قبل الجهات الفاعلة في النزاع. وفي ضوء ذلك، ينبغي تقييم فائدة السوق الوظيفية في هذه السياقات المعقدة من خلال قدرتها على خدمة الناس، والتخفيف من حدة الكارثة، والمساهمة في تحقيق السلام. ويترتب على ذلك أن سياسات الحكومات والوكالات الدولية المرتبطة بالصراع في اليمن بحاجة إلى التكيف لدعم هذه الأسواق التي تعمل فيها بشكل جيد، فعلى سبيل المثال، توفر الدخل والسلع والخدمات الأساسية، وتعمل فقط على عرقلتها عندما تدعم جهود القتال، أو تمكن أو تخلق مفسدين، أو تعرقل المشاركة في عمليات السلام. وبطبيعة الحال، قد تلعب الأسواق الوظيفية الدور الإيجابي والسلبي في نفس الوقت. ولكن تجاهل هذا السياق والإصرار على العمل مع السلطات المعترف بها فقط هو محاولة لبناء السلام في فراغ. وحدها الاستراتيجية التي تراعي المخاطر التي يواجهها جميع الفاعلين المؤثرين لديها الفرصة لإحداث تغيير سلمي.

—————–

  • جوزيف هدلستون، هو أستاذ مساعد. وديفيد وود، هو أستاذ تطبيق في كلية الدبلوماسية والعلاقات الدولية في جامعة سيتون هول. دانييلا ماكيرا ساردون وجاريت دانغ، هما باحثان مساعدان في دبلوم كلية الدبلوماسية.
  • اعتمدت هذه المقالة على نتائج الأبحاث التي تم التوصل إليها في إطار مشروع GIZ “لدعم عملية السلام لليمن”، والذي تموله الوزارة الاتحادية الألمانية للتعاون الاقتصادي والتنمية بالشراكة مع الاتحاد الأوروبي.
  • نُشرت هذه المقالة في مجلة بوليتيكال فيولنس أت إجلانس بتاريخ 5 أبريل 2021
اظهر المزيد

مواد ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى