تقارير

الحوثيون يصادرون أرصدة البهائيين المصرفية

  •  أحد البهائيين: ليس بالإمكان توفير ما يسعف أهالينا للدخول إلى المستشفيات بعد أن تم وضع حساباتنا المصرفية على القائمة السوداء

  • لا يقف الأمر عند تجميد الحسابات المصرفية، بل حتى على مستوى محال الصرافة، لا يستطيع البهائيون المدرجون على لوائح الحوثي السوداء تحويل أو استقبال حوالات من أي جهة

  • بهائي آخر: ما فيش أعمال، بهائيون كثر تركوا وظائفهم الحكومية وهم غير قادرين على المداومة بسبب المضايقات والتهديد والاعتقالات والتهميش

“درج”:

وكأنّ دموية الحرب التي أرخت بظلالها القاسية على بهائيي اليمن لا تكفي حتى تلاحقهم جماعة الحوثي بتهم التخابر مع إسرائيل، بسبب وجود مزارات لهم في عكا وحيفا، ولينتهي الأمر بالتضييق عليهم إلى حد اجتراح “لوائح سوداء” يضمون إليها جميع البهائيين، لمنعهم من التصرف بأموالهم، ووضع إجراءات صارمة على حساباتهم المالية وتحويلاتهم الخارجية.

“ليس بالإمكان توفير ما يسعف أهالينا للدخول إلى المستشفيات بعد أن تم وضع حساباتنا المصرفية على القائمة السوداء”، يقول (م. ح)، أحد البهائيين اليمنيين المتضررين من أحدث الإجراءات التعسفية لسلطات جماعة أنصار الله (الحوثيين)، ضد المنتمين للطائفة.

وفي حديثه لـ “درج”، يوضح (م. ح)، أن الحسابات البنكية التي كُشف عن تجميدها مؤخراً، هي ما يرفد “لقمة العيش لأسرنا وأهالينا”، ويضيف: “عندما نقوم بإسعاف أحد من الأهل إلى المستشفيات في العاصمة”، يحتاج لأن يتسلّم مبلغاً “لدفع تكاليف المستشفى والأدوية والفحوصات الطبية، وحتى هذا الأمر تمنعنا عنه نهائياً جماعة الحوثي بسبب وضع أسمائنا في القائمة السوداء، وتجميد حساباتنا”.

ولا يقف الأمر عند تجميد الحسابات المصرفية، بل حتى على مستوى محال الصرافة، لا يستطيع البهائيون المدرجون على لوائح الحوثي السوداء تحويل أو استقبال حوالات من أي جهة “حتى من أهلك وأقاربك”، على ما يقول (م. ح)، وهو ما “أثر علينا تأثيراً سلبياً جداً، ولم نعد قادرين على توفير أقل الحاجيات المعيشية”.

“الاسم في القائمة السوداء”

ويأتي الكشف عن حظر تحويلات البهائيين وحساباتهم البنكية، كأحدث الإجراءات، التي جرى الكشف عنها خلال الشهر الماضي، حيث نشر المتحدث باسم البهائيين في اليمن، عبد الله العلفي، صورة تفيد أن اسمه “موجود ضمن القائمة السوداء”، مشيراً إلى أن ذلك جاء بمذكرة رسمية من البنك المركزي اليمني (في صنعاء).

وفي حديثه لـ “درج”، يؤكد العلفي أن الحوثيين يستندون إلى “مذكرة الحارس القضائي بتاريخ 9/2/2020 بخصوص الحجز على أرصدة المتواطئين في التخابر مع الموساد من البهائيين”.

وأضاف: “أنا طبعاً ضمن القائمة هذه، ظللت تحت المراقبة لفترة سنتين وحجزوا حقي وفعّلوا القائمة السوداء بداية السنة هذه”، مشيراً إلى أنها تسببت للبهائيين عموماً بأضرار كبيرة.

بعد صدور قرار سلطات الحوثيين بـ “الإفراج والعفو اعتقدنا أن المسائل في طريقها إلى الحل بسرعة، وأن الحوثيين سيفتحون الأرصدة ويفكون الحسابات ويتركونا لحالنا، ولكن ما حصل كان عكس ذلك، حيث أضافوا أشخاصاً آخرين إلى القائمة”.

ويشير العلفي إلى أن هناك من البهائيين من لديهم أرصدة في حسابتهم، وآخرين “عملهم الآن معتمد على الحسابات الإلكترونية والحوالات المصرفية”، وكثير من المنظمات والأعمال أونلاين تعتمد على الحوالات، “بمجرد أن تقول للشخص أو الجهة التي تتعامل معها إنك في القائمة السوداء، تتأثر”.

الإفراج عن معتقلين بهائيين وترحيلهم

خلال السنوات الماضية، بقي البهائيون مفردة حاضرة دائماً في تقارير المنظمات الحقوقية والتقارير الأممية، بسبب موجة الاعتقالات والاستهداف التي تطالهم، خصوصاً منذ أواخر العام 2014، بعد سيطرة “أنصار الله” الحوثيين على العاصمة صنعاء.

وخلال العام المنصرم، شهد الوضع انفراجة محدودة استجابة للضغوط والمطالبات الدولية، حيث أعلن رئيس المجلس السياسي الأعلى (واجهة سلطة جماعة الحوثي في صنعاء)، مهدي المشاط، في مارس 2020، العفو عن السجناء البهائيين، وفي يونيو من العام نفسه، جرى الإفراج عن ستة معتقلين بهائيين، بما فيهم حامد بن حيدرة، الذي كانت قد صدرت ضده أحكام بالإعدام بتهم ملفّقة بالتعامل مع إسرائيل، لكن الإفراج جرى ليتم ترحيلهم على الفور إلى خارج اليمن.

لكن في المقابل، ومع بداية العام الجاري، جرى الكشف عن إجراءات جديدة، ومنها حظر التحويلات والحسابات المصرفية، كما أعلنت الجامعة البهائية العالمية في السادس من فبراير الماضي، أن محكمة خاضعة لجماعة الحوثي، استدعت 19 بهائياً ضمن ما قالت إنه “مضايقات مستمرة ضد الأقلية البهائية في البلاد”.

وأضافت الجامعة، في بيان، أنه “في حال مثول البهائيين الـ19 المعنيين أمام المحكمة فمن شبه المؤكد أنهم سيواجهون تهماً لا أساس لها من الصحة بسبب معتقدهم كبهائيين، وتشمل هذه التهم في العادة إظهار حسن الخلق والامتثال بالسلوك القويم؛ ومن ثَمَ سجنهم وتعريضهم لممارسات مسيئة”.

أوضاع صعبة إلى أبعد الحدود

هذه المضايقات جعلت البهائيين في أوضاع صعبة، بحسب العلفي، فـ “الوضع في صنعاء صعب إلى أبعد الحدود”، و “ما فيش أعمال، بهائيون كثر تركوا وظائفهم الحكومية وهم غير قادرين على المداومة بسبب المضايقات والتهديد والاعتقالات والتهميش”.

حتى من يعملون في القطاع الخاص اضطروا لترك أعمالهم، بسبب معتقدهم، يتابع العلفي، بعد أن كان البعض منهم، يحصل على وظيفة في منظّمات بعقود مؤقتة أو عبر الإنترنت “الآن صعب جداً بل مستحيل أن تشتغل وأنت في القائمة السوداء، إلا إذا كانت منظمة حقوقية تقدّر أنك استثنائي، لكن بشكل عام من هي الشركة التي ستشغل واحداً على القائمة السوداء؟”.

لا مسوّغ قانوني

وفي ظل استمرار الإجراءات والأسئلة المثارة بشأنها، يقول المدير التنفيذي للمركز الحقوقي اليمني، إنصاف محمد المحفلي، إنه “لا يوجد أي مسوّغ قانوني لاضطهاد مواطن أو مجموعة من المواطنين، ولا يحق لأي جهة من دون وجه حق أن تعمل على إيقاف حسابات أو تجميد أرصدة مصرفية من دون إجراءات قانونية وفق الدستور والقانون”.

ويضيف المحفلي لـ “درج”، إنه “من الواضح جدا أن هناك محاولة محمومة للتخلص من كل من يختلف معهم في العقيدة، أو حتى في المذهب والتوجه الفكري، لقد حاولوا عبر الاعتقال والسجن والتعذيب”، ويقول إنهم “الآن يعتمدون أساليب أخرى عبر المضايقة على مصادر العيش، ومحاولة مصادرة الأموال، الأمر الذي يعتقدون أنه سيضطر البهائيين إلى مغادرة البلاد”.

هذا الأمر يصفه المحفلي بـ “الخطير للغاية”، فهو يفتح المجال في اتجاه المزيد من الانتهاكات التي تعمل على التجويع والتفقير، وهو “الأمر الذي يعتقدون أنه سيؤدي في النهاية إلى خروج البهائيين من البلاد”، وبذلك “نخسر مكوناً ثقافياً وفكرياً مهماً لتنوع البلاد وثروتها الفكرية. لا أدري لم الخوف من التنوع الفكري، لماذا يخافون من وجود دين مختلف وفكر مختلف عن فكرهم؟”. ويرى المحفلي ضرورة “أن نسعى جميعاً من أجل مناصرة البهائيين والوقوف معهم ضد هذه الهجمة الشرسة التي تستهدفهم في حياتهم وفي مصادر عيشهم، إنهم مواطنون يمنيون يحق لهم أن يمارسوا ما يعتقدونه طالما هم تحت سقف الدستور والقانون”.

اظهر المزيد

مواد ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى