مقالات رأي

الوداع أيها الراحل الاستثنائي

أوجعنا رحيل الرفيق أبو رامي حد النخاع، وهو الشعور المؤلم بجلل المصاب وفداحة الخسارة الذي سيعتري كل رفاقه ومن عرفه وتعامل معه، فقد كان طليعة العمل التكافلي بما يفيض به من دلالات مشرقة، وهو سابقة في مؤسسة حزبنا بالطريقة  التي اجترحها الفقيد عبر حملة فتاح، ولا أقول إنه لم يكن هناك تعاون رفاقي، لقد كان، لكنه لم يتخذ الشكل الإبداعي الذي صار عليه منذ أن زرع هذا الفقيد براعمه في حقول الرفاق لتزهر سنابل باخضرار وارف، استظل بظلها المتعبين من ذوي الحالات الحرجة وعلى امتدادات الجغرافيا الوطنية في كل اتجاهاتها (من حوف حتى أطراف الجوف) على كل مساحات الأرض التي تفترشها منظمات الحزب وحيث لكل عضو من أعضاء الحزب رجالاً ونساء قصة كفاح تشكل هوياتهم الشخصية متشابكة مع التاريخ الوطني الحديث لليمن في مختلف مراحل تطوره، لقد كان وبإيجاز دليلاً مرئياً على قدرة حزبنا الخلاقة إنتاج وسائل الاستمرارية والديمومة.

تُعرف المعادن الأصيلة في تلك الأوقات العصيبة التي تتطلب صلابة الصمود وقوة الصبر وغزارة العطاء والتضحية، ولقد مثل الفقيد بنشاطه الدؤوب وجهوده الصادقة بمعية رفاقه حالة كثيفة الحضور في ملمات رفاقه وأوجاعهم، ومزيجاً من التسامي الذي لا يوهب إلا للندرة من الناس، أولئك الذين تشبعوا بقيم المحبة والخير، وجسدوا معنى الرفيق موقفاً وتكاتفاً، ونذروا أنفسهم لخدمة الإنسان، وانبجسوا عيوناً لا تنضب من العطاء الإنساني الخالد.

في مسارات الكفاح الطويلة وفي منعطفات المراحل الصعبة كان حزبنا ينهض من عمق المأساة ليستمر بتوليد الأمل، منحازاً للناس وقضاياهم، حاملاً مشروع الدولة المدنية على كاهله، ونصب عينيه تحقيق العدالة الاجتماعية والمواطنة المتساوية، ومن صلب هذا الحزب خرجت أجيال كثيرة مضت في نهجه وخاضت كفاحاتها لتحقيق أهدافه ومبادئه، وليس غريباً أن يلتحق بعضوية هذا الحزب الفلاح والعامل والمرأة والشباب والأكاديمي والجندي.. الخ، ذلك لأنه تجسيد حي لنضالات كل هؤلاء، وتعبير جلي لقضاياهم، ولذلك فهو حزب متجدد لا تكسره الظروف ولا تهزمه المؤامرات.

لقد خسر حزبنا أحد أعضائه الفاعلين وهي بالمطلق خسارة أليمة تنضح بالحزن الإنساني النبيل لواحد ممن أضفوا على الوجود طابعاً إنسانيا بكل ما في هذه الكلمة من معانٍ، استثنائيا في تحمل مهمة إنقاذ رفاقه، وصاحب ذلك الزخم المحتشد لخدمة من لم تسعفهم ظروفهم في تحمل نفقات العلاج عبر حملة فتاح الرفاقية التي حققت نجاحات باهرة في التكافل الرفاقي، كان الفقيد ربانها في عمق مأساة الحرب، قادها عبر الأمواج المتلاطمة وأدت دورها الريادي والإنساني بنجاح منقطع النظير، متوهجة في أشد الظروف حلكة، وفي مرحلة مثقلة برزايا الحرب وتداعياتها القاتمة.

إن المصاب الذي مني به حزبنا لفادح بكل ما تعنيه الكلمة لشخصية محورية اتسمت بالإخلاص والتفاني والقيم النبيلة ومعاني الشرف ونقاء الضمير، ومثلت قناديل ضياء في عتمة السديم المظلم، وأغدقت بروحها الإنسانية على كل من حولها فيض فرح وغيث أمل، وتجليات من البهاء الذي اختطه كثير من أماجد حزبنا ومناضليه على طول وعرض هذا الوطن الذي وهبوه وأفنوا من أجله جل أعمارهم، منهم من لا يزال ثابتاً في نهج المسار، وآخرون رحلوا شامخي الهامات إلى رحاب الخالدين.

ارتقى أبو رامي عبدالله عبدالغني إلى ربه وهو في أوج عطائه، نظيف اليد، مترع بسمو القيم التي جسدها قولاً وفعلاً في مضامين رسالته الإنسانية وجهوده المطردة المتفانية، ولعل عزاءنا يكمن في مواصلة مساره واستمرار حملة فتاح الرفاقية وفاء للرجل وتكريماً مستحقاً لبذله وعطائه، وسيظل مصدر إلهام واعتزاز دائمين، وممن تركوا بصماتهم راسخة في وجدان الناس وضمائرهم، نادراً كالأشياء التي تعلق في الذاكرة وتأبى الرحيل، ومثار فخر لحزبنا ولرفاقه ولأسرته.

لروحه السلام والطمأنينة والخلود الأبدي.

اظهر المزيد

مواد ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى