رصيف

رفيقة شرف.. القلب الذي يفيض بحب الأطفال

  • كنت في عمر 5 سنوات حين وقع الطلاق بين والديّ فانتقلنا إلى العيش مع خالي، أمي وشقيقتي وأنا

  • تزوج خالي ولم ينجب، فأمعن في تدليلنا أنا وشقيقتي، فكنت الطفلة الوحيدة التي تلعب في الشارع مرتدية حزاماً من الذهب

  • في الـ 16 تزوجت، ولم يتجاوز عمري 18عاماً حين بدأت التدريس في كلية بلقيس، وكان زوجي يقلّني من العمل كل يوم، يحضر معه ألوان الحلوى يوزعها على الأطفال

  • مات زوجي قبل أن أتم الأربعين من عمري، كان يدلنني كثيراً، لم يمنعني من عمل أو من سفر وكان يفضل البقاء للاعتناء بوالدتي وخالاتي

  • كان هناك ليلة مشبّعة بالفرح، يبيت فيه الأطفال في الروضة، وأذكر أن الرئيس سالمين كان يزورنا يحمل السمك للأطفال.

  • قبل 15 عامًا تركت “ماما رفيقة” عالم تدريس الأطفال، لكن شغف الطفولة لم يفارقها، نقلت كرسي الإدارة إلى شباك منزلها

  • تحوّل الشارع إلى روضة واسعة الأرجاء تديرها وحدها، حنانها لا ينفد، فما تزال تغدقه بسخاء على أطفال الحي، وللآباء نصيب من التوبيخ

عدن ـ “الشارع”- صفا ناصر:

”عمر هذا المنزل 130 عامًا“. هكذا بادرتنا رفيقة شرف. وكأنها آثرت أن تعرّفنا بالمنزل قبل ساكنيه، تشير بيديها في أرجاء المكان. ”في هذا البيت ولدت، وفيه تزوجت، وفيه أيضاً ترمّلت“. يتهدّج صوتها.“ومن هنا شيّعت أمي إلى قبرها، ومن هنا سأرحل أنا أيضا”. صمتت قليلاً ثم دعتنا إلى الجلوس.

ولدت رفيقة شرف في الثالث والعشرين من أيلول/ سبتمبر 1943. في حي الشيخ عثمان بعدن، وهي أخت خولة شرف من جهة الأب، وفي عمر الخمس سنوات انتقلت إلى حياة جديدة في بيت خالها. ”وقع الطلاق بين والديّ فانتقلنا إلى العيش مع خالي، أنا وأمي وشقيقتي، وذكرى طيبة نحملها عن والدي. لا أذكر أنه أذانا يوماً. فظلت أمي تحفظ له الود، وخصصت لنا يوم الأحد من كل أسبوع لزيارته، فلم تنقطع الصلات بيننا إلى يوم وفاته“.

كبرت رفيقة في حارة الهاشمي، تقضي وقتها في اللعب قرب محل خالها تاجر الجلود، تتسلى بقذف أشجار البلح بالحجارة لتسقط ثمارها، مدللة خالها كما تصف نفسها. ”تزوج خالي ولم ينجب، فأمعن في تدليلنا أنا وشقيقتي، كان يشتري لنا أنواع الهدايا الثمينة، فكنت الطفلة الوحيدة التي تلعب في الشارع مرتدية حزامًا من الذهب”. كبرت رفيقة منذرة بطفولة شقية، أسّست مجموعة من المشاكسات الصغار. ”كنا ثلاث صديقات، آسيا ونجيبة وأنا، أعمارنا بين 5 و 6 سنوات. نلعب وندرس ونأكل معًا. نتقاسم الحزن والفرح. حين تتعرّض إحدانا إلى اعتداء، نجتمع نحن الثلاثة ونضع خطة للانتقام“. تضحك عاليًا. ”لهذا صار يخافنا أطفال الحي، أطلقوا علينا اسم مثلث العصابة“.

درست رفيقة الابتدائية في المدرسة الشمالية (مدرسة نور حيدر حاليًا)، ثم الإعدادية في كلية البنات بخورمكسر، وأثناء دراستها الثانوية خطبها شاب قريب لوالدتها، نشأ يتيمًا فتولت أمها تربيته، تربّى في البيت نفسه مع رفيقة، كبرا معاً، تعرفه عن قرب وتعرف مدى طيبته، فلم تتردد في القبول، وفي عمر السادسة عشر تزوجت.

كلية بلقيس

في العام 1961 قرأت رفيقة خبرًا عن قرب افتتاح كلية تسمى كلية بلقيس في حي الشيخ عثمان، تحوي إضافة إلى المرحلتين الإعدادية والثانوية، صفوفاً لرياض الأطفال، فشكّلت تلك الصفوف النواة لافتتاح رياض الأطفال الحكومية الرسمية في السنوات التي تلت. أعلنت الكلية عن حاجتها إلى مدرّسات. كان قد مضى عامان على زواجها قضتهما في البيت، تعطي الدروس لأطفال جيرانها في الحي، حينذاك بدأ ولعها بالأطفال، فكان إعلان طلب مدرّسات لرياض الأطفال امتداد أكثر احترافًا لذلك الشغف، فقررت أن تتقدم للعمل. “تقدّمت وقُبلت، ثم عمدت الكلية إلى تأهلينا، ألحقتنا بدروس في تعلّم اللغة العربية، وطرق التدريس والتعامل مع الأطفال“.

اُختيرت رفيقة ضمن ثلاث مدرّسات لتدريس الصفوف الثلاث لرياض الأطفال. جهّزت الزي الرسمي، بلوزة بيضاء وجونلة خضراء، فكان المارّة يهتفون عند رؤيتها وزميلاتها في طريقهن إلى العمل. ”ها قد أتين الجمّالات“، في إشارة إلى الزي الأخضر الذي كان يرتديه مربو الجمال آنذاك، لكنها لم تكن تهتم بالدعابات، يهمها أنها كانت سعيدة وهي تبدأ حياة العمل الجديدة بصحبة الأطفال.

تأسست كلية بلقيس من هيئة يمنية كان يرأسها آنذاك حسين الحبيشي، الذي عًيّن لاحقاً عميداً للكلية، كما ضمّت الهيئة أيضاً أحمد حيدر ثابت، مسلم علي. وكان أكثر ما يميّز كلية بلقيس أن شروط القبول فيها أقل صرامة. ”كنا نقبل التلاميذ الذين تجاوزوا السن المسموح به في المدارس، أو من لا يملكون شهادة ميلاد. فكان الأهالي يأتوننا من كل مكان، من المحافظات الشمالية والأرياف“. سألتها عن لقب ماما رفيقة، قالت أنها رفضت أن يناديها الأطفال ”يا ست“ كما جرت العادة في نداء المدرّسات. ”قلت لهم كلمة ”ست“ تقال في المدرسة، أما هنا اسمي ماما رفيقة“. فلازمها اللقب حتى اليوم.

لم يتجاوز عمر رفيقة 18 عامًا حين بدأت التدريس في كلية بلقيس، ومع هذا لم يواجه قرارها بالعمل معارضة من أهلها ولا حتى من زوجها. بل على النقيض، ساعدها وشاركها الولع بالطفولة. ”كان زوجي يقلّني من العمل كل يوم، يحضر معه ألوان الحلوى يوزعها على الأطفال، وينتظرني ريثما أنهي الحصة، فكان الأطفال حين يرونه يصرخون: ماما رفيقة، جاء بابا أحمد“.

حملنا الطوب والإسمنت

استمرت رفيقة في تدريس رياض الأطفال حتى مطلع السبعينات، وفي العام 1972 انضمّت كلية بلقيس للحكومة، حينها فصلوا الإناث عن الذكور، تأسست ثانوية النهضة للذكور، وخصصت كلية بلقيس للإناث، انتقلت إليها، وفيها ترقّت إلى منصب نائبة المديرة. لكن رفيقة لم تكن تهتم كثيراً بالمنصب، لم تكن المدرسة الجديدة تحوي صفوفاً لرياض الأطفال، فاشتاقت نفسها إلى صحبتهم، واستمرت حتى العام 1975 حين اقترحت نجلاء شمسان فكرة إنشاء روضة ”أروى“ بالتنسيق مع إدارة التربية والتعليم في المحافظة. وفيها عادت رفيقة إلى العالم الذي تعشقه، عالم الأطفال. ”كانت فرحتنا لا توصف، كنا نساعد العمال في البناء، حملنا الطوب والاسمنت، أردنا أن ننتهي من العمل في أسرع وقت ونباشر التدريس”.

كانت روضة أروى شاسعة رحبة، تعجّ بالكثير من النشاطات والذكريات. ”خصّصنا يومًا في الشهر لتبادل الخبرات بين رياض الأطفال، فكانت نجلاء تتصل بنا عند الخامسة فجرًا تخبرنا باسم الروضة التي سنذهب إليها في ذلك اليوم، كما خطرت لها أيضًا فكرة المبيت، وهي ليلة يبيت فيه الأطفال في الروضة، كانت ليلة مشبّعة بالفرح، أذكر أن الرئيس سالمين كان يزورنا يحمل السمك للأطفال“.

وفي العام 1986  افتتحت روضة 11 فبراير (مدرسة الفيحاء حاليًا) فتعيّنت رفيقة مديرة لها بقرار رسمي من وزير التربية والتعليم آنذاك، علي ناصر محمد، وبقيت في الإدارة مدة 17 عاماً، ثم انتقلت إلى روضة معين بتعيين رسمي آخر من وزير التعليم، وبقيت في الإدارة 17 عامًا أخرى، مارست فيها الإدارة والتوجيه. ”كنت أحرص على حضور حصص المدرّسات للإشراف والمراقبة ثم التقييم. وفي آخر كل شهر كنّا نخصص يومًا لتبادل الخبرات على مستوى إحدى الرياض في عدن“.

من الشباك

قبل 15 عامًا تركت ”ماما رفيقة“ عالم تدريس الأطفال، لكن شغف الطفولة لم يفارقها. نقلت كرسي الإدارة إلى شباك منزلها. تحوّل الشارع إلى روضة واسعة الأرجاء تديرها وحدها، تراقب الأحداث، ترهف سمعها لالتقاط أقل صوت لبكاء طفل فتهب مستطلعة السبب. حنانها لا ينفد، فما تزال تغدقه بسخاء على أطفال الحي، وللآباء نصيب من التوبيخ إن بدا من أحدهم تجاه طفله ما يسوؤها، غير أنها تقابل دوماً بما يليق بها من الطاعة والاحترام.

أيامها تخلو من الضجر، لكنها لا تخلو من الحزن، تشغل وقتها بالعبادة ولقاء أخوتها والصديقات، لكن يضنيها الحنين إلى الأحباب الذين رحلوا. ”أمي وخالاتي وجدتي. كلهن خرجن من هذا البيت إلى قبورهن، شاركت في غسلهن وتكفينهن، ودعتهن الواحدة تلو الأخرى“. وزوج غادرها باكرًا. ”مات زوجي قبل أن أتم الأربعين من عمري، كان يدلنني كثيرًا ويشجعني أكثر، لم يمنعني من عمل أو من سفر“. كانت تسافر وحدها ويعتني هو بوالدتها وخالاتها في انتظار رجوعها. ”حين أطلب منه أن يرافقني في أسفاري، يرفض، يقول لا نستطيع ترك قريباتك وحدهن، أخشى أن يقع لهن مكروه في غيابنا“.

لم تكن ماما رفيقة معلمة روضة وحسب، هي امرأة تلقت تأهيلاً عاليًا أتقنت معه أساليب التعامل مع الأطفال، التحقت في 1978 بدورات في ألمانيا، وقبلها في القاهرة في العام 1965، أما عن الدورات الداخلية فلا تذكر عددها، وكانت جميعها لتطوير قدراتها في تدريس الأطفال وتربيتهم، وبدأت منذ أول يوم احترفت فيه هذا المجال الصعب.

42 عامًا قضتها مع الأطفال، كبر الصغار، تصادفهم في كل مكان، في الشارع، في المحلات، في المطارات، يهتفون بها. ”ماما رفيقة ألا تذكرينني؟ كنت تلميذًا عندك“. على امتداد سنوات عملها، مرّت عليها آلاف الوجوه، لا تذكر الكثير منهم، لكنها تذكر أنها أحبتهم جميعهم حتى وإن غيّبتهم الذاكرة.

حين غادرت منزلها، خطر لي، ولأغراض التوثيق، أن أسأل عن اسم الشارع الذي تقطن فيه. ثم عدلت عن ذلك. أيًا يكن اسمه، هناك الاسم الأجدر والأحق بامرأة وهبت عمرها من أجل أطفال الغير، امرأة تقول: “أطفال العالم كله أطفالي“. يخيّل إلي أنني لو سألت أي عابر في الحي، ما اسم هذا الشارع، سيرد: ”شارع ماما رفيقة“.

اظهر المزيد

مواد ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى