فنون وثقافة

الكلب المقدس

اعتاد أن يزعجهم بنباحه ومروره بجوارهم وحولهم أثناء تأديتهم طقوسهم الروحية، تلك الطاقة الروحية كانت تذهب مع الريح بسبب تشتت تركيزهم، كان ذلك الأمر يربكهم ويجعل من صلواتهم بلا معنى..
مع تكرار الإزعاج قرر كبيرهم ربط الكلب أثناء الطقوس ووضع بعض العظام أمامه ليتسلى بها عوضاً عن لفه ودورانه حولهم..
تنتهي الصلوات فيعود الكلب حراً طليقاً..
استمروا على ذلك الحال سنوات حتى عندما مات كلبهم واستبدلوه بآخر ظل ذلك الفعل سارياً فالكلب مازال كلباً مهما كان شكله أو لونه..
تمرد الكلب قليلاً فهو لا يعلم لماذا يتم ربطه كل ليلة، وفي الأخير تأقلم على وضعه..
ذهب معلم وأتى آخر ومازالت مسألة ربط الكلب أساسية، وتغير الأتباع تباعاً، ولم يبق من الجماعة الأولى أحد، ومع ذلك استمر ربط الكلب معتقدين بأن ذلك جزء من المراسيم الروحية..
وبعد مرور سنوات وسنوات كثيرة سأل أحد المريدين:
من أولى بقطع اللحمة التي كانت تلقى للكلب؟
الكلب أم هم؟
وبالذات أنهم كانوا يأتون من مناطق بعيدة لتلقي العلم..
رد عليه آخر: اخرس لو سمعتك الآلهة لمسختك خنزيراً، ألا تعلم بأنه خليفتها ولا تكتمل الطقوس إلا به..!
قال ثالث: لا.. نحن نستحقه ولا الكلب.. الأولى من الجميع بهذا الطعام هو معلمنا..
أما التلميذ الرابع وقف وقال: دعوا الأمور كما هي، هكذا وجدناها وهكذا سنمررها للآخرين.
بدأ الصوت يعلو وانقسم التلاميذ كلٌ يحاول الدفاع عن وجهة النظر التي يؤمن بها..
– لا يمكن حرمان الكلب فهو من يحرسنا من الشياطين..
– وما قيمة الكلب من دون معلمنا الذي يجب أن يتغذى جيداً..! فتراتيله هي من تمنع الشياطين من الاقتراب..
– وكيف نستطيع أن ننصت لتلك التراتيل والشيطان يسكن بطوننا الخاوية..!
– منذ الأزل وأفراد جماعتنا يجتمعون ولا يفكرون بتغيير الأمور.
استمر النزاع كل ليلة إلى أن قررت كل فرقة أن تجتمع بمعزل عن الأخرى وفقاً لنظرتها للأمور وأصبح هناك أربعة كلاب مقدسة..
عامٌ بعد عام ومع ظهور جيل جديد بدأ النقاش يعود..
الفرقة الأولى بدأت تناقش هل الأولى ربط الكلب بسلسلة من ذهب عوضاً عن الحبل كي نتقرب إلى الآلهة فتنظر لنا بعطف وتقدير..؟
الفرقة الثانية منحت معلمها صولجان من ذهب وقفطان من حرير ونكاية بالفرقة الأولى قررت بناء قصر له..
الفرقة الثالثة كان أفرادها يأخذون تبرعات المؤمنين بها التي كانوا يقدمونها للكلب المقدس وينفقونها على أنفسهم وعندما كان يظهر الهزال على الكلب كانوا يقنعون مريديهم بأنه نذر صوماً من أجل أن تتحسن أحوالهم، فهو من أجلهم يصلي..
الفرقة الرابعة كانت تستدعي أمهر الأساتذة الذين يستطيعون حساب مقدار المساحة المناسبة التي كان الكلب المعظم يعيش فيها بحيث لا يأتون بكلبٍ أصغر أو أكبر من أسلافه، وبذلك يحافظون على المعنى العميق والمخفي وراء حجم الكلب ومساحة مسكنه فكل شيء يحدث لحكمة لا يستطيعون فهمها ولكن يستطيعون تطبيقها كما هي..

وبعد مرور عقود ظهر للعلن الخلاف الذي كان يدور في الكواليس فيما يتعلق بأبجديات كل فرقة..
الفرقة الأولى: لماذا كان لزاماً أن يكون الحيوان المقيد هو الكلب وليس حيواناً آخر..؟
أليس الكلب الحر مفيداً أكثر لنا..؟
– تقصد يحرس بيوتنا وقطعاننا..؟
-نعم، أقصد هذا، فما معنى وجوده مقيداً وغيره من الكلاب تهيم في كل مكان.. في الجبال والوديان.. ما قيمة تقديس الكلب الفرد عوضاً عن جنس الكلاب ككل إذا لم يكن الكلب كمفهوم هو المقدس..!
– ماذا جرى لعقلك يا فتى..!
أليس جميعنا بشراً لكن يوجد بيننا الغني والفقير، الأمير والخادم..
– وما الذي يجعل كلبنا هذا أفضل من بقية الكلاب؟
– منذ القدم وأسلافنا يقيدون هذا النوع من الكلاب ويجب أن نتبع ما وجدنا عليه الأولين.
– بل يجب أن يكون كلبنا مميزاً يليق بمكانة فرقتنا.. فكيف سيثق الآخرون بما نقوله وسلسلة الكلب أغلى منه..!
– وماذا تقترح؟
– أقترح أن نصنع تمثالاً للكلب من الذهب ونشيد له مبنى يحج الناس إليه للبركة ونيل الرضا..
رأى الرضا في عيون البعض والاحتقار في عيون البعض الآخر والذين قرروا الإنسلاخ عن فرقتهم وتكوين فرقتهم الخاصة..
وانتهى الاجتماع بفرقتين وكلبين لكن أحدهما من الذهب الخالص..
أما الفرقة الثانية فالجدل قد ظهر باكراً، من الذي يحق له خلافة معلمهم..؟
أخوه أم أحد أولاده؟
وبعد شد وجذب انقسموا.. فرقة مع الأخ وفرقتان إحداهما نصبت الابن الأكبر معلماً لها ومرشداً والأخرى جعلت من الابن الأوسط هو المعلم والمستنير..
أما الابنة الصغرى لم يتحدث عنها أحد فكونها فتاة يسقط عنها دور الريادة من الأساس..
وانتهى الأمر بثلاثة فرق وثلاثة كلاب قابلة للزيادة حسب عدد نسل كل فرع..
والفرقة الثالثة وما أدراكم ما هي الفرقة الثالثة فقررت أن تترفع عن الصغائر وأن يدار موضوع الاختيار عبر صناديق الاقتراع..
فكان أن ظهرت الرشوة والوعود الهلامية حيناً والتخويف أحياناً كثيرة لمن يرفض انتخاب فلان أو العائلة الفلانية فانقسم أفرادها بين سلطة ومعارضة وكلاب متعددة..
وظلت الفرقة الرابعة تحاول السير من خلال آثار القدامى، في ذات المكان وذات الملبس وكأن الزمن لم يمر عليهم.. فقط كلبهم أدرك أن عليه الهرب لكي ينجو بعقله وجرائه من تخشبهم ورفضهم التحرك في الزمان والمكان..

وبعد عقود من الزمن والانتقال النوعي من حليب الماعز إلى حليب النيدو، ظهر متمردون في جميع الفرق أثاروا جدالاً هنا ونقاشاً هناك مما أدى إلى نتائج مختلفة كانت كالتالي:
الفرقة الأولى قرر أفرادها دفع تهمة تعاليهم لصنعهم تمثال من ذهب للكلب وكيف أنقص ذلك من شعبيتهم، وحتى يظهروا مرونتهم قرروا إعطاء الحرية للكلب فلا يليق به القيود وإن حبست روحه في هيكل من ذهب، وبعد نقاشات عميقة قرروا استبداله بالحمار الصبور، الصديق الذي يشبه الإنسان، يعيش بكد ويموت وهو لا يدرك لماذا عاش؟ ولماذا الشقاء كان عنوان كل مراحل حياته؟
لقي هذا القرار امتعاض معظم الجماهير فعملت النخبة على لعب دور الكلب في النباح وإخافة كل من تسول له نفسه الاعتراض..
وانتهى الحراك بقائدٍ حمار ومريدين كلاب..
الفرقة الثانية كانت مشغولة بإظهار كل فرقة فيها بأنها أفضل من الفرقة الأم التي انفصلت عنها، فبدأت كل فرقة تدَّعي بأنها وجدت ورقة لمعلمهم الأكبر يذكر فيها بأن هناك فرع في عائلته يملك الكلب الأنقى والذي تعود جذوره لما قبل التاريخ، حيث لم يكن هناك شيء إلا راعي وكلبه الأصيل الذي لم يكن جده ذئباً، ثم بدأت مرحلة اغتيالات الكلاب أو اختفائهم في ظروف غامضة…
أما الفرقة الثالثة فقد كرست حياتها لإعلاء مفهوم الديمقراطية، وكيف للفرد أن يكون حراً في جميع اختياراته فكان أن تعددت وتنوعت أنواع الحيوانات التي اختاروها لتشاركهم طقوسهم وكان البقاء للأقوى فشعر الكلب بالتهديد النوعي لأبناء جنسه فقرر الانضمام للفرقة الرابعة التي مازالت تقدس الكلب مهما مرت عليها القرون..
ومن هناك حاول أن يعيد للكلب مجده مرة بالحيلة وأخرى بالحرب، ورغم كل محاولاته في التنكر، ورغم جمال الأقنعة وصدقها إلا أنه كل ما حاول الكلام نبح.

قصة “الكلب المقدس” / عابرون/ للكاتبة: نبيلة العبسي

اظهر المزيد

مواد ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى