في الواجهة

دبلوماسية قاتلة.. كيف ساهمت الأمم المتحدة في تفكيك الدولة اليمنية؟

  • منذ اندلاع الاحتجاجات الشعبية، مطلع العام 2011، تعاقب على الملف اليمني 3 مبعوثون أمميون تشاركوا جميعاً في التعتيم على حقيقة الصراع في اليمن وأهدافه

  • الأمم المتحدة تحايلت على اتفاق الحديدة لصالح الحوثيين دون أن تتخذ الحكومة أي موقف بل أستمر ممثلوها يشاركون في اجتماعات لجنة تنسيق إعادة الانتشار

  • رغم توفُّر أدلة على وجود صلة للجماعات المسلحة بأحزاب يمنية إلا أن العقوبات التي فرضها مجلس الأمن اقتصرت على أفراد ثانويين فيما الكيانات الحزبية المتخفية وراء المليشيات بقت بمنأى عن العقوبات

  

“الشارع”- تحقيق- علي سالم المعبقي:

يُشَبِّه يمنيون الأمم المتحدة برئيسهم عبدربه منصور هادي، الذي مازال منذ تسلمه السلطة في شباط/ فبراير 2012، مجرد رئيس توافقي لا يملك من القوة غير اصدار قرارات التعيين لممثلي الأحزاب اليمنية الموقعة على المبادرة الخليجية، وجماعاتها المسلحة، حسب ما تظهر البيانات الرسمية الصادرة منذ ذلك التاريخ.

كذلك “الأمم المتحدة أداة سياسية بيد الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن المحتكرة حق النقض (الفيتو)”، على ما يقول لـ”الشارع” مدرس مادة القانون الدولي في جامعة صنعاء الدكتور بشير طربوش.

على غرار ما وظفت الأطراف الموقعة على المبادرة الخليجية ضعف الرئيس هادي وموقعه التوافقي لتنفيذ أجندتها الخاصة، استخدمت الدول العشر الراعية للمبادرة الخليجية مظلة الأمم المتحدة لشرعنه العنف وتفكيك الدولة اليمنية التي وصفها حلف شمال الأطلسي (الناتو) بـ”الخطر الداهم”.

بدلا من أن تعمل على حفظ السلم العالمي وحماية حقوق الإنسان، وفق ما يقضي ميثاقها، ضَحَّت الأمم المتحدة بأمن وحياة ملايين اليمنيين من أجل حماية مصالح وأمن الدول الغربية، حسب ما يؤشر هذا التحقيق الذي يكشف عن تستر مؤسسات أممية ومبعوثو الأمين العام للأمم المتحدة على استخدام أحزاب يمنية مليشيات مسلحة بهدف الاستيلاء على السلطة بالقوة بالمخالفة للدستور اليمني واستراتيجية الأمم المتحدة لمكافحة الإرهاب.

فضيحة ستوكهولم

مطلع تشرين الثاني/ نوفمبر 2018، بينما كانت حملة عسكرية تابعة للحكومة اليمنية، على وشك التوغل داخل مدينة الحديدة (226كم غرب صنعاء)، بهدف تحريرها من سيطرة من تصفهم بالمتمردين الحوثيين. ضغطت الأمم المتحدة والدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن على الحكومة اليمنية وهددت بإطلاق النار على القوات الحكومية إذا لم توقف القتال، وفق ما أكد لـ”الشارع” ثلاثة مسئولين حكوميين.

مقابل وقف تحرير الحديدة عسكرياً، “تعهد المجتمع الدولي برعاية اتفاق يؤدي الى إخراج الحوثيين من الحديدة والعودة التدريجية لسلطات الدولة التي كانت متواجدة في نفس المكان قبل انقلاب 21 أيلول/ سبتمبر201″، وفق ما يقول لـ”الشارع”، خالد اليماني، وزير الخارجية السابق في الحكومة اليمنية ورئيس وفدها في مشاورات ستوكهولم.

 كان  اتفاق ستوكهولم، الذي أُعلن في كانون الأول/ ديسمبر 2018، هو الوثيقة التي يفترض أن تنظم تلك الصفقة، إلا أن “تعديلاً اجراه، في اللحظات الأخيرة، المبعوث الأممي إلى اليمن، مارتن غريفيث، على مسودة الاتفاق من دون علم الوفد الحكومي، جعل النص الخاص بالسلطات المكلفة بأمن الحديدة مبهماً وقابلاً للتأويل”، حسب ما قال لـ”الشارع” عضوان في الوفد الحكومي إلى مشاورات ستوكهولم، أحدهما وزير الثقافة السابق مروان دماج.

بحسب اتفاق الحديدة (جزء من اتفاق ستوكهولم) بنسخته المعدلة، “تقع مسؤولية أمن مدينة الحديدة وموانئ الحديدة والصليف ورأس عيسى على عاتق قوات الأمن المحلية، وفقاً للقانون اليمني”، وهو النص الذي أعتبره “اليماني” واضحاً، إلا أن الأمم المتحدة فسرته بشكل أفضى إلى تعزيز سيطرة القوات الانقلابية على الحديدة ومفاقمة معاناة السكان من دون أن تتخذ الحكومة اليمنية خطوات فعالة.

في 12 آيار/ مايو 2019، قالت بعثة الأمم المتحدة لدعم اتفاق الحديدة (UNMHA )، إن الحوثيون سلموا موانئ الحديدة الثلاث الى خفر السواحل تنفيذاً لاتفاق الحديدة، وهي خطوة لم تعترف بها الحكومة اليمنية حسب ما يؤكد “اليماني”، إلا أن المبعوث الأممي  مارتن غريفيث، أصر على أن الحوثيين التزموا بتنفيذ اتفاق ستوكهولم، وفق ما جاء في احاطته المقدمة إلى مجلس الأمن في 15 آيار/ مايو 2019.

كعادتها لم تنتظر قوات خفر السواحل طويلاً لتبرهن مجدداً على تعارض عقيدتها مع عقيدة الجيش اليمني، ففي 21 حزيران/ يونيو2020، ظهرت خفر السواحل في الحديدة وهي ترفع شعار مليشيا الحوثيين وصور زعيم الجماعة عبدالملك الحوثي، وقائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني، الفريق قاسم سليماني، وتدوس على العلمين الأمريكي والإسرائيلي في استعراض للقوة نُظم بمناسبة تخرج قوة جديدة فيها حملت اسم “دفعة الرئيس الشهيد صالح الصماد”.

خلال ذلك الاحتفال، جدد القيادي الحوثي، عبدالرزاق المؤيد، الذي ينتحل صفة رئيس مصلحة خفر السواحل الحوثي، “العهد لله ولقائد الثورة السيد العلم عبد الملك بدر الدين الحوثي بأن منتسبي خفر السواحل سيظلون أوفياء لدماء الشهداء”.

وهذه ليست المرة الأولى التي تُظهر خفر السواحل الولاء لمليشيا الحوثيين، فمنذ 2015 شاركت قوات خفر السواحل  في العمليات القتالية البحرية ضد الحكومة اليمنية والتحالف العربي، وهددت بضرب ناقلات النفط العابرة مضيق باب المندب، وفق اعتراف عبدالرزاق المؤيد، المُعين من قبل الحوثيين.

وباستثناء تصريحات صحافية ورسالة إلى الأمين العام للأمم المتحدة، لم تتخذ الحكومة اليمنية والتحالف العربي أي خطوات قانونية بشأن تحايل الأمم المتحدة على اتفاق الحديدة، بل أستمر ممثلو الحكومة يشاركون في اجتماعات لجنة تنسيق إعادة الانتشار(RCC)، ولم يعلقوا مشاركتهم فيها إلا في نيسان/ أبريل 2020، احتجاجاً على مقتل ممثل الحكومة في اللجنة الأممية لمراقبة وقف إطلاق النار، العقيد محمد الصليحي، بحسب وزارة الخارجية اليمنية. وعند سؤاله عن سبب مشاركتهم في اللجنة، رد “اليماني” بالقول إن “أطرافا في الحكومة أصرت على ذلك”.

 لكن اتفاق ستوكهولم  لم يكن المحطة الأولى أو الأخيرة التي يخرق فيها موظفون أمميون مبدأي الحياد والنزاهة، فخلال المرحلة الانتقالية (2012- 2014) تواطأت الأمم المتحدة مع الأحزاب اليمنية والدول الغربية والخليجية الراعية للمبادرة الخليجية، لتحويل المرحلة الانتقالية من حوار كاد أن يكون ناجحاً إلى حرب مدمرة وفق ما خلصت دراسة نشرتها، في  2016، المؤسسة الدولية للديمقراطية والانتخابات، بعنوان “انتقال اليمن سلمياً من الحكم الاستبدادي: هل كان النجاح ممكنا؟”.

حقيقة الحوثيين  

بعد تعتيم استمر أكثر من عقد حول حقيقة الجماعة التي خاضت 6 جولات قتال ضد الجيش اليمني في صعدة، خطت مجموعة الأزمات الدولية في حزيران/ يونيو 2014، خطوة الى الأمام في تعريف الحوثيين بقولها إنهم “تحالف متقلّب لتيارات-دينية، وقبلية، وحتى يسارية- تتعاون تحت مظلة المعاداة لمؤسسات الدولة”.

تعود جذور التحالف المذكور أعلاه إلى فترة الحرب الباردة، فمقابل تحالف الإخوان المسلمين مع زعماء قبيلة حاشد الزيدية، تحالفت تيارات يسارية وقومية مع زعماء قبيلة بكيل الزيدية، وأحزاب دينية زيدية مثل اتحاد القوى الشعبية وحزب الحق، وهو التحالف الذي هُزِم في حرب صيف 1994، على مستوى الجنوب والشمال.

 أثناء ما عرف بحرب المناطق الوسطى التي شهدتها خلال العقدين السابع والثامن من القرن العشرين محافظات شمالية، مثل إب وتعز، دعمت الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية نظام صنعاء والجبهة الإسلامية (الذراع العسكرية لتنظيم الإخوان المسلمين في اليمن)، في حربهما ضد الجبهة الوطنية اليسارية.

ومع التحولات التي طرأت على الاستراتيجية الغربية عقب تفجيري المدمرة الامريكية يو إس إس كول (تشرين الأول/ أكتوبر 2000)، وناقلة النفظ الفرنسية ليمبورج ( تشرين الثاني/ نوفمبر 2002)، في سواحل اليمن، ومشاركة يمنيين في التخطيط لهجمات 11 أيلول سبتمبر 2001، عاد التحالف اليساري القومي تحت غطاء الحوثيين والحراك الجنوبي، مدعوماً هذه المرة بتأييد دولي واقليمي يستهدف محاربة الإرهاب.

عندما دعتهم الدول العشر، في آب/ أغسطس 2014، إلى الانسحاب من عمران والمناطق التي سيطروا عليها، رد الحوثيون مستنكرين “ازدواجية الدول التي تقول إنها تحارب داعش والقاعدة ثم تطالب انصار الله بالانسحاب من المناطق التي حرروها من الجماعات التكفيرية”، مستشهدين بتصريحات هادي حول عودة عمران الى أحضان الدولة.

وغداة صدور قرار مجلس الأمن رقم  2216، بتاريخ 14 نيسان/ أبريل 2015، أنتقد الانقلابيون عدم إشارة القرار إلى”الإنجازات والنجاحات التي أحرزها الجيش والأمن واللجان الشعبية في مواجهة عناصر القاعدة وداعش”.

في تلك الأثناء كان مبعوث الأمم المتحدة إلى اليمن، جمال بن عمر، على علم بامتلاك الأحزاب اليمنية أجنحة مسلحة، وفق ما أعترف في مقابلة مع قناة سكاي نيوز عربية، إلا أن “بن عمر” تعامل مع الانقلابيين باعتبارهم طرفاً طارئاً ومستقلاً عن الأحزاب.

ومع تشكيل اللجنة الثورية العليا (شباط/ فبراير2015)، المجلس السياسي الأعلى (آب/ أغسطس2016)، وحكومة الانقاذ الوطني (تشرين الثاني/ نوفمبر2016)، وهي هيئات سياسية أنشأها الإنقلابيون لإدارة صنعاء و المناطق التي سيطروا عليها، بات واضحاً مدى ارتباط انقلاب 21أيلول/ سبتمبر2014 بأحزاب يمنية مسجلة.

وتظهر أدلة جمعها معد التحقيق، انتساب ما لا يقل عن80 في المائة من قيادات سلطة الأمر الواقع في صنعاء إلى أحزاب يمنية موقعة على المبادرة الخليجية، مثل: صادق أمين أبو راس، رئيس المؤتمر الشعبي العام، حسن زيد، أمين حزب الحق، نبيل الوزير، نائب الأمين العام لحزب اتحاد القوى الشعبية، محمد محمد الزبيري، أمين عام حزب البعث الاشتراكي الموالي لسوريا، واللواء مجاهد القهالي، رئيس تنظيم التصحيح الشعبي الناصري. وقيادات في الحزب الاشتراكي والتنظيم الوحدوي الناصري، كما تضم التشكيلة سلفيين سنة يوصفون بالمعتدلين مثل الشيخ محمد طاهر أنعم.

تضليل أممي  

منذ اندلاع الاحتجاجات الشعبية، مطلع العام 2011، ضد نظام الرئيس علي عبدالله صالح، تعاقب على الملف اليمني 3 مبعوثون أمميون هم جمال بن عمر (أبريل 2011- أبريل 2015)، إسماعيل أحمد ولد الشيخ (أبريل 2015- فبراير 2018)، ومارتن غريفيثس (فبراير 2018- يونيو2021). وفي شباط / فبرير 2014 قرر مجلس الأمن وضع اليمن تحت الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، وشكل لجنة جزاءات بشأن اليمن،،إلا أنهم تشاركوا جميعاً في التعتيم على حقيقة الصراع في اليمن وأهدافه.

 كان يمكن لتحديد الكيانات الحزبية المشاركة في تنفيذ الانقلاب تجنيب ملايين المدنيين كارثة القتل والجوع والنزوح، إلا أن لجنة الجزاءات التابعة لمجلس الأمن ومبعوثو الأمين العام للأمم المتحدة والأفرقة الأممية المعنية باليمن تسترت عن الفاعلين الرئيسيين في خرق واضح للقواعد المهنية والأخلاقية المفترض أن يلتزم بها موظفو الأمم المتحدة. 

يقول فريق الخبراء البارزين الدوليين والإقليميين المعني بتقصي حقائق انتهاكات حقوق الإنسان في اليمن، إنه أتبع “أفضل الممارسات والمنهجيات الراسخة لتقصي الحقائق”، لكن الفريق، المكون من 4 خبراء، لم يكتف بالتستر على الأحزاب التي ساندت الجماعات المسلحة، بل وعمل على تلميع الميليشيات بالقول أن “الحوثيين مجموعة ذات مشاركة واسعة تتخطى الخطوط الطائفية، مع أهداف معلنة بدعم جمهورية يمنية أكثر ديمقراطية وغير طائفية”، وفق ما جاء في الفقرة 99 من تقريره الصادر في أيلول/ سبتمبر2019.

ما ورد في تقرير الفريق المُنشأ بموجب قرار مجلس حقوق الإنسان رقم 36/31 لسنة 2017، لا يمثل حالة منفردة واستثنائية، بل يندرج في سياق تضليل ممنهج مارسه مبعوثو الأمين العام والأفرقة الأممية، ما تسبب في إدامة الصراع ومضاعفة المعاناة الإنسانية في اليمن.

بالتوازي مع تلغيم مؤتمر الحوار بجماعات مسلحة، ما منح الأحزاب المتخفية وراء هذه الجماعات تمثيلاً مضاعفاً على حساب شبان الثورة المستقلين، أدت اشتراطات المانحين إلى تأخير صرف مبلغ  8.49 مليار دولار تعهد به أصدقاء اليمن لدعم عملية الانتقال السلمي للسلطة، ما تسبب في زيادة تدهور الأوضاع المعيشية للمواطنين، وهو الوضع الذي استغلته بعض الأطراف لتحميل ثورة الشباب المسئولية.

وعندما صارت تلك الأموال متاحة، في العام 2014، ضغط صندوق النقد الدولي (IMF) على الحكومة لترفع الدعم عن المشتقات النفطية، ما وَفَّر لجماعة الحوثي والأحزاب الداعمة لها ذريعة لتنفيذ الانقلاب عبر محاصرة صنعاء واجتياحها بمبرر إسقاط الحكومة.

لم تقف مجموعة البنك الدولي التابعة للأمم المتحدة عند توفير الذرائع لاستخدام العنف، بل وَسَعَت إلى تبرير، بالقول أنه كان نتيجة للتهميش وتباطؤ الحكومة في تنفيذ مقررات مؤتمر الحوار الوطني، وفق ما جاء  في وثيقة للمجموعة بتاريخ 20 يونيو 2016. وهو تفسير يتعارض مع الوقائع والوثائق، فالأحزاب التي شاركت في تنفيذ انقلاب 21 أيلول/ سبتمبر، كانت ممثلة في الحكومة بنسبة تزيد عن 60 في المائة، وتهيمن على الجيش والبرلمان. وعندما باشرت تلك القوات إسقاط عمران ثم صنعاء، لم يكن قد مضى على اختتام مؤتمر الحوار سوى 4 شهور.

في سياق حملتها لمنع عملية تحرير الحديدة، قالت الأمم المتحدة إن “قطع الواردات عبر ميناء الحديدة سيضع سكان اليمن في خطر شديد”، معتبرة ميناء الحديدة أهم نقطة لمرور الواردات، وهو واحد من تصريحات مضللة استخدمها موظفون أمميون لأغراض غير إنسانية.

وبحسب بيانات وزارة النقل في صنعاء، تبلغ الطاقة الاستيعابية لميناء عدن، الواقع في مناطق الحكومة الشرعية، 18 مليون طن في السنة، أي أن ميناء عدن قادر على استقبال ضعف واردات اليمن بينما لا تزيد الطاقة الاستيعابية لميناء الحديدة عن 9 ملايين طن، ويصل غاطس ميناء عدن إلى  14.7 متراً، مقابل 9.75 متراً لغاطس الحديدة. كما توجد في مناطق الحكومة الشرعية ما لا يقل عن 4 موانئ أخرى و4 منافذ برية.

مُكَافِح “الوهابيين”!

مطلع 2002، السنة التي تأسس فيها جهاز الأمن القومي (المخابرات)، ومصلحة خفر السواحل، ضمن برنامج دعم أمريكي- أوربي، شمل تدريب قوات متخصصة لمكافحة الإرهاب، انتقد مؤسس جماعة الحوثيين حسين بدرالدين الحوثي (1959- 2004) سماح السلطات اليمنية والسعودية للأمريكيين بانتهاك السيادة الوطنية بذريعة مكافحة الإرهاب ،حسب ما خاطب اتباعه.

ولحل هذا التعارض بين الحفاظ على السيادة، والتزام اليمن بمكافحة الإرهاب، طلب الحوثي من الحكومة اليمنية أن تقف على الحياد وتتركه وجماعته يحاربون “الوهابيين الإرهابيين”، حسب تعبيره، وهو ما تحقق له لاحقاً.

أثناء ما عرف بحروب صعدة الست (2004- 2010)، انحصرت المواجهات ما بين الحوثيين والقوات التابعة للواء علي محسن الأحمر، قائد المنطقة الشمالية الغربية العسكرية، قائد الفرقة الأولى مدرع، حينها، والمحسوب على حزب التجمع اليمني للإصلاح، في حين بقي الحرس الجمهوري (الذي أشرفت واشنطن على تدريبه) على الحياد، حسب ما جاء في  برقية للسفارة الأمريكية في صنعاء بتاريخ 14 تموز/ يوليو 2008، سَرَّبها موقع ويكيليكس.

في تلك الحرب التي اكتنفها الغموض “منع الأمريكان استخدام الآليات الأمريكية ضد الحوثيين”، وفق ما صرح الرئيس اليمني الراحل علي عبدالله صالح، لقناة “روسيا اليوم”، في نيسان/ أبريل 2016، كما “صمت المجتمع الدولي على حرب صعدة لعلمه بأن الحوثيين مجموعة فرعية في الحرب على الإرهاب”، حسب تقرير لمجموعة الأزمات الدولية، صدر في آيار/ مايو 2009.

بعد 3 أيام من اقتحام الحوثيين لمعسكر اللواء 310 مدرع  في محافظة عمران، وقتلهم قائده اللواء حميد القشيبي، أعتبر مجلس الأمن الدولي ما يجري في عمران  صراعاً بين جماعات مسلحة، وطالب، في بيان صدر عنه في 11تموز/ يوليو2014، القوات اليمنية “أن تبقى ملتزمة بتعهدها بالحيادية”.

بدلاً من أن يشارك في مراسيم تشييع اللواء القشيبي، التي شهدتها العاصمة صنعاء يوم 23 من الشهر نفسه، توجه الرئيس هادي إلى مدينة عمران ليعلن من هناك أن “عمران عادت الى أحضان الدولة”. وهي تصريحات أثارت، حينها، انتقادات ناشطين على مواقع التواصل الاجتماعي، لأن عمران كانت فعلياً تحت سيطرة الحوثيين.

بعد نحو7 سنوات على تلك الزيارة التي صادفت ذكرى ثورة 23 تموز/ يوليو المصرية، تبدو تصريحات هادي في ذلك اليوم بمثابة كلمة مفتاحية لفهم حقيقة الصراع الذي تسبب في وفاة 300 ألف يمني قضوا إما قتلاً أو نتيجة سوء التغذية وانعدام الرعاية الصحية وفق تقديرات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي.

يمثل هذا الرقم ضعف عدد ضحايا الهجمات الإرهابية التي نفذتها على المستوى العالمي جماعات دينية وغير دينية خلال 48 عاماً (1970- 2018)، والبالغ حسب قاعدة بيانات الإرهاب العالمي 140ألف شخصاً.

كما تسبب انقلاب 21 أيلول/ سبتمبر 2014، في رفع عدد المحتاجين للمساعدة الإنسانية في اليمن من  10.5 ملايين شخص في العام  2014 إلى أكثر من  24 مليون في العام 2021، بحسب الأمم المتحدة.

لكن الكارثة التي حلت باليمنيين “لم تكن من صنع القدر، بل محصلة مسار كارثي التقى عليه مهندسو المرحلة الانتقالية، اليمنيون والخليجيون والأجانب الذين فعلوا كل ما ينبغي فعله لإخماد ثورة الشعب اليمني السلمية”، وفق ما يقول لـ”رصيف 22” سامي غالب، مالك ورئيس تحرير صحيفة “النداء” المستقلة.

 كان غالب، الذي توقفت صحيفته منذ العام 2011، لأسباب مالية، من أوائل الذين حذروا  من “الوثيقة الفكرية والثقافية للزيدية”، التي أعلنها الحوثيون عشية انتخاب هادي، المنتمي إلى المذهب الشافعي.

في وثيقتهم تلك يُعَرِّف الحوثيون أنفسهم بأنهم “مجاهدون من نسل نبي الإسلام محمد، اصطفاهم الله للحكم وتفسير القرآن ومحاربة الكفار”، ما يضعهم في خانة واحدة مع تنظيم القاعدة والحركة النازية، بحسب “طربوش”.

تقول استراتيجية الأمم المتحدة لمكافحة الإرهاب إن “استخدام الجماعات غير القانونية العنف لتحقيق أهداف سياسية أو دينية، أو اجتماعية او اقتصادية، يُعد إرهاباً يقوض حقوق الإنسان والديمقراطيـة، ويزعزع استقرار الحكومات الشرعية”.

لكن وخلافاً لتنظيم القاعدة في شبه جزيرة العرب، الذي أجمعت الأطراف اليمنية والإقليمية والدولية على محاربته، سُمِحَ للحوثيين بالمشاركة في مؤتمر الحوار الوطني الذي رعته الأمم المتحدة برغم استمرارهم في ممارسة العنف.

تتذكر الكاتبة والناشطة اليمنية بشرى المقطري، ما جرى خلال لقاء عقد مطلع العام 2012، في مقر سكن نائبة السفير الأمريكي في صنعاء، اليزابيث ريتشارد، جمع قادة أحزاب يمنية ونشطاء بينهم المقطري، مع نائب وزيرة الخارجية الأمريكية.

تقول “المقطري” لـ”الشارع”: “كان السفير جيرالد فايرستان، حريصاً بأن لا تؤثر هيكلة الجيش على الحرس الجمهوري”، وهي القوات التي لعبت، بدءاً من منتصف العام 2014، دوراً حاسماً في عملية السيطرة على السلطة.

ولم يتسن الحصول على تعليق السفير السابق فايرستاين إلا أن شهادة “المقطري” تتسق مع معلومات هذا التحقيق؛ ففي شباط فبراير 2013، على سبيل المثال، رفض السفير فايرستاين، في مؤتمر صحفي نُظِّمَ في صنعاء، مشاركة عضو مجلس شورى حزب التجمع اليمني للإصلاح، الشيخ عبد المجيد الزنداني في مؤتمر الحوار الوطني، قائلاً إن “الزنداني ما زال متهماً بالإرهاب”.

وعندما أتَّهم مغردون يمنيون المبعوث الأممي مارتن غريفيث بالتحايل على اتفاق الحديدة، دخلت بريطانيا، ممثلة بسفيرها في اليمن مايكل آرون، ووزير خارجيتها جيرمي هنت، على خط الدفاع عن عملية تسليم موانئ الحديدة إلى قوات خفر السواحل الحوثية!

لكن اتفاق ستوكهولم، الذي اعتبر في حينه أول انجاز للأمم المتحدة، أنتهى واقعياً إلى مفاقمة معاناة المدنيين، بحيث أصبحت الحديدة نسخة من مدينة تعز المحاصرة والمقسمة منذ 6 سنوات. وسجّلت الحديدة أعلى معدل في عدد القتلى المدنيين مقارنة بما قبل الاتفاق، حسب منظمات إنسانية.

وباستثناء ملف تبادل الاسرى، لم ينفذ شيئاً من اتفاق ستوكهولم، بما في ذلك إيرادات ميناء الحديدة التي كان يفترض أن تذهب لسداد رواتب موظفي الخدمة المدنية، إلا أن سلطات صنعاء استولت عليها، حسب ما أعترف غريفيثس في مقابلة مع موقع الأمم المتحدة في يوليو الماضي؛ ما أدى الى استمرار معاناة أكثر من مليون موظف يشكلون مع عائلاتهم حوالي ربع السكان، حسب تقديرات البنك الدولي.

وعملا بحق الرد، بعث معد التحقيق رسائل، عبر البريد الإليكتروني، إلى كل من المبعوث الأممي مارتن غريفيث، وفريق الخبراء البارزين الدوليين والإقليميين التابع لمجلس حقوق الإنسان، وإلى منسقة فريق الخبراء التابع لمجلس الأمن، روانثيكا داكشين، تضمنت نتائج التحقيق وبعض الأدلة، إلا أن أيا منهم لم يرد حتى لحظة نشر هذا التقرير.

تبادل أدوار

تتراوح نسبة عدد المقاتلين الحوثيين ما بين 10 و15 في المائة من إجمالي القوات العسكرية التي تسيطر على صنعاء ومعظم مناطق الشمال، حسب تقديرات مصادر أمنية ومدنية طلبت عدم الكشف عن هويتها.

وعلاوة على كونها مجرد غطاء إسلامي في الحرب الإرهاب، لا تشكل المليشيات الشيعية تهديداً للولايات المتحدة، “فالفرق بين الجهادية الشيعية والجهادية السنية هو أنك إذا أعطيت الأخيرة فترة راحة أو ملاذاً آمنا فأنها تستغل ذلك لتهاجم الأمريكيين في عقر دارهم”، حسب ما قال وكيل وزارة الدفاع الأمريكية لشئون الاستخبارات مايكل فايكرز، في مقابلة مع شبكة سي بي اس الأمريكية  في آب/ أغسطس 2019.

يستدل فايكرز بحزب الله اللبناني الذي وإن نفذ، في ثمانينيات القرن العشرين، تفجيرات استهدفت السفارة الأمريكية في بيروت، “إلا أنه لم يتبعنا إلى ديارنا بعد انسحابنا من لبنان”؛ يقول فايكرز، الذي يعد من أبرز مهندسي الحروب السرية في وكالة المخابرات الأمريكية، ولمع نجمه في ثمانينيات القرن العشرين لقيادته عمليات سرية لتجنيد وتسليح المجاهدين الأفغان.

ورغم توفُّر أدلة على وجود صلة للجماعات المسلحة، مثل “الحوثيين”، و”أنصار الشريعة”، و”المجلس الانتقالي الجنوبي”، بأحزاب يمنية إلا أن العقوبات التي فرضها مجلس الأمن على معرقلي العملية الانتقالية في اليمن اقتصرت على أفراد ثانويين، أو لم يعد لهم نفوذ، فيما بقيت الكيانات الحزبية والقيادات السياسية المتخفية وراء المليشيات، بمنأى عن العقوبات.

وخلافا لمزاعم “الحفاظ على الحكومة الشرعية والشعب اليمني”،الهدف الذي قال التحالف العربي بقيادة السعودية أنه يسعى إلى تحقيقه من تدخله العسكري في اليمن في آذار/ مارس 2015، عمل التحالف على تعزيز سيطرة المليشيات.

ويشرح المدير السابق لدائرة التوجيه المعنوي في وزارة الدفاع اليمنية، اللواء محسن خُصروف، لـ “الشارع” كيف تدخل التحالف العربي أكثر من مرة لمنع القوات الحكومية من التقدم نحو صنعاء.

في ربيع 2016، كانت قوات الجيش الوطني على بعد 3 كيلومترات من مطار صنعاء، “إلا أن التحالف أمر قواتنا بالتراجع للخلف وهدد بقصفها أذا لم تتراجع”؛ يقول “خُصروف”.

 وفي تموز يوليو 2019، طفح الكيل باللواء خُصروف، فتحدث في لقاء مباشر مع قناة اليمن الحكومية عن عراقيل وقيود يضعها التحالف أمام الجيش اليمني، ما أدى إلى إقالته من منصبه.

تصريحات “خُصروف” تزامنت مع حلول الذكرى الرابعة لمقتل زميله في الجيش العميد أحمد الأبارة، الذي قضى مع 70 من جنوده في غارات شنتها طائرات التحالف في منطقة “العَبْر” في حضرموت، منتصف 2015، وقيل إنها كانت نتيجة خطاء، لكن “خُصروف” وآخرون يعتبرونها واحداً من الأدلة على مسعى التحالف لتعزيز سيطرة الميليشيات.

نهاية آب/ أغسطس 2019، حاولت قوة عسكرية تابعة للحكومة اليمنية استعادة عدن من سيطرة المجلس الانتقالي الجنوبي، فقصفتها طائرات التحالف، ما أدى الى قتل وجرح 300 جندي وضابط، حسب بيان لوزارة الدفاع، التي اتهمت الإمارات، وهو ما اعتبره “خُصروف” تبادل أدوار بين السعودية والإمارات، مؤكداً أن طائرات التحالف تدار من غرفة عمليات واحدة تقع في الرياض.

وعندما صنفت إدارة الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، في كانون الثاني/ يناير الماضي، حركة الحوثيين منظمة إرهابية أجنبية، استنفرت الأمم المتحدة جهودها لإلغاء التصنيف، وهو ما تحقق لها، في عملية نُظِر إليها بأنها تبادل أدوار ما بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي، إذ سبق لإدارة أوباما أن أوقفت، في آخر شهر لها، صفقة بيع السعودية أسلحة دقيقة وموجهة، ثم جاءت إدارة ترامب لتلغي القرار.

اظهر المزيد

مواد ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى