مقالات رأي

أركب الحافلة!

عدة مرات في اليوم ولا تعلمون مدى حبي للأوقات التي أقضيها في هذه الحافلات وأنا اتجوّل في المدينة.
حقاً..!!
إنها عالم مصغر، تتنوع فيها الأشكال والاجناس والهيئات واللهجات والاهتمامات وحتى الاختيارات بنزول الراكب وطلوع الآخر.

للأحاديث في الباصات معنى آخر ونكهة مختلفة تماماً عن الشارع و المرافق العامة أو البيت، وحيث نعلم أن مدة بقائنا فيها لن تطول سوى لحظات، وسنرغم بعدها على الوداع، فإننا نختصر الكلام ونضاعف المعنى ونُشبِعُه بالإبتسامة ودفئ المشاعر .

ورُغم التزامي بالصمت في أكثر الأحيان والنظر من النافذة للخارج والاكتفاء بالاستماع لأصوات الركاب من حولي، إلا أن جلوس أشخاص بجانبي يُحيّي فيني شغف التعارف، خاصة أولئك الذين يصطحبون أطفالهم معهم. فإنني فوراً أُلقي عليهم التحية وافسح لهم المكان، كم هو ممتع اجتماع شخص بآخر، عقل بآخر، جنس بآخر، فكرة بأخرى، لغة بأخرى والامتزاج مع ثقافات و شخصيات مختلفة، أما نظرات الأطفال فلها حكاية أخرى ونكهات لذيذة للغاية تصعب عليّ وصفها.

في باص مزدحم، لا يقتصر الأمر على الرؤية والحديث فقط، بل بيئتها الخصبة أيضاً تُلهمني أفكار جديدة وتحفزني على التأمل في تنوع الشخصيات واختلاف زوايا رؤيتهم للحياة بمنظار تنوع أذواقهم، كما اقتبس معاني جميلة من كل فكرة يطرحونها عليّ حين اللقاء وحتى وصولي للمحطة الأخيرة.

وكم أحب منظر الشباب الذين يقفون خارج باب الباص ليفسحوا الطريق لكبار السن بالدخول أولاً، ومنهم من يقف ويُلَوّْح بيديه لمن يركض صوب الباص ويمتنع عن الدخول حتى يصل ذلك الراكب المتأخر فيدخلان للحافلة بكل سرور وكأنهما ربحا سوياً جولة مهمة في السباق.

ومع أنني لا تحب المقارنة..!!
ولكن ما يعيد ذاكرتي للوراء هو كيفية نزول الراكب من الحافلة في أوروبا بكبس الزر، وكأنه يُعلم البقية بأن عليه المغادرة في المحطة القادمة، بينما ركاب الدباب والباص في وطني يغادرون دون أدنى همس وإنذار أو حتى وداع.

وما يؤلمني حقاً؛ عندما أتفاجئ بخبر مغادرة صديق حافلة الحياة، بعد أن رافقني عدة محطات فيها. فكم أتمنى حينها
لو كان نزوله مشروطاً بالضغط على الزر ، وانشغلنا بالكلام ولم يقف له الباص في محطة حياته الأخيرة.

اظهر المزيد

مواد ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى