مقالات رأي

محطات من ذاكرة زمن أضحك اليمن لأيام وأبكاه حتى اليوم (1)

كلما أغرقك الحاضر في بلاويه، فتِّش في ثنايا الأمس بحثاً عن السبب. من زرع حصد.

قالوا إن الوحدة ستجب ما قبلها، لكنها وظفت بالحرب لإحياء ميراث ما قبلها على نحو أكثر بشاعة وأشد ضراوة.. حُمِّلت أثقال الماضي والحاضر والمستقبل. تناهشها مدمنو الغلبة ممن قمعوا بالعصبية مشروع “الوطن” الذي كانت قد بشرت به.

كانت العصبية قد استفزها أن ترى أبناء اليمن يبحرون جميعاً على سفينة واحدة بهوية “مواطن” ، فخرق منتسبوها السفينة، ليس لحمايتها من الملك الذي “يأخذ كل سفينة غصبا”، وإنما لتعطيل مسارها ليتسنى للملك مصادرتها بمن وبما فيها.
ظل الملك مخيماً بالقرب من كرسي السلطة الجمهوري، في حين أبقى النظام “الجمهوري” قطاعات واسعة من الشعب بعيداً عن الجمهورية ومنجزاتها كمخزون احتياطي للملك. لم يكن مستعجلاً للانقضاض على الجمهورية، لكنه كان يرتب أدواته بهدوء، ويعيد بناء شخصيته بمثابرة داخل وعي أعدائه قبل أنصاره. أدرك أن أعداءه الذين يرفضون بناء الدولة ويتمسكون بالعصبية هم أشد ولاء له ولمشروعه، وأن ما يفرقهم هو السلطة والولاية.

لكن هذه مسألة، كما يراها، مقدور عليها حينما لا يكون الصراع مستنداً على مشروع يستقطب المجتمع .. بمعنى مشروع يبقي عناوين مثل الجمهورية والوحدة بلا محتوى ثوري للتغيير ، ويحول دون تحويل البلاد إلى وطن.

كان ” خصوم” الملك- الإمام ـ أكثر إخلاصاً لمشروعه التاريخي، وذلك بمنهجهم الذي يرفض الدولة المدنية ونظام المواطنة القائم على أن الشعب هو مصدر السلطة ومالكها. وهم يلتقون معه على قاعدة مشتركة ترى بأن الدولة يجب أن تبقى في قبضة عسكرية – ثيوقراطية مزدوجة، حتى لا تذهب بوظيفتها بعيداً عما يرسمه حراس هذا النوع من الأنظمة التي تؤدي وظيفة انتقالية.

وهم ، أي هؤلاء الحراس، بتعدد واختلاف مرجعياتهم وأسانيدهم ، لا يتورعون من تسليم هذه الدولة لأي مستبد قادم من خلف الدبابة، طالما ترك لهم مساحة لممارسة وظيفتهم في صب اللعنات وتكفير كل من يتجرأ على رفع صوته معارضاً للاستبداد .. يتحول الثيوقراطي إلى خادم للاستبداد ومبشر به طالما أن هذا الاستبداد يمنع قيام دولة يكون الشعب فيها هو مصدر ومالك السلطة، مع ما يوفره ذلك من شروط لدولة مدنية، ونظام مواطنة عادل.

في أهم اللحظات التي كان أخذ فيها اليمنيون يتهيأون للانتقال إلى الدولة بعد أشهر من إعلان الوحدة، اجتمع كثير من علماء الزيدية ليعلنوا بيانهم الذي تخلوا فيه عن الشق السياسي في مذهبهم والقاضي بحصر الولاية والحكم في البطنين ( فيما عدا بدر الدين الحوثي الذي كان متمسكاً بالولاية باعتبار أنها مرتكز المذهب الذي يفقد المذهب معناه بدونه)، وهو البيان الذي تلقفه متنفذو القبيلة المنضوية تحت رداء” الزيدية” والملحقة بها في مناطق اليمن الأخرى ، ومعها كل المتخندقين في كهف المركزية الاستبدادية المهيمنة، لتعيد بناءه لصالح المركز المقدس في اجتماع موسع لركني هذه المركزية ( السيد والرعوي)، وكان أشبه بمؤتمر تسوية ومصالحة لمواجهة مشروع الدولة الذي بشرت به الوحدة.

أسفر الاتفاق عن التمسك بعناصر الهيمنة المركزية للدولة، الذي تصبح الدولة بدونه، كما يرها هؤلاء ، شأناً يتداوله الرعاع وخاصة رعاع الأراضي الموطوءة، كما يسمونها، وهو أمر لم ولن يقبلوا به.

وبدأوا بالخطوة الأولى وهي رفض قانون الحكم المحلي الذي يؤسس لنظام لامركزي للدولة، وتمسك أصحاب الاتفاق بمصطلحات فضفاضة ترفض استخدام عبارة “الحكم المحلي” أو “السلطة المحلية ” مستبدلين إياها بأكثر العبارات تشدداً في الرفض، وهي “الادارة المحلية”، والتي لا تعني أي قدر من تفويض المركز لسلطته لما عرف بالمجالس المحلية.

وبصورة متوافقة مع هذا المنحى المعبر عن رفض تفويض السلطة، تم التمسك بالتراتبية القبلية في النظام الاجتماعي الذي يدين بالولاء لمركز ذي قرون ثلاثة:
١/النظام السياسي المركزي ، ٢/ النظام القبلي صنو هذا النظام السياسي ، ٣/ فضاء الإرث الثقافي والروحي للزيدية السياسية وأدواته الفكرية التي واصلت خلخلة البنية الاجتماعية الوطنية بتشكييلات اجتماعية انقسامية وتحريضية ضد الدولة الوطنية.

وساعد هذه التراتبية القبلية نظام سياسي خذل الدولة وعطل مقوماتها، وأخذ يتجذر في بنية اجتماعية وسياسية مسلحة استطاعت بالحرب أن تنهي حلم الدولة الوطنية لمدة سبعة عشر سنة منذ حرب ١٩٩٤ حتى استعاد المد الوطني وعيه بقيمة هذه الدولة، وهو ما أكد عليه الحوار الوطني.

لكن ما يلفت الانتباه هو أن القوى المتنفذة في إطار التحالف القديم ضد الدولة، وإن اختلفت وتصارعت، إلا إن ذلك كان على هامش حقيقة موقفهم المشترك المناهض للدولة الوطنية ونظامها المدني القادر وحده على تحويل البلاد الى وطن والرعوي إلى مواطن.

وهكذا فإنه في اللحظة التي كان اليمن فيها يتأهل للانتقال إلى مشروع الدولة الوطنية كان حراس المركز يقاومون هذا الانتقال ويدمرون أسسه القانونية أولاً بضجيج سياسي أربك المشهد كله، وثانياً بتجريف الالتفاف الشعبي حوله بافتعال الأزمات والتحضير للحرب.. وكانت بداية الانهيار.

من صفحة الكاتب على “فيسبوك”

اظهر المزيد

مواد ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى