مقالات رأي

سبتمبر الرمز

ما من شك أن الحرب الجارية في اليمن تدور حول الرمز قبل أن تكون مرتكزة على علاقات القوة المادية. وهي حرب على الرغم من أبعادها المتعددة ومستوياتها المتنوعة التي يصعب ايجازها وتبسيطها؛ إلا أنها تقوم على ثنائية رمزية شديدة الوضوح هي سبتمبر الجمهورية والنور، وسبتمبر الكذوب الظلامي والكهنوتي.

ولو لم يكن للرمز من سلطة لما اختار إماميو العصر بنزعة ثأرية شهر سبتمبر لمحو سبتمبر الجمهورية. انقضوا على ثورة اليمنيين كل اليمنيين في 21 سبتمبر مستعجلين أمرهم ليقيموا حفلتهم الشيطانية الخاصة بهم وبمعاونة سرّاق الشرف الجمهوري العظيم.

ها هم اليوم يستولون على جغرافيا ثمينة ويحبسون شعباً لا أطيب منه (حد السذاجة وإلا لما قَبِلَ بدجلهم)، ويسيطرون على الموارد والإعلام. لكنهم عاجزون عن جعل حفلتهم حفلة للجميع أو تكريس رمزهم ليكن رمزاً وطنياً.

هم يقدّسون أزلاماً والشعب يقدَس الفكرة. هم يدعون الناس إلى الولوج من باب العبودية والتزلم. والشعب يدعوهم إلى اكتشاف مسرح الحرية. ينادون بـ حيا على شر الأمس؛ ويناديهم الشعب بـ حيا على خير الغد.

مضت خمسة أيام منذ أن عبأوا المجتمع قسراً ليحتفي بكذبتهم واكتشفوا أنهم إنما يحتفون بخيبتهم ويلعنون خطواتهم ويكرسون عزلتهم المختارة ورفضهم لأنفسهم وللناس.

ثم هلّ يوم 26 سبتمبر لتلهج به الألسن وتقدسه الضمائر دون تعبئة ولا قسر ولا عصبوية سوى الانحياز لقيم الخير والجمال في هذا اليوم، لقيم النور والضياء، لقيم العدالة الاجتماعية والمساواة، للتنوير والطبابة، والحياة.

لم يكن سبتمبرنا كاملاً، وهذه هي طبيعة الأشياء الكبيرة التي لا تأتي ناجزة لأنها معجونة من أحلام وتطلعات العامة ولأنها تروم الغد المتبدّل غير المتوقع. كما أن سبتمبر ثنية في التاريخ المعوج لألف عام؛ وثقيف لرمح متطاول انحرف عن المجد وأركن في زاوية مظلمة.

سبتمبر هو ثورة كل جيل. على كل جيل أن يُسهم فيها بطريقته وبما يكتسبه من قيم الخير والجمال المتعاظمة والمتحولة والمتجددة. وإلا ما حق لنا أن نتملكه إذا كان ناجزاً كاملاً.

أكثر النقد الموجه لسبتمبر هو أنه لم يقض على حياة الأمس المظلم وشخوصه. هل علينا أن نعتبر كرم وشيم أخلاق وتسامح الآباء خطأ؟

لقد وضع الآباء لبنة أولى وربما ثانية وثالثة في مسيرة التحرر والتنوير. فماذا فعل اللاحقون؟

باختصار، بعض المتشدقين بسبتمبر انقلبوا على أعقابهم لا أقل ولا أكثر فباعوا جمهوريتنا بثمن بخس إلى سائس الأمس.

منذ 2011 وثورتي سبتمبر وأكتوبر تتحولان من برتوكول إدارة عامة وسلوك بيروقراطي أجوف الى إحساس شعبي. منذ هذا التاريخ والناس تراجع هاتين الثورتين. فاختلطت الأصوات وكان بعض النكوص. لكن للشعب حدس فائق. فكلما اقتدنا في الظلام أكثر، اشتدت حاجتنا إلى النور وتلمسنا جدار الممشى نحو النور ووضعنا يدنا على مشكاة سراج سبتمبر. هذه حقيقة الاحتفاء بهذه المناسبة.

يتوهم الأئمة الجدد أنهم قد قضوا على سبتمبر فيكتشفوا أنهم أيقظوا التنين الراقد. ثم يحاولوا سرقة سبتمبر فتفضحهم خطواتهم الكاذبة.

وكذلك الأمر مع أكتوبر. وسيكون لنا موعد للحديث عنه.

إن أخير ما في 26 سبتمبر هو تقديمه لنموذج الانعتاق، والانفراج بعد الضيق، وايمان الشعب بقدرته لا بتخاذل وحسابات القوى السياسية المحلية والإقليمية، وبقدرته على اجتراح المعجزات.

حالنا اليوم لا يختلف عن الستينيات من حيث الجوهر: تيه وضلال، مشاريع متعدد، وصديق في مرآة العدو، وقوى دولية وإقليمية في مفترق طرق وأهواء متبدلة لا يمكن الركون عليها كثيراً.

أو كما يوجز الأمر البردوني:

والصداقات كالعداوات تؤذي/ فسواء من تصطفي أو تعادي

لكن سبتمبر هو تميمتنا وترنيمتنا.

اظهر المزيد

مواد ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى