تقارير

“الصحة العالمية وحياة السود” أبرز المرشحين.. هل تضل جائزة نوبل للسلام طريقها مجددا

اندبندنت عربية- إنجي مجدي:

واحدة من المعادلات الحسابية التي يستدل بها على منطق الأمر هي (واحد زائد واحد يساوي اثنين)، وهو المثال الذي ربما يمكن الإشارة إليه عند الحديث عن الجوائز التي تمنحها هيئة نوبل للفئات العلمية مثل الكيمياء والطب والفيزياء باعتبار أن ما قدمه أصحاب هذه العلوم من إسهامات للبشرية واضح للعيان، غير أن الفئات الأخرى من الجائزة، تحديداً “جائزة السلام” تتمتع بتاريخ من الجدل واتهامات بالانحياز.

وفي كتابه “الجائزة الأكثر شهرة وإثارة للجدل في العالم”، يسلّط الصحافي الأميركي جاي نوردلينغر، الضوء على تاريخ نوبل للسلام التي بدأت عام 1901 جنباً إلى جنب مع جوائزها الأخرى، والتي مرت بحربين عالميتين وثالثة باردة ورابعة على الإرهاب وغيرها من الأحداث الفاصلة في التاريخ الحديث.

يقول نوردلينغر إن “بعضاً ممن نالوا الجائزة كانوا رجال دولة تاريخيين مثل نيلسون مانديلا وثيودور روزفيلت أو أبطالاً وقديسين مثل مارتن لوثر كينغ والأم تيريزا. بينما يدور الخلاف أيضاً حول آخرين مثل هنري كيسينجز وميخائيل غورباتشوف وآل غور وباراك أوباما”.

في كل عام، تكرّم لجنة نوبل النرويجية أي شخص أو منظمة لجهودهم وأعمالهم البارزة في تعزيز السلام. ومن بين المرشحين لهذا العام البالغ عددهم 329 مرشحاً، هناك 234 فرداً و95 منظمة. في حين أنه يمكن لأعضاء البرلمانات في جميع أنحاء العالم تقديم ترشيحات لنيل الجائزة، إلا أن الفائز في الأعوام الماضية كان من بين أولئك الذين اقترحهم أعضاء البرلمان النرويجي.

ترشيحات نوبل 2021

تشير توقعات العام الحالي إلى عدد من الأشخاص أو الهيئات التي ربما تحظى بجائزة السلام لـ2021. ورشح خبراء نرويجيون، تحدثوا لـوكالة “رويترز”، مجموعة من الأسماء من مجالات مختلفة، بينهم المعارضة البيلاروسية سفيتلانا تسيخانوسكايا، والمعارض الروسي ألكسي نافالني، والناشطة في مجال المناخ غريتا تونبرغ ومنظمة “مراسلون بلا حدود” المدافعة عن حرية الصحافة. بينما ذكرت شبكة “سي إن إن” الأميركية أن منظمة الصحة العالمية أصبحت المرشح الأوفر حظاً للفوز بالجائزة. وكشف برلمانيون نرويجيون استطلعت رويترز آراءهم عن أن ترشيحاتهم تتضمن منظمة الصحة العالمية وتونبرغ وتسيخانوسكايا ونافالني والسياسية الأميركية ستايسي أبرامز.

ورجّحت وكالة المراهنات “بادي باور” فوز منظمة الصحة العالمية بالجائزة، يليها في الترشيحات نافالني ثم حركة “حياة السود تهم”. واتفقت تلك الترجيحات مع شركتي “بيتفير” و”ويليام هيل” البريطانيتين. إذ صنفتا منظمة الصحة العالمية على أنها المرشح الأوفر حظاً بعد 18 شهراً مضطرباً قضتها الهيئة الأممية في مواجهة جائحة كورونا. وفي حين ذهبت التوقعات لفوز المنظمة بالجائزة العام الماضي، غير أنها خسرتها لصالح برنامج الغذاء العالمي، وهي هيئة أخرى تابعة للأمم المتحدة ساعدت ما يقرب من 100 مليون شخص في 88بلداً عام 2019.

جدل حول الأوفر حظاً

في وسط الجائحة العالمية التي شكّلت تحدياً تاريخياً للبشرية، قادت منظمة الصحة العالمية جهوداً واسعة بداية من التوعية بالإجراءات الاحترازية الصحية في دول العالم وصولاً إلى مبادرة كوفاكس لتوزيع اللقاح وضمان وصوله إلى الدول الفقيرة. ومع ذلك، أثارت المنظمة جدلاً واسعاً في بداية الجائحة نظراً إلى تأخرها في تحذير الحكومات والعالم بشأن انتقال الفيروس بين البشر، مما دفع باتهامات للمنظمة الأممية بالتواطؤ مع الصين للتكتم عن حقيقة الفيروس المميت.

وفي أبريل (نيسان) 2020، بعد أيام من تعليق واشنطن مساهمتها السنوية في تمويل منظمة الصحة العالمية، وسط انتقادات واسعة لطريقة إدارة الأخيرة للجائحة، واعتمادها على المعلومات الصادرة عن الحكومة الصينية بشأن عدم انتقال الفيروس بين البشر، وعدم الحاجة إلى فرض حجر صحي، غرّد رئيس المنظمة تيدروس أدهانوم غيبريسوس، بكلمة واحدة تعني “الصفح”. وهو ما عدّه البعض تعبيراً عن إحساسه بـ”اقتراف خطأ”، فيما أعرب آخرون عن فقدانهم الثقة بالمنظمة.

غير أنه قبل طلب الصفح، دافع غيبريسوس عن قرار المنظمة بإعلان الطوارئ الدولية في 30 يناير (كانون الثاني) فقط، أي بعد أسابيع من ظهور المرض في مدينة ووهان الصينية. وقال “إذا نظرنا إلى الوراء، أعتقدُ أننا أعلنّا حالة الطوارئ في الوقت المناسب، وعندما كان لدى العالم الوقت الكافي للاستجابة”، مضيفاً “في ذلك التاريخ، لم يكن هناك سوى 82 إصابة بـالفيروس خارج الصين، ولم تحدث وفيات في ذلك الوقت”.

لكن مدير معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام دان سميث، يقول في تعليقات لشبكة “سي إن إن” إنه “سيتفاجأ إذا تم اختيار المنظمة، التي اتهمها الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب بأنها قريبة جداً من الصين، لأن دورها لا يزال مثيراً للجدل”. كما لا يتوقع سميث أن تذهب الجائزة إلى الفرق العلمية المشاركة في أبحاث اللقاحات إذ توجد جائزة نوبل في الطب.

كيف ضلت نوبل طريقها؟

لطالما أثارت جائزة نوبل للسلام التي مُنحت لشخصيات الجدل حتى إن عدداً من الأفراد يرى أن الجائزة كثيراً ما تضلّ طريقها. فأحدث مثال على ذلك، الانتقادات الدولية والاتهامات بارتكاب جرائم حرب التي تلاحق رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد. فلم يمضِ عام على نيله الجائزة الأرفع عالمياً، إلا واشتعلت حرب أهلية تشكل تهديداً ليس لإثيوبيا فقط، بل للقرن الأفريقي أيضاً، وسط تقارير صادرة عن الأمم المتحدة تحذّر من ارتكاب جرائم حرب في إقليم تيغراي الواقع شمال البلاد.

كما أن أونغ سان سو تشي، الزعيمة البورمية، التي فازت بالجائزة عام 1991 عندما كانت رهن الإقامة الجبرية، تعرّضت لاحقاً لانتقادات لفشلها في وقف اضطهاد أقلية الروهينغا المسلمة. ففي الوقت الذي أدت الحملة التي شنّها جيش ميانمار ضد مسلمي الروهينغا في ولاية راخين إلى دفع أكثر من 700 ألف شخص إلى البحث عن ملاذ في بنغلاديش المجاورة، إلا أن سو تشي، التي كان يُنظر إليها طويلاً على أنها مدافعة عن حقوق الإنسان والحريات، اختارت الصمت عما يقترفه جيش بلادها بحق الروهينغا، بل أنكرت أمام المحكمة الجنائية الدولية الاتهامات بارتكاب الجيش إبادة جماعية.

وفي العالم العربي، واجهت لجنة نوبل انتقادات لمنح الجائزة للناشطة اليمنية توكل كرمان، على الرغم من خطابها المعادي للتيارات السياسية المعارضة لجماعة الإخوان المسلمين، التي تنتمي لها الناشطة السياسية.

ولاحقت كرمان اتهامات عدة بالتحريض على العنف في الدول العربية. وأخيراً، أثارت الناشطة اليمنية الغضب في تونس ودول عربية أخرى بعدما دعت الجماعات التابعة للإخوان المسلمين في المنطقة إلى التمثل بحركة “طالبان” في تولّي السلطة، فكتبت في منشور على حسابها بـ”فيسبوك” في 17 أغسطس (آب) الماضي، متحدثة عن سيطرة حركة “طالبان” المتطرفة على الحكم في أفغانستان، وفي الوقت ذاته تهاجم الرئيس التونسي قيس سعيد بعد إطاحته حركة النهضة التابعة لتيار الإخوان، قائلة، ‏”لاحظوا سوء التوقيت، في الوقت الذي سُلّمت فيه أفغانستان لطالبان، جرى الانقلاب على الديمقراطية في تونس بهدف إقصاء النهضة. الحقيقة أن حركات إسلامية كثيرة ستندم أنها اتبعت نهج النهضة ولم تفعل ما فعلته حركة طالبان! للأسف هذا هو الدرس الأسوأ على الإطلاق”. وهو ما عدّه المراقبون رسالة تحرض تيارات الإسلام السياسي على العنف والتمثل بـ”طالبان”.

وفور إعلان سعيد تعيين نجلاء بودن رئيسة للحكومة، شنّت كرمان هجوماً شرساً على بودن، الأستاذة في المدرسة الوطنية للمهندسين في تونس وعضو فريق تنفيذ برنامج البنك الدولي لدى وزارة التعليم العالي والبحث العلمي. ووصفتها بأنها “امرأة ضعيفة للغاية، غير معروفة ومن دون رأي أو خبرة أو قرار”. وواصلت في منشورات أخرى على حسابها الهجوم على بودن، وهي أول امرأة عربية تحل على رأس السلطة التنفيذية.

وعندما مُنح الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما الجائزة عام 2009، بعد 263 يوماً فقط من تولّيه منصبه “لجهوده غير العادية في تعزيز الدبلوماسية الدولية والتعاون بين الناس”. بحسب تصريح اللجنة، علّق وقتها ليخ فاليسا، الرئيس البولندي السابق والحائز على جائزة نوبل عام 1983، “بسرعة للغاية. في الوقت الذي لا يزال أوباما يقدّم مقترحات فقط. لكن في بعض الأحيان، تمنح لجنة نوبل الجائزة لتشجيع العمل المسؤول”.

وقبل 10 أيام فقط من قبول الجائزة، أعلن أوباما، آنذاك، نشر 30 ألف جندي إضافي في أفغانستان. كما تبنّت إدارته حرب الطائرات من دون طيار. إذ سمح بضربات جوية أكثر بعشر مرات في الحرب السرّية على الإرهاب من سلفه جورج دبليو بوش، مما أسفر عن سقوط عشرات المدنيين.

ويقول ريتشارد إيفانز، المؤرخ البريطاني وصاحب كتاب “السعي وراء القوة: أوروبا 1815-1914″، إنه مع تحوّل التركيز إلى حقوق الإنسان، كانت جوائز السلام تعتبر تصريحات سياسية مثيرة للجدل من قبل لجنة نوبل. فقد ندد إسرائيليون كثر بياسر عرفات باعتباره مروّجاً للهجمات الإرهابية على بلادهم، بينما انتقد الفلسطينيون شيمون بيريز لفشله في وقف ما اعتبروه تطهيراً عرقياً من خلال توسّع المستوطنات اليهودية في الأراضي الفلسطينية بشكل غير قانوني.

ميدالية حسن سلوك

ويرى إيفانز في مقال نُشر في مجلة “فورين بوليسي” أن جائزة نوبل للسلام ضلّت طريقها، فأصبحت وساماً لأعمال حقوق الإنسان وخانت نوايا ‏مؤسسها. ويضيف “على نقيض جوائز نوبل الأخرى التي كانت خالية من الجدل، فإن جائزة ‏السلام التي خُصصت لصنّاع السلام الدولي، أصبحت ميدالية حسن سلوك عام، الأمر الذي يترك غصة ‏في الحلق عندما يتبيّن أن حامليها أقدامهم ملوثة بالطين”.

وفي حين تنص الوصية الأخيرة لألفريد نوبل الموقعة عام 1895، على أن جائزة السلام ينبغي منحها سنوياً “للشخص الذي قام بأكثر أو أفضل عمل للأخوة بين الدول، من أجل إلغاء أو تقليص الجيوش وعقد مؤتمرات السلام والترويج لها”، فوفقاً لإيفانز، بحلول أواخر القرن العشرين، حُوّلت الجائزة إلى جائزة دولية عامة للمساهمات في تقدّم حقوق الإنسان، وفي بعض الحالات، صنّفت لتكون من نصيب من ينتقدون الأنظمة الديكتاتورية، كما هي الحال مع سو تشي نفسها، أو الألماني كارل فون أوسيتسكي عندما كان يقبع في سجن نازي عام 1936، أو دعاة المساواة العرقية مثل القس ديزموند توتو، الذي ناضل في ظل نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا.

فيما يعتقد سميث أنه لا يوجد “صانعو سلام ووسطاء كخيارات واضحة” هذا العام، لأن عام 2021 “لم يكُن عاماً جيداً للسلام أو صنعه”. وبدلاً من ذلك، أورد ثلاث قضايا رئيسة تحتاج إلى تسليط الضوء عليها: حقوق الإنسان وحرية الإعلام والتغيّر المناخي. مشيراً إلى أنه في ما يتعلق بالقضية الأخيرة، فهي الأكثر ترجيحاً لذا يمكن منح شرف الجائزة للناشطين الشباب المعنيين بها من جميع أنحاء العالم بما في ذلك تونبرغ.

اظهر المزيد

مواد ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى