فنون وثقافة

عبد الرزاق قرنح.. صوت من أفريقيا الشتات

“ألترا صوت”- مصطفى ديب*:

أعلنت اﻷكاديمية الملكية السويدية ظهر الخميس، السابع من تشرين الأول/ أكتوبر الجاري، فوز الكاتب والروائي التنزاني عبد الرزاق قرنح بـ “جائزة نوبل للآداب” لعام 2021، تقديرًا: “لكتاباته العميقة والمؤثرة التي توضّح آثار الاستعمار ومصير اللاجئ نتيجة الفجوة التي يعيشها بين قارات وثقافات مختلفة”، بحسب ما جاء في بيان لجنة تحكيم الجائزة التي أشادت بـ “تمسكه بالحقيقة وابتعاده عن التنميط”.

وأثارت اﻷكاديمية الملكية، للسنة السابعة على التوالي، جدلًا وسجالاتٍ واسعة لا بسبب اختيارها لشخصية أدبية أفريقية من خارج المركز الغربي الذي هيمن على الجائزة خلال السنوات السبع الأخيرة، أو بسبب تجاهلها المستمر لكتّاب وروائيين عالميين مثل ميلان كونديرا، وهاروكي موراكامي، وبول أوستر، ونيغوغو وا ثيونغو، وغيره؛ وإنما لمنحها الجائزة لشخصية غير معروفة، بل تكاد تكون مجهولة بالنسبة للكثيرين حول العالم.

ولد عبد الرزاق قرنح في جزيرة زنجبار عام 1948، لأبٍ ينحدر من أصولٍ يمنية، وأمٍ تنزانية. وفي أواخر ستينيات القرن الفائت، على وقع الأحداث التي شهدتها زنجبار بعد ثورة 1964، التي أطاحت بسلطانها العُماني جمشيد بن عبد الله البوسعيدي وحكومته، وبسبب ما ترتب على ذلك من ممارساتٍ انتقامية واسعة ضد العرب وغيرهم من الأقليات التي استوطنت في الجزيرة؛ غادر الروائي التنزاني زنجبار باتجاه المملكة المتحدة، حيث حصل على الدكتوراه في الأدب الإنجليزي من “جامعة كينت” عام 1982، وهي الجامعة التي درّس فيها الأدب الإنجليزي والدراسات ما بعد الكولونيالية منذ عام 1985، وحتى تقاعده قبل وقتٍ قصير.

 بدأ عبد الرزاق قرنح بالكتابة الأدبية بعد نحو عامٍ من وصوله إلى بريطانيا. حينها، لم يكن لديه تصوراتٍ مسبقة عما يريد الحديث عنه بالضبط، إذ يقول في أحد حواراته: “بدأت أكتب بلا مبالاة وبشيءٍ من الخوف من دون أي تصور مدفوعًا برغبة في الإفصاح عن المزيد”.

وفي عام 1987، نشر قرنح روايته الأولى التي حملت عنوان “Memory of Departure”، ثم أتبعها بسبع رواياتٍ أخرى، هي: “Pilgrim’s Way” (1988)، و”Dottie” (1990)، و”Paradise” (1994)، و”Admiring Silence” (1996)، و”By the Sea” (2001)، و”Desertion” (2005)، و”The Last Gift” (2011).

ركّز الروائي التنزاني، في مجمل أعماله الروائية، على المسائل المرتبطة بالهوية، واللجوء، وآثار الاستعمار وممارساته على الشعوب المستعمَرة، لا سيما شرق أفريقيا. وقدّم، في هذا السياق، شخصيات تكابد مشقات الهجرة، واللجوء، ومحاولات الانتماء إلى هوياتٍ جديدة جاهزة، أو مصطنعة، بهدف التأقلم داخل السياقات الزمانية والمكانية الجديدة، التي وصلتها بحثًا عن حياة أفضل. غير أنها، في نهاية المطاف، وبسبب عوامل عديدة، وجدت نفسها ضحية صراعٍ طويل، لا نهائي، بين الماضي والحاضر الذي جاء على عكس توقعاتهم.

وإلى جانب اشتغاله على ثيمات المنفى والهجرة وآثار الاستعمار، وما بعد الاستعمار أيضًا، يتناول قرنح في أعماله مواضيع أخرى عديدة تدور مدار العنصرية، وثقافة المقاطعة، وإرهاب الدولة، والفوقية الثقافية، والكراهية، والعنف، والاختلاف عن الآخر، وتحولات الرؤى الاستعمارية، والتهجين الثقافي والهوياتي وغيرها. كما ويحرص، في الوقت نفسه، على الإضاءة على طبيعة مشاعر شخصياته في ضوء السياقات السابقة.

في دراسته “روايات الشتات الإفريقي ما بعد الاستعمارية”، يصف الناقد المتخصص في الأدب الأفريقي، جون ج. سو، أعمال عبد الرزاق قرنح بأنها تصوِّر: “عنف ما بعد الاستعمار في بلده الأصلي تنزانيا، حيث أطاحت الغالبية السوداء بالنخبة العربية التي كانت موجودة في البلد منذ قرون”، وتركز على: “حالة المنفى التي تولِّدُها مثل تلك الصراعات”.

ويرى سو أن الروائي التنزاني يسعى، منذ روايته الأولى، إلى استكشاف: “تجارب الأفارقة الذين لا يشعرون أنهم في وطنهم، لا في أفريقيا ولا في بريطانيا العظمى. ففي عالم يبدو واضحًا أن العنف يستهلكه، يجد أبطال قرنح أنفسهم في حالة ترحال دائم”. ويضيف: “يبدو أن قرنح يرفض أن يصوِّر لحظة مصالحة نهائية بين أبطال رواياته وعائلاتهم، أو بين الجماعات العرقية والدينية المتناحرة، أو بين الماضي الاستعماري والحاضر ما بعد الاستعماري”.

وإلى جانب أعماله الروائية، قدّم عبد الرزاق قرنح مجموعة من الأعمال النقدية، التي ركزت على أدب ما بعد الكولونيالية داخل أفريقيا وفي منطقة البحر الكاريبي وأماكن أخرى. بالإضافة إلى تحريره مجلدات عديدة حول الموضوع نفسه.

* كاتب وباحث وصحفي من سوريا.

اظهر المزيد

مواد ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى