رصيف

خديجة قاسم.. سيدة التوجيه التربوي والنضال

“الشارع”- صفا ناصر:

قبل أن أذهب إلى مقابلتها، قالوا لي في وصفها، أنها طراز السيدة الأنيقة، لها طابع يميّزها بشعرها الأشقر القصير المصفف بعناية، وأحذيتها ذات الكعب العالي الرفيع، ومروحة الحرير التي لاتفارقها. استقبلتني عند الباب، كان الوصف أقرب إلى الواقع، ملامح رقيقة وصوت هادئ النبرات، لكن من وصفها نسي أن يخبرني عن رهافة مشاعرها، وأنها تبكي سريعًا عند كل ذكرى حزينة. بكت بعد دقائق من حديثنا حين ذكرتْ والدها، اعتذرت منها وناولتها منديلًا، ثم بكت مرة ثانية عند ذكر الحرب ومآسيها، عرفتُ حينها أنني على موعد مع حوار سيتخلله الكثير من الدموع والاعتذارات..

 

ولدت خديجة قاسم في الثامن عشر من يوليو/ تموز، عام 1950، في حي الشيخ عثمان بعدن. توفّي والدها وهي طفلة تقارب السابعة. “لا تحفظ ذاكرتي صورة واضحة عن ملامحه، كان يعمل في نقل البضائع إلى مناطق الشمال، يغيب عامًا أو أكثر، لكنه أمّن لنا وضعًا ماليًا مستقرًا“. تدمع عيناها وتكمل.في إحدى رحلاته انتظرناه، لكنه لم يعد، قيل لنا أنه مات، لكننا لم نعرف كيف مات. مات الأب وترك ستة أطفال، اضطرت الأم إلى مغادرة المنزل والإقامة في بيت الجد. أقمنا مع خالي، تولى الإنفاق علينا، لكن أوضاعه المادية لم تكن جيدة، فقررت أمي أن تعمل، كانت تخضّب النساء، وتطبخ المأكولات في رمضان، كانت ذات شخصية قوية إذا عزمت على أمر تنفذه“. تبتسم للذكرى.في مرة طُلب منها أن تبصم، فرفضت، قالت، أريد أن أكتب اسمي، والتحقت بصفوف محو الأمية، وتعلّمت كيف توقع باسمها: زهرة“.

درست خديجة الابتدائية في مدرسة الشمالية، (مدرسة نور حيدر حاليًا)، لعامين، ثم في الجنوبية (العبادي حاليًا). ولم تشارك في النشاطات المدرسية إلا في المرحلة الإعدادية التي درستها في مدرسة 30 نوفمبر، في تلك السن صارت خديجة أكثر جرأة. نظّمت المدرسة حفلاً بمناسبة انتهاء العام، اختاروني ضمن فقرة الرقص“. تحرّك مروحتها ذات النقوش الفرعونية وتكمل ضاحكة: رقصت، نسيت اسم الرقصة، أذكر أنها كانت رقصة غربية. أما في مرحلة دراستها الثانوية، فكان القدر يقودها إلى طريق آخر..

 

الأحلام قد تنتظر قليلاً

في العام 1965 التحقت خديجة بالثانوية في كلية خورمكسر للبنات. أذكر صالة الرياضة التي كانت تبهرني، صالة مجهزة بمختلف المعدات، تتيح لنا أن نشبع رغباتنا في الانطلاق والجنون، كرة الطاولة، الجمباز، التسلق، السباحة. كانت الكلية صرحًا بديعًا، وكانت أحلامي تكبر بحجمها. كان حلمها أن تصير معلمة، مثل معلمات كثيرات أحبتهن، وكانت تحاول في البيت تقليدهن، منهن مدرّسة اسمها ناعمة الزغير. كانت ناعمة بحق، كالوردة، بيضاء بشعر كستنائي ينسدل على كتفيها، ولها ابتسامة لا تغيب“. ولا تنسى خديجة نور حيدر، مديرة مدرستها الابتدائية. أتذكر الست نور حيدر، كانت تقف في طابور الصباح بثوبها الماكسي الأسود المطبوع بالورود، وشعرها المعقوف إلى الخلف، وصوتها الحنون. كنت أقلّدها في خيالي، وأحلم أن أكون مثلها. لكن الأحلام شيء والواقع شيء آخر. بعد أن أنهت خديجة سنتها الأولى في الثانوية، أخبرتها والدتها أن عليها أن تترك المدرسة، وأن تعمل كي تساعدها في أعباء تربية أخوتها.ألحقتني أمي بمعهد للتدريب على الطباعة كي تضمن نجاحي في الحصول على وظيفة، وهكذا كان. عملت خديجة في مصافي عدن، ضاربة على الآلة الكاتبة باللغة الانجليزية، وأكملت ما تبقى من سنوات دراستها الثانوية عن طريق الانتساب. انخرطت خديجة في سوق العمل في السادسة عشرة من عمرها، كان الدوام طويلًا يبدأ منذ الصباح الباكر وحتى العصر، عاشت تجربة من نوع آخر، مختلفة كلية عن طبيعة الحياة التي عرفتها في المدرسة. كنت أشعر بالرهبة، خجولة، مقلّة في الحديث، أرد على السؤال بحذر.

ظلّت خديجة على تلك الحال إلى أن تعرّفت إلى عبدالواسع قاسم، وعلى يديه تشكّلت شخصية جديدة..

 

درب العمل والنضال

كان عبدالواسع قاسم عضوًا في اللجنة النقابية لمصافي عدن، استطاع أن يكتشف الشخصية الحقيقية لخديجة، والقدرات الكامنة وراء الفتاة الخجولة.أصرّ أن يضمّني للنقابة، انخرطت في العمل النقابي، مارست عملي بنجاح، ثم دفعني للالتحاق بجمعية المرأة العربية، وفي الجمعية فُتحت أمامي آفاق جديدة. كانت الجمعية تمهيدًا وتهيئة للعمل الحزبي. نجيبة محمد عبدالله، رئيسة الجمعية، كانت من القيادات النسوية في تنظيم الجبهة القومية، وكذلك كان عبدالواسع قاسم عضوًا في الجبهة، فوجدت خديجة نفسها منخرطة في العمل السياسي. كانت تأتي لزيارة الجمعية عدد من القيادات النسوية، مثل عايدة علي سعيد التي أصبحت رئيسة اتحاد نساء اليمن، الأستاذة ثريا منقوش إحدى القيادات التي تولت مسؤولية الحلقة التي كنت فيها، الدكتورة فوزية عبادي، والأخت عديلة سعيد سالم، كانت اللقاءات الأولى تكرّس لبناء وإعداد البراعم وتسليحهم بأهم سلاح وهو الثقافة. شدتني المكتبة خلفها، بأرففها العالية التي تكاد تلامس السقف، حاوت قراءة عناوين بعض الكتب، وكأنها خمّنت ما أريد، قالت:قرأت لساطع الحصري وسلامة موسى قادة العمل النسوي، والكثير من الروايات السياسية والاجتماعية، صقلت القراءات شخصيتي، وغيّرت الكثير من المفاهيم لديّ، كانوا يكلفوننا بقراءة كتب وتلخيصها ومناقشتها جماعيًا، وتوقيعها بالاسم الحركي لكل واحد منّا. اخترت اسم خالدة، لا أذكر لمَ اخترته، ربما للمعنى الذي كان يتردد دومًا على أسماعنا: الخلود للشهداء“. كانت خديجة في منصب خلية قيادية، من مهامها توزيع النشرة الخاصة بالتنظيم، واسمها ”المقاومة”. كنا نأخذ النشرات من شفيقة علي صالح، بعد أن تطبعها في بيتها وينسخها الزميل عبدالواسع قاسم الذي كان كثيرًا ما يتعرض للاعتقال. كما كان من ضمن مهامها، رفع مستوى وعي المرأة واستقطابها للعمل السياسي ضد المستعمر، عن طريق إلقاء الخطب في المساجد. كنت أدخل مصلى النساء في مسجد الهاشمي بعد انقضاء صلاة الجمعة، أتسلل وأمسك مكبر الصوت، وأصعد ع المنبر، وأخطب في النساء، أخبرهن أننا نعيش استعمارًا لا بد أن نتحرر منه“. سألتها إن كانت تجد تجاوبًا منهن. ردت:كن يستمعن إلي، وهذا في ذاته أمرٌ جيد، يكفي أن تعرف المرأة أن هناك حراكًا ضد الاستعمار، راهنت على أنهن في طريقهن إلى بيوتهن قد تسأل إحداهن نفسها عن ذلك الكيان الاستعماري الذي سمعت عنه اليوم.

وفي غمرة انشغالها بالعمل والدراسة والنضال ضد المستعمر، كانت خديجة على موعد مع بدايات جديدة..

 

فرحتان، الزواج والتدريس

مطلع العام 1967 انتقلت خديجة مع أسرتها من بيت الجد الى سكن مستقل، وهناك تعرّفت إلى زوجها، الدكتور جعفر خامري. سكنا الطابق الأول في البناء الجديد الذي انتقلنا إليه، وكان الطابق الثالث يشغله أحد الساكنين الذي كنت أزور زوجته كثيرا، وكان ابن عمه يزوره أيضا. كنا نلتقي صدفة ونتحدث، عرفت أنه ينتمي إلى الجبهة القومية هو أيضًا، فكنا نقضي وقتًا طويلًا في النقاش السياسي“. تقاربت التوجهات والأفكار فتقاربت القلوب، وكان الزواج  مطلع العام 1969، ثم الأمومة مع نهاية العام نفسه، حينها اضطرت خديجة لترك عملها في المصافي، لتبحث عن عمل يتناسب ومسؤوليات حياتها الجديدة، فعادت إلى حلمها القديم، التدريس. ”اشتغلت معلمة في مدرستي القديمة الجنوبية التي صار اسمها حينها 9 يونيو، ثم وكيلة، وأخيرًا تسلمت إدارتها في العام 1974. أضيفت أعباء العمل الثقيلة إلى مهام الزوجة والأم لثلاثة أطفال، لكنها وجدت المساعدة. ”ساعدتني أمي كثيرًا، وكذلك زوجي جعفر، كان إذا عاد من عمله قبلي، يدخل المطبخ لتجهيز طعام الغداء.

التحقت خديجة في العام 1975 بكلية التربية لدراسة اللغة العربية. وفي العام 1977 صدرت ترقيتها إلى وكيلة في ثانوية بلقيس، وبعد تخرجها بعام، وفي العام 1981، غادرت إلى جمهورية ألمانيا الديمقراطية، بترشيح من وزارة التربية والتعليم، في منصب نائب الملحق الثقافي في سفارة جمهورية اليمن الديموقراطية في برلين. كانت مهام عملي مساعدة الطلاب الدارسين هناك، ومتابعة شؤونهم وحل مشكلاتهم، كما كنت أذهب إلى المطار لاستقبال الطلاب الجدد القادمين، وأرافقهم لترتيب وضعهم في السكن الداخلي. كنت أشعر أنني أقدم لهم الدعم النفسي حين ألمس فرحتهم برؤيتي. عادت خديجة من ألمانيا في العام 1983 واستلمت إدارة ثانوية عثمان عبده، قضت في الإدارة عامًا واحدًا، ثم تحولت إلى إدارة التوجيه التربوي بصفة موجه تربوي، وبقيت في المنصب حتى العام 1986، وبعد عام قضتها في إدارة التدريب والتأهيل، عادت إلى إدارة التوجيه في منصب مستشار المدير، ومن ثم في منصب مدير الإدارة في العام 2004، وأخيرا عُيّنت مستشارًا لمدير مكتب التربية في محافظة عدن في العام 2010 إلى أن تقاعدت، قبل سنوات، كي تُعنى بوالدتها المريضة.

واليوم، تحاول خديجة التأقلم مع الايقاع الهادئ الذي يفرضه التقاعد، بعد حياة حافلة بالعمل والنشاطات والنضال، شديدة التعلق بمنزلها الذي ما تزال تسكن فيه منذ زواجها قبل أكثر من خمسين عامًا، محاطة بعائلتها، وذكرى والدتها التي كانت هي الأخرى مناضلة على طريقتها، ناضلت ضد الترمل المبكر، والفقر، وصعوبات الحياة، وأنشأت أبناء منهم الدكتور خالد قاسم، الذي يطلقون عليه في عدن لقب ”طبيب الغلابة“. تغالب خديجة الشوق إلى والدتها، يعزّيها أنها حققت لها حلمها. كانت أمي تتمنى أن أكون مسؤولة في مهنتي وقد كان لها ذلك حين أصبحت مديرة مدرسة  9 يونيو، كانت تزورني عند الظهر، تحمل معها المشموم وأقراص الخبز، كنت أقرأ في عينيها الفخر بي، وكأنها تقول: مديرة هذه المدرسة ابنتي، من صنعي، أنا الأرملة الأميّة الفقيرة.

اظهر المزيد

مواد ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى